
وما الصراعات البشرية إلا نتوءات حادة تخرج عن هذا النسق الإلهي الرصين حين يطغى "الأنا" الفردي أو الجماعي على وحدة الأصل الإنساني.
إن
القرآن الكريم يطرح فلسفة التعارف كبديل جذري لفلسفة التصادم. فالاختلاف بين البشر ليس ثغرة أمنية تستدعي الحذر، بل هو ضرورة معرفية وجمالية تهدف إلى إثراء الوجدان الكلي وصناعة تكامل كوني لا يتحقق إلا بالاعتراف بقدسية الآخر كمرآة للذات.
ومن هنا يصبح الأمن السلمي نتيجة حتمية لإدراك الإنسان مكانه في الوجود، وليس مجرد خوف من الدمار أو رغبة في البقاء، بل هو استجابة لنداء "السكينة" التي تجعل من السلم حالة داخلية تفيض لتغمر المجال العام.
ويتجلى عمق هذه الرؤية في ربط الأمن بالعدل المطلق الذي لا يحابي ولا ينحاز. فالعدل في المنظور القرآني هو "الميزان" الذي يحفظ السماوات والأرض من الزوال، وهو الذي يمنح السلام شرعيته الأخلاقية.
إذ لا أمن حقيقيا في ظل استلاب الحقوق أو تغييب كرامة الإنسان. فالحروب في جوهرها هي "فوضى" في ميزان القيم قبل أن تكون باروداً ورصاصاً.
والقرآن يسعى لإعادة ضبط هذا الميزان عبر تشريعات تحفظ للروح هدوءها وللمجتمع تماسكه، من خلال ميثاق أخلاقي يرى في الوفاء بالعهد عبادة، وفي حقن الدماء قداسة، وفي التسامح قوة تتجاوز منطق الثأر البدائي.
إن بناء السلام العالمي في ضوء القرآن هو عملية "إحياء" مستمرة للضمير الإنساني كي لا يركن إلى العدمية أو اليأس من الإصلاح.
فالقرآن يبني رؤية تتصالح فيها القوة مع الرحمة، بحيث تصبح القوة أداة لردع الفساد في الأرض لا لإشاعته.
وبذلك يتحول الأمن من "حالة سياسية" ترعاها المعاهدات إلى "يقين وجودي" يرعاه الإيمان بوحدة المصير البشري، لتغدو الأرض كلها "دارا للسلم" يلتقي فيها الإنسان بأخيه الإنسان في فضاء من الأمان الذي لا يزول بزوال المصالح، بل يرسخ برسوخ الحق والخير.
بقلم الكاتب والباحث "أنس الربيعي"
المصدر: الجزيرة نت