
وأشار إلى ذلك، الأكاديمي الإيراني المدرس في معهد أبحاث العلوم والثقافة الإسلامية في ايران "سيد محسن ميرسندسي" في حديث لوكالة "إكنا" للأنباء القرآنية الدولية حول السبل القرآنية لتعزيز الثقة الاجتماعية.
وقال: "إن القرآن الكريم بالأساس كتاب يهدف إلى إدارة الثقة على مستوى الحياة الفردية والاجتماعية وإن أزمة الثقة الاجتماعية التي أصبحنا نشاهدها في العديد من المجتمعات هي نتيجة الفجوة بين المنطق الأخلاقي القرآني الذي أسس عليه القرآن."
وأضاف: "إن الثقة في القرآن ليست شعوراً نفسياً فحسب بل هي إطار أخلاقي ومؤسساتي وإن الثقة تنشأ عندما يتحول الصدق والوفاء بالعهد والعدالة والأمانة إلى قواعد إجتماعية."
واعتبر ميرسندسي الثقة الاجتماعية النواة الأساسية لرأس المال الاجتماعي الذي دونها سترتفع تكلفة التواصلات الاجتماعية وتتراجع نسبة المشاركة وأيضاً التضامن الاجتماعي."
وأشار الى السبب الرئيسي لانهيار الثقة الاجتماعية من منظور القرآن، قائلاً: "إن القرآن يتحدث عن هذا الأمر بصراحة ووضوح. انهيار الثقة الاجتماعية هو نتاج تراكم الانحرافات الأخلاقية، وليس نتيجة عامل واحد. الكذب، النفاق، الخيانة، الغيبة، التستر، الفجوة بين القول والفعل، الظلم، وانتهاك حقوق الآخرين، كلها عوامل تؤدي تدريجياً إلى تآكل شبكة الثقة".
على سبيل المثال، يحذر القرآن من الكذب والسلوك المزدوج في الآية 3 من سورة "الصف": «كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ»؛ في مجتمع تزداد فيه الفجوة بين القول والفعل، تنهار الثقة بسرعة ملحوظة. في الواقع، إدراك الرياء الأخلاقي هو أحد أكثر العوامل تدميراً لتقويض الثقة العامة.
كما يصف القرآن النفاق بأنه خطر أخطر من الكفر الصريح، لأن النفاق يؤدي إلى تآكل الثقة من الداخل. في الآية 12 من سورة "البقرة" جاء: «أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِن لَا یشْعُرُونَ»؛ النفاق يجعل الحدود بين الخير والشر غير واضحة، وبالتالي يقلل من قدرة المجتمع على التمييز بين السلوك الصادق والمخادع؛ وهي حالة تؤدي في النهاية إلى انهيار الثقة.
وفي معرض ردّه على سؤال حول كيف يمكن للمجتمع الديني أن يستعيد الثقة المفقودة بالمعايير القرآنية؟ قال إن إستعادة الثقة لا تتحقق بالشعارات. يقدم القرآن في هذا الصدد حزمة شاملة تتناول إصلاح الفرد وإصلاح الهيكل. الخطوة الأولى هي إعادة بناء الأخلاق الفردية؛ لأنه بدون الصدق الفردي، لن يتشكل أي إصلاح مؤسسي مستدام. يؤكد القرآن على ضبط النفس الأخلاقي، أي التقوى. في الآية 28 من سورة "الحديد" جاء: «یَا أَیهَا الَّذِینَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ»؛ التقوى هنا لا تعني مجرد العبادة أو صفة فردية، بل تعني المسؤولية الأخلاقية في التفاعلات الاجتماعية. كما تظهر الدراسات الحديثة أن المجتمعات التي تتمتع بمستوى أعلى من ضبط النفس الأخلاقي تحتاج إلى آليات تحكم أقل تكلفة.
وأضاف أن الخطوة الثانية هي الشفافية في العلاقات الاقتصادية والاجتماعية. يؤكد القرآن صراحة في الآية 35 من سورة "الإسراء" على الشفافية في المعاملات: «وَأَوْفُوا الْکَیلَ إِذَا کِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِیمِ»؛ هذه الآية لا تقتصر على الوزن والكيل، بل تشير إلى مبدأ الشفافية في جميع العلاقات. حيثما يوجد الغموض، والريع، والتستر، ستختفي الثقة.
وصرّح أن الخطوة الثالثة هي تعزيز العدالة واحترام حقوق الآخرين، موضحاً أنه يعتبر القرآن العدالة عمود الثقة، وبدونها، لا يتشكل أي رأس مال اجتماعي مستدام. حتى الشعور بالظلم، وإن لم يكن حقيقياً، يمكن أن يدمر الثقة بقدر الظلم الحقيقي؛ وهي نقطة يؤكد عليها اليوم علم اجتماع العدالة.
كما يؤكد القرآن في الآية 12 من سورة "الحجرات" على حسن الظن وتجنب تشويه السمعة الاجتماعية: «یَا أَیهَا الَّذِینَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا کَثِیرًا مِنَ الظَّنِّ»؛ المجتمع الذي ينتشر فيه سوء الظن، والشائعات، وتشويه الشخصيات، لن يكون قادراً على بناء الثقة حتى بأفضل القوانين.
وقال إنه بشكل عام، من منظور القرآن، الثقة الاجتماعية ليست نتاج الإكراه ولا نتيجة الدعاية، بل هي نتاج تراكم الأفعال الأخلاقية الصادقة على مر الزمن. إذا كان المجتمع الديني يسعى لاستعادة الثقة المفقودة، فعليه أن يبدأ بإعادة بناء الأخلاق الفردية، والشفافية المؤسسية، والعدالة الاجتماعية، والصدق في الحكم. بدون هذه المكونات، سيتحول أي ادعاء ديني حول الثقة إلى مجرد شعار لا أساس له.
4343418