لقد بدأ اليمن انطلاقه نحو الربيع العربي بطريقة منقطعة النظير عبر إعطاء الفرصة للسياسة. في مقال له بعنوان "دعم معجزة في اليمن" في موقع "هوستون كرونيكل" الأمريكي يقول كاتب عمود صحيفة نيويورك تايمز "توماس فريدمان": إذا أردتم العلم بالأحداث المرة التي ستحصل في سوريا فعليكم بتحليل أوضاع العراق، أما إذا أردتم العلم بما من شأنه أن يحدث في سوريا من أحداث أفضل فعليكم بتحليل أوضاع اليمن. قلتم: اليمن؟ نعم، اليمن. ربما يصح القول إن اليمن الفقير المتفكك الشحيح المياه شهد بعد الثورة عملية سياسية أكثر تفرداً لم تشهدها أي من الدول التي مر عليها الربيع العربي.
فاليمن رغم أوضاعه المتوترة يقوم الآن بما عجزت عنه جميع دول الربيع العربي، حيث يقوم اليمنيون بإجراء حوار وطني شامل وجادّ يستغرق ستة أشهر، تتعرف خلاله الفصائل السياسية المختلفة علي بعضها البعض قبل صياغة الدستور الجديد وإجراء الانتخابات الرئاسية؛ وهذا ما عجزت مصر عن القيام به بشكل جادّ قبل أن تتسرع في إجراء انتخابات رئاسية شعر معظم الناس خلالها بأن حقهم في التصويت مسلوب وأن الإسلاميين سرقوا السياسة.
ويتابع المقال: من أهم ما يمكن للرئيس الأمريكي باراك أوباما أن يفعله لدفع الربيع العربي هو أن يروج إعلامياً للنموذج اليمني.
ويواصل فريدمان مقاله بالقول: إن حظوظ النجاح هنا كبيرة. التداعيات التي خلّفها أكثر من 50 عاماً من استعمار المياه والأراضي اليمينة من شأنها أن يكسر عزائم فحول السياسة، إلا أن ما يجري في اليمن هو السبيل الوحيد أمام كافة دول الربيع العربي للمضي قدماً نحو التغيير الديموقراطي. في جولات الحوار الوطني اليمني التي انطلقت في 18 مارس أُلقِيَ على عاتق 565 ممثلاً عن القوى اليمنية دراسة مقترحات بشأن معالجة تسع قضايا منها مستقبل العلاقات مع الأعداء في الشمال والجنوب، وإعادة بناء الوطن، والدور المستقبلي للجيش، والحقوق، والحريات. ويمكن أخذ هذه القضايا في الاعتبار لصياغة الدستور الجديد وإجراء الانتخابات في فبراير 2014.
هذا وقال وزير التعليم اليمني السابق «يحيي الشيبي» الذي يشارك في الحوار: «في البداية كان العمل صعباً جدًّا ولكن بعد مضي مدة من الزمن هدأت الأوضاع شيئاً فشيئاً. فالمشاركون يجلسون إلى جانب بعضهم البعض ويتناولون الطعام ويدرسون الآراء المختلفة. بإمكاننا الآن أن نسمع كلام الآخر حيث بدأنا نسمع كلمات بعضنا البعض ونسعى للتوصل إلى توافق».
الحوارات الرسمية قادت إلى حوارات غير رسمية أوسع نطاقاً، حيث صارت صفحات الفيس بوك والتويتر زاخرة بالمناظرات. الجميع يريد أن يتكلم بعد عقود من الصمت. تشكل النساء ثلث المشاركين في الحوارات وعلى الرجال أن يكيفوا أنفسهم مع هذا الأمر. لم يتسنى الحوار إلا لأن الصحوة - رغم سيرها المرتبك - حصلت تدريجياً، إذ أن الربيع العربي انطلق باحتجاجات شبابية في 2011 وأفضت تقريباً إلى حرب داخلية وهزيمة الحكومة وهو الزمن الذي اختاره علي عبد الله صالح للتنحّي عن السلطة لصالح حكومة انتقالية. يقول مساعد وزير الخارجية اليمني: لا هزيمة لأي من الفصائل بل كان للجميع حصته في التحول الديموقراطي.
يقول رجل أعمال مشارك في الحوار: تسنّي للنساء والشباب الذين فجروا الثورة أن يلعبوا دورا سياسيا قبل إجراء الانتخابات. وأضاف أن لا أحد يستطيع سرقة الثورة. وتم تعزيز هذا المسار بعد القرار الأخير الذي اتخذه الرئيس اليمني منصور هادي لتحويل الجيش إلى مؤسسة محترفة، وهو القرار الذي بدأ بدفع تعويضات من قبل العناصر الموالية للرئيس السابق علي عبد الله صالح في الاستخبارات والحرس الجمهوري.
ويتابع هوستون كرونيكل: اليمن جنة يطلق عليها اسم «نادي أصحاب البنادق». الظاهر أن كل يمني يملك بندقية إلا أن اليمن ربما يسير نحو أوسع حوار من بين كافة دول الربيع العربي، مع خسائر قليلة في الأرواح والممتلكات لحد الآن.
قالت لي «جميلة راجا» إحدى المشاركات في الحوار أنها مازالت قلقة أن تقوم عدد من الفصائل القديمة من أمثال الإخوان المسلمين بحرف الحوار وهي فصائل تسعى على قدم وساق للفوز في الانتخابات والسيطرة على الحكومة الجديدة. هناك نساء يمنيات يرصدن النظام الإخواني في مصر وتعامله مع النساء ويطالبن بأن يغير الإسلاميون ما بأنفسهم قبل التفكير في السلطة. الذي يسعدنا هو أن الكثير من اليمنيين يريدون إعطاء فرصة للسياسة ويجب دعم هؤلاء.