
بقلم الاعلامية اللبنانية "ريما فارس"
في لحظةٍ ظنّ فيها كثيرون أنّ كثافة النار كفيلة بحسم أيّ مواجهة، خرج تقرير من "سي إن إن" ليطرح تساؤلاً غير مألوف: ماذا لو أنّ آلاف الغارات لم تُحدث الأثر الحاسم المتوقع، لأنّ ما كان يُستهدف لم يكن مكشوفاً أصلاً؟ هذا الطرح، المنسوب إلى مصادر استخبارية، لا يكتفي بإثارة الشكوك حول نتائج القصف، بل يفتح باباً أوسع لإعادة فهم طبيعة الصراع الحديث، حيث لم تعد الغلبة حكراً على من يمتلك القدرة على الضرب، بل على من يمتلك القدرة على الاحتماء، والتمويه، وإعادة الظهور.
في الحالة الإيرانية، لا تبدو الجغرافيا مجرد تضاريس صامتة، بل تتحوّل إلى بنية دفاعية واعية. فـ إيران، التي عاشت عقوداً تحت ضغط العقوبات والتهديدات، لم تبنِ قوتها العسكرية على النمط التقليدي القائم على القواعد المكشوفة، بل ذهبت إلى خيار أكثر تعقيداً: تحويل الجبال إلى حصون، والأرض إلى شبكة مخفية من الممرات والأنفاق. هذه الأنفاق، التي يُعتقد أنّ بعضها يمتدّ عميقاً داخل الصخور الصلبة، لم تُصمّم فقط لحماية المعدات، بل لحماية الفكرة نفسها: أن تبقى القدرة قائمة حتى بعد أقسى الضربات.
ضمن هذا السياق، يصبح الحديث عن "مدن صاروخية" تحت الأرض أكثر من مجرد توصيف إعلامي، بل يعكس تحوّلاً في فلسفة الحرب. فبدلاً من تخزين السلاح في مستودعات تقليدية يسهل رصدها واستهدافها، يتمّ توزيعه ضمن شبكة متشعّبة، يصعب تحديد أطرافها، وتُدار بطريقة تسمح بالحركة المستمرة. وهنا يبرز ما يُشاع عن تكتيك "الشبح المتنقل"، حيث لا تستقرّ منصات الإطلاق في موقع واحد، بل تنتقل داخل هذه الشبكة، لتخرج في لحظة محسوبة، تنفّذ مهمّتها، ثم تعود إلى الاختفاء. هذا النمط لا يربك فقط الاستهداف، بل يضرب أساسه، لأنه يجعل المعلومة الاستخبارية، لا القوة النارية، هي العنصر الحاسم.
في المقابل، تُظهر هذه المعطيات حدود القوة الجوية، حتى لدى قوى كبرى ارتبط اسمها تاريخياً بالتفوق العسكري، كالولايات المتحدة في مراحل مختلفة، بما فيها فترة دونالد ترامب.
فالقصف، مهما بلغ حجمه ودقته، يبقى رهناً بجودة المعلومات. وإذا كانت الأهداف مخفية أو متحركة أو موزعة على نطاق واسع، فإنّ تحقيق الضربة القاضية يصبح أمراً معقّداً، إنْ لم يكن مستحيلاً. وهنا يتبدّل ميزان المعركة: من يملك السماء لا يملك بالضرورة نتيجة الحرب.
لكن في الوقت نفسه، لا يمكن قراءة هذه الرواية بمعزل عن سياقها السياسي والإعلامي. فالتسريبات الاستخبارية كثيراً ما تُستخدم كأدوات في حرب الروايات، حيث يسعى كلّ طرف إلى تثبيت صورة معينة عن نفسه أو عن خصمه. الحديث عن فشل أو نجاح قد لا يكون توصيفاً دقيقاً بقدر ما هو جزء من معركة التأثير على الرأي العام. كما أنّ غياب الأرقام الموثقة يجعل من الصعب الجزم بحجم الخسائر أو نسبة ما بقيَ من القدرات، ما يفرض التعامل مع هذه المعطيات بوصفها مؤشرات، لا حقائق نهائية.
ومع ذلك، فإنّ ما تلمّح إليه هذه الصورة، سواء كانت مكتملة أو جزئية، هو تحوّل عميق في مفهوم الردع. لم يعد الهدف منع الضربة بشكل كامل، فهذا يكاد يكون مستحيلاً في عصر التفوق التكنولوجي، بل أصبح الهدف هو امتصاصها، ثم الاستمرار بعدها. البقاء هنا ليس مجرد نتيجة، بل استراتيجية بحدّ ذاته. أن تبقى قادراً على الردّ، ولو بعد ضربة واسعة، يعني أنّ ميزان القوة لم يُكسر.
بهذا المعنى، لا تعود الحروب الحديثة مجرد مواجهات بين جيوش، بل صراعاً بين نمطين من التفكير: نمط يعتمد على الحسم السريع عبر القوة النارية، ونمط آخر يقوم على الاستنزاف، والتخفي، والمرونة. وفي هذا الصراع، قد لا يكون الصوت الأعلى للانفجارات هو ما يحدّد النتيجة، بل ما يحدث في الصمت العميق تحت الأرض، حيث تختبئ القدرة، وتنتظر اللحظة المناسبة للظهور…