قال الله تعالى: "مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ﴿سورة البقرة: 105﴾".
تضعنا هذه الآية الكريمة أمام حقيقة نفسية وسياسية وفكرية عميقة، لا تقتصر على مرحلة تاريخية انقضت بذهاب أهلها، وإنما تكشف سنّة من سنن الصراع بين الحق والباطل، حين يتحول الاختلاف في العقيدة والفكرة إلى حسدٍ لما عند الآخر، ورفضٍ لأن يراه يتقدم أو ينهض أو يمتلك أسباب القوة والمنعة.
واللافت في الآية أنها لا تتحدث أولًا عن فعلٍ يقوم به هؤلاء، وإنما تكشف ما يختبئ وراء مواقفهم: ما يودون، وما لا يودون. فالعداء قد يبدأ من موقف نفسي، ومن رغبة في ألّا ينال الآخر خيرًا، ثم يتحول هذا الشعور إلى موقف، والموقف إلى سياسة، والسياسة إلى تدبير.
ليست المشكلة دائمًا في أن يختلفوا معنا، فليس كل اختلاف بين المسلمين وغيرهم عداوة، وليس كل مخالف في الدين أو الفكر يريد بالمسلمين سوءًا. والقرآن نفسه يميز بين الناس، ولا يجعل من مجرد الانتساب إلى دين آخر دليلًا على البغضاء والعداء.
لكن الآية تتحدث عن فئة ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾، والمقصود هنا، في سياق الآية، فئةٌ اتخذت من الإسلام والمسلمين موقفًا قائمًا على الرفض والعداء، وهؤلاء معروفون في زماننا هذا، ومواقفهم من الإسلام والمسلمين واضحة لا لبس فيها، إنهم لا يودّون أن يُنَزَّل على المؤمنين خير من ربهم، وهم يعلنون ذلك، ويمارسونه في الواقع الخارجي.
إن اختلافهم العقائدي يتحول إلى حسدٍ، والحسد يتحوَّل إلى أفعال وخيارات سيئة، لأن الحاسد يتوقَّع منه كل شر، ولا ينتَظَرُ منه الخير، وهؤلاء يتجاوزون العداء النفسي إلى العداء العملي الذي يحرك مواقفهم ويؤسس لخياراتهم تجاه المسلمين، وهذه نقطة بالغة الأهمية في فهم الآية.
لقد كان انتقال الرسالة إلى محمد (ص) و
نزول القرآن على هذه الأمة، حدثًا هائلًا في ميزان التاريخ. لم يتقبله ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾، إذ لم يكن مجرد انتقال معرفة من قوم إلى قوم، بل كان انتقالًا لأمانة الهداية والشهادة على الناس.
ومن هنا نفهم لماذا كان نزول الخير على المسلمين مصدر غيظ لبعض من رفضوا الرسالة، لأن المسألة لم تعد عندهم مقتصرة على سؤال: هل هذا الدين حق أم باطل؟ بل دخل فيها سؤال آخر أكثر خطورة: لماذا يكون هذا الخير عند هؤلاء؟
إن من أخطر ما ينبغي أن يدركه المؤمنون اليوم، لا سيما في البلدان التي تواجه عدوانًا شرسًا، عسكريًا كان أم اقتصاديًا أم إعلاميًا، أن عداوة الأعداء لهم ليست ناشئة عمّا فعله ويفعله المؤمنون، وإنما هي ناشئة من نفس وجودهم، من حضورهم وتأثيرهم وقوتهم، من استقلالهم وتمسُّكهم بمبادئهم، وإرادتهم في حماية مصالحهم، وأنهم أصحاب مشروع حضاري يتعارض مع مشروع أعدائهم، وأنهم لا يرضون أن يكونوا أدوات، ولا تابعين لأحد.
نعم، قد يكون الخلاف في الظاهر حول سياسة، أو اقتصاد، أو أمن، أو نفوذ، أو تحالفات، أو حقوق، أو مصالح، لكن وراء ذلك كله توجد إرادة أعمق لدى أعداء المؤمنين: وهي ألا يمتلك المؤمنون أسباب القوة، وألا يخرجوا من حالة الضعف، وألا يستعيدوا قرارهم، وألا يتحوّلوا إلى طرف قادر على التأثير.
وهنا ينبغي للمؤمنين ألّا يكونوا ساذجين في قراءة الواقع. وأن يعرفوا أعداءهم بدقة، وألّا يحسِنوا الظن بكلامهم المعسول الذي يُظهِرُ الحرص عليهم، أو يتباكى على ما يحدث لهم، فالأقوال لا تنبئ بالضرورة عن الأحوال الحقيقية لأعدائهم. فالقرآن يعلمنا أن نقرأ الواقع بوعي، وأن نميز بين الصديق والعدو، وبين المنافس والشريك، وبين صاحب المصلحة المشروعة وصاحب المشروع العدائي، وأن نحكم على الناس بمواقفهم وأفعالهم ومواثيقهم، لا بالأوهام والانطباعات.