ایکنا

IQNA

11:39 - August 31, 2026
رمز الخبر: 3506141

إيران..حين أخرجت كربلاء من الكتب

بقلم الكاتب والباحث العراقي "رسول حسين ابو السبح"

إيران..حين أخرجت كربلاء من الكتب

هناك فرقٌ كبير بين أمةٍ تتذكر الامام الحسين(ع)، وأمةٍ تسأل نفسها كل يوم… أين يقف الامام الحسين(ع) لو كان بيننا اليوم؟

الأولى تحفظ واقعة عاشوراء بوصفها تاريخًا، تبكي شهداءها، وتستعيد أسماءهم في المواسم، أما الثانية فتتعامل مع عاشوراء باعتبارها امتحانًا مستمرًا، ماذا نفعل حين يتحول الظلم من سيفٍ في يد رجل إلى منظومةٍ كاملة من القوة والمال والإعلام والعقوبات والهيمنة؟

ربما هنا تحديدًا يمكن فهم جانبٍ من التجربة الإيرانية التي قلّما يُنظر إليها من هذه الزاوية.

لم تكن المسألة، في جوهرها، أن إيران رفعت راية الامام الحسين(ع) أكثر من غيرها، فالحسين(ع) حاضر في وجدان شيعته المسلمين منذ أربعة عشر قرنًا، المسألة الأعمق أن الثورة الإيرانية حاولت نقل الامام الحسين(ع) من مقام الرثاء إلى مقام الفعل، ومن الذاكرة إلى القرار، ومن المنبر إلى الميدان.

ولهذا تبدو كربلاء في التجربة الإيرانية أقل شبهًا بصورة معلقة على الجدار، وأكثر شبهًا بسؤالٍ موضوع على طاولة الدولة، السؤال ليس… هل نحب الحسين ؟، السؤال الأصعب… هل نستطيع أن نعيش بعض ما مثّله الحسين عندما تصبح كلفة الموقف باهظة؟

هذه هي النقلة التي تستحق التأمل، ففي الخطاب الذي تشكل حول الثورة الإسلامية، لم تعد عاشوراء مجرد واقعة بين الامام الحسين(ع) ويزيد، بل أصبحت نموذجًا لفهم العلاقة بين المستضعف والقوة المهيمنة، وقد عبّر الإمام الشهيد علي الخامنئي في خطابات سابقة عن هذه الفكرة بوضوح حين تحدث عن أن حركة الإمام الحسين لم تنتهِ، وأن المجتمع ينبغي أن يشعر وكأنه ما زال في ميدان كربلاء.

وهنا تكمن واحدة من أكثر المفارقات إثارة، قد يحب الإنسان الامام الحسين(ع) لأنه قُتل، لكنه قد لا يحب الحسين لأنه رفض أن يعيش خاضعًا، قد يحب دم الحسين، لكنه لا يحب منطقه، قد يتأثر بخطبة زينب، لكنه لا يريد أن يدفع ثمن الكلمة، وقد يبكي على طفلٍ ذُبح في كربلاء، ثم يعتاد رؤية المظلوم في زمانه دون أن يشعر أن عليه مسؤولية.

لهذا يمكن القول إن أخطر أشكال إفراغ عاشوراء من مضمونها هو تحويلها إلى ماضٍ جميل لا يطالب الحاضر بشيء.

إيران، بصرف النظر عن تقييم سياساتها المختلفة أو الاتفاق معها أو الاختلاف، قدمت نموذجًا سياسيًا غير مألوف في كيفية تحويل فكرة المقاومة إلى جزء من تعريف الدولة لنفسها.

فمنذ قيام الجمهورية الإسلامية، واجهت طهران منظومة متراكمة من الضغوط والحروب والعقوبات والعزلة السياسية، واليوم حتى مع شدة الأزمة الاقتصادية والضغوط الأمريكية المتصاعدة، ما زالت العقوبات تمثل أحد الأدوات المركزية في محاولة الضغط على الدولة الإيرانية.

لكن المفارقة الأهم ليست في عدد العقوبات التي تحملتها إيران، المفارقة أن العقوبة نفسها تحولت عندها من مجرد مشكلة اقتصادية إلى سؤال عن معنى الاستقلال، وهذا ما يجعل التجربة جديرة بالدراسة بعيدًا عن لغة المديح أو الخصومة.

ففي خطاب الإمام الشهيد الخامنئي حول العقوبات، لم يكن الطرح قائمًا على انتظار أن يتراجع الخصم كي تستعيد الدولة قدرتها، بل على بناء قدرة تجعل العقوبات أقل قدرة على التحكم في القرار الوطني، وقد تكرر هذا المعنى في حديثه عن ضرورة تحصين الاقتصاد وعدم رهن استقلال البلاد بإرادة الخارج.

قد يختلف المرء مع هذا النموذج في تفاصيله، وقد ينتقد نتائجه الاقتصادية أو السياسية، لكن لا يمكن إنكار أن وراءه فكرة استراتيجية واضحة لا تجعل حاجتك إلى الآخر حقًا يمنحه لك أو يسلبه منك متى شاء.

وهنا نعود إلى الإمام الحسين عليه السلام، الحسين لم يكن أمامه خصمٌ ضعيف، كان يعرف ميزان القوة، وكان يعرف أن المعركة لن تنتهي بانتصار عسكري بالمعنى التقليدي، ومع ذلك دخلها.

لأن بعض المعارك لا يكون معيار الانتصار فيها عدد الذين يبقون على قيد الحياة، بل ما الذي يبقى من الإنسان بعد أن يقرر ألا يبيع موقفه مقابل النجاة، وهذه هي النقطة التي استطاعت الثورة الإيرانية أن تجعلها جزءًا من وعيها السياسي، أن الاستقلال ليس شعارًا دبلوماسيًا، بل استعدادٌ لتحمل كلفته.

قد تنجح هذه الفكرة في مكان وتفشل في آخر، وقد تصيب في تقدير وتخطئ في تقدير آخر، لكن جوهرها يظل مثيرًا للتأمل، فالدول العظيمة لا تُقاس فقط بما تملكه عندما تكون الظروف في صالحها، بل بما ترفض التخلي عنه عندما تصبح الظروف ضدها.

وهنا ربما تكمن عظمة التجربة الإيرانية التي ينبغي أن تُقرأ بعيدًا عن الضجيج الإعلامي، ليست العظمة في أن إيران لم تتعرض للضغط، بل في أنها جعلت من الضغط جزءًا من اختبار قدرتها على البقاء مستقلة.

وليست العظمة في أنها لم تخسر، بل في أنها بنت وعيًا سياسيًا يقول إن الخسارة ليست دائمًا في أن تدفع الثمن، وإنما قد تكون في أن تدفع مبدأك بدلًا منه.

لهذا فإن الحديث عن الامام الحسين(ع) اليوم لا ينبغي أن يبقى محصورًا في سؤال… كيف قُتل الحسين؟ السؤال الأكثر إزعاجًا هو… ماذا فعل الحسين لو كان يعيش بيننا؟

هل كان سيجلس في الصفوف الخلفية للتاريخ؟، هل كان سيكتفي بأن يكون محبوبًا؟، أم كان سيقف في مقدمة المشهد، حيث القرار مكلف، والموقف له ثمن، والحياد نفسه قد يتحول إلى موقف؟، هنا بالضبط يمكن فهم الفارق بين الحسين الذي نحبه في الذاكرة، والحسين الذي نحتاجه في الحاضر، وبين إيران في السردية الغربية، وإيران في عقول الثائرين.

فالأول لا يزعج أحدًا، أما الثاني، فيزعج كل شيء، يزعج خوفنا، ومصالحنا، وحساباتنا، وتسوياتنا، ورغبتنا في أن نكون مع الحق ما دام الحق لا يطلب منا شيئًا.

ولهذا فإن أعظم ما فعلته الثورة الإيرانية في قراءتها لعاشوراء لم يكن أن تجعل الناس أكثر بكاءً على الحسين، بل أن تجعل الحسين مقياسًا للسؤال السياسي والأخلاقي في الحاضر.

قد نختلف مع إيران، وقد نختلف معها بشدة، لكن الاختلاف معها لا ينبغي أن يمنعنا من دراسة السؤال الذي طرحته تجربتها على العالم الإسلامي.

هل تستطيع أمة أن تجعل من عاشوراء مصدرًا لبناء إرادتها السياسية، لا مجرد موسم لاستعادة ذاكرتها؟


ذلك هو السؤال الذي يستحق أن يُكتب عنه، لأن الأمم لا تنهض بكثرة ما تتذكر من أبطالها، وإنما بقدر ما تستطيع أن تجعل من سيرة أبطالها قوةً تعمل في حاضرها.

وربما لهذا السبب تحديدًا… الجاهلون يعشقون الحسين قتيلاً، أما الذين فهموا الحسين حقًا فيسألون عن موقفه حيًا.

captcha