
وأكدت الأكاديمية الايرانية "مرضية محصص" في حوار خاص لها مع وكالة "إكنا" للأنباء القرآنية الدولية على دور "الأمل" كاستراتيجية إلهية في الحرب، وقالت: "من بين جميع حالات الحياة البشرية، يمكن اعتبار الحرب واحدة من أكثر المشاهد تعقيداً وأزمةً، حيث تتجلى الحدود بين الإيمان والقلق، والمعنى والعبث، والأمل واليأس بشكل مباشر.
وأوضحت: "في مثل هذه الأجواء، السؤال الأساسي هو: ما هو العامل الذي يمكن أن يمنع الإنسان والمجتمع من السقوط في هاوية اليأس والانهيار الوجودي، ويدفعهم إلى الاستمرار؟ القرآن الكريم، في مواجهة هذا الوضع، لا يقدم إجابة نفسية أو أخلاقية بحتة، بل يقدم إطارًا متماسكًا، ويعرف الأمل كمبدأ أساسي في تنظيم الحياة الفردية والجماعية".
وأشارت هذه المدرسة بجامعة الشهيد بهشتي إلى أن "أهم أساس للأمل على المستوى اللاهوتي هو الإيمان بالنصر الإلهي"، قائلة: "يؤكد القرآن مرارًا وتكرارًا على هذا المبدأ بأن النصر النهائي لله، مما يخلق نوعًا من الثقة الميتافيزيقية في قلوب المؤمنين. هذه الثقة، على عكس التفاؤل القائم على الاحتمالات، متجذرة في وعد قاطع لا يتخلف. هذا الوعد الإلهي له وظيفة مزدوجة: من ناحية، يمنع اليأس في ظروف الهزيمة الظاهرية، ومن ناحية أخرى، يوسع الأفق الزمني للمقاومة".
ثم بينت الزاوية المعرفية للأمل وقالت: "من الزاوية المعرفية أيضًا، يعتمد الأمل على نوع من المعرفة الشاملة والمستقبلية؛ معرفة تتجاوز مستوى الظواهر وتنظر إلى جوهر وغايات الظواهر. في ساحة المعركة، قد تكون البيانات الحسية والتجريبية محبطة للغاية: نقص القوات، ضعف المعدات، أو حتى الهزائم المتكررة؛ لكن القرآن، بدعوته إلى التأمل في السنن الإلهية، يقدم نوعًا من الإطار التفسيري البديل الذي لا يقتصر فيه الواقع على ما يُرى فقط. هذا التعريف الجديد للواقع يلعب دورًا مباشرًا في إنتاج الأمل".
وتابعت مرضية محصص: "نقطة أخرى هي أنه في البعد الأنثروبولوجي، يرى القرآن الإنسان ككائن يعيش في صراع دائم بين الخوف والرجاء. هذا الثنائي، إذا تمت إدارته بشكل صحيح، يؤدي إلى التوازن الوجودي. في ظروف الحرب، يتعزز عنصر الخوف بشكل طبيعي: الخوف من الموت، الهزيمة، فقدان الأحباء، وانهيار النظام الاجتماعي. ولكن إذا بقي هذا الخوف بدون توازن، فإنه يؤدي إلى اليأس وفي النهاية إلى السلبية. القرآن يتدخل بالضبط في هذه النقطة ويصحح هذا الخلل من خلال تعزيز عنصر الرجاء".
ثم تناولت أهمية "الأمل" من منظور علم الاجتماع القرآني وقالت: "من منظور علم الاجتماع القرآني، تبرز أهمية الأمل في الحرب بشكل أكبر. فالحرب، هيكليًا، تفرض ضغوطًا متعددة على المجتمع، من الأزمات الاقتصادية ونقص الموارد إلى الإرهاق النفسي وزيادة الصراعات الداخلية. في مثل هذه الظروف، إذا ضعف عنصر الأمل على المستوى الجماعي، فإن التماسك الاجتماعي يتضرر بشدة.القرآن، من خلال التأكيد على مفاهيم مثل الوحدة والصبر الجماعي وعدم النزاع، يعزز في الواقع البنى التحتية للتضامن الاجتماعي".
وتابعت هذه الأستاذة الجامعية: "الأمل في هذا السياق يلعب دور رأس مال اجتماعي غير مرئي يزيد من الثقة المتبادلة والتعاطف والاستعداد للتضحية. المجتمع الذي يأمل في المستقبل، حتى في الظروف الصعبة، يحافظ على قدرته على التنظيم والمقاومة. بينما المجتمع اليائس، سرعان ما يعاني من التفكك والانهيار".
وأوضحت: "النقطة المهمة الأخرى هي الجانب الأخلاقي للأمل في القرآن. الأمل في القرآن مرتبط ارتباطًا وثيقًا بفضائل رئيسية أخرى. الصبر، بدون أمل، يتحول إلى تحمل لا معنى له ومُنهك. التوكل، بدون أمل، سيفسر على أنه نوع من السلبية أو التخلي عن المسؤولية. لكن القرآن، من خلال إنشاء نظام أخلاقي متماسك، يمزج هذه المفاهيم بطريقة يعزز كل منها الآخر. الأمل، في هذا النظام، يلعب دور المحرك؛ القوة التي تجعل الصبر ذا معنى وتنشط التوكل.
وأضافت مرضية محصص: "وفقًا للآيات القرآنية، يتمتع الأمل بوظيفة عملية تمامًا أيضًا. معنويات القوات المشاركة في الحرب هي أحد العوامل الأكثر تحديدًا في نتيجتها؛ وهو أمر تم التأكيد عليه حتى في النظريات الحديثة للحرب. القرآن، من خلال التأكيد على هذه الحقيقة، يسعى إلى زيادة كفاءة القوات المؤمنة من خلال تعزيز الأمل. مفاهيم مثل (كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة)، تقدم في الواقع نوعًا من إعادة تعريف لمعادلات القوة. تسمح هذه الإعادة التعريف للقوات المشاركة بتجاوز القيود المادية، وبالاعتماد على المصادر الروحية، تفعيل قدرات جديدة للعمل. في هذا الإطار، الأمل ليس مجرد عامل نفسي، بل يعتبر ميزة استراتيجية".
وفي تلخيصه النهائي لكلماتها، قالت: "يمكن القول إن الحرب في القرآن تُطرح كبيئة لتشكيل أفراد مقاومين، واعين، وملتزمين. هذه العملية التربوية، بدون وجود الأمل، مستحيلة أساسًا لأن التربية، خاصة في الظروف الصعبة، تتطلب نوعًا من النظرة الإيجابية للمستقبل. يسعى القرآن، من خلال تكرار الوعود الإلهية، وتذكير مصير الأمم السابقة، ورسم الآفاق الروحية، إلى ترسيخ هذه النظرة في عقول وقلوب المؤمنين. يلعب الأمل هنا دور القوة الدافعة التي تمنع الأفراد من التوقف عند الوضع الراهن وتدفعهم نحو طريق الكمال".