ایکنا

IQNA

مدير الحوزات العلمية في إیران:

عاشوراء هي المحرّك الاستراتيجي للأمة الإسلامية ونموذج للمقاومة في العصر الحديث

11:55 - June 16, 2026
رمز الخبر: 3505127
إكنا: في رسالة تحليلية وإستراتيجية بمناسبة حلول شهر محرم، أوضح مدير الحوزات العلمية في إیران الأبعاد الحضارية والإصلاحية لنهضة عاشوراء، واصفًا هذه الواقعة بأنها مرجع لهداية الأمة الإسلامية في مواجهة التحديات المعاصرة، ومؤكداً على جهاد التبيين، وتعزيز المقاومة، ووحدة العالم الإسلامي، والتقدم العلمي والحضاري.

فيما يلي النصّ الكامل للرسالة التحليلية والاستراتيجية لمدير الحوزات العلمية في إیران آية الله الشيخ علي رضا أعرافي:

"بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي أنعم علينا مرة أخرى بنعمة إدراك أيام عاشوراء؛ فرصة ملكوتية لتطهير النفس والعقل والقلب في العالم الإسلامي في ظل نور وهداية ومعنى وروحانية نهضة الإمام الحسين (عليه السلام)

مع هبوب نسيم عاشوراء الحسين(ع)، تمتلئ أرواح الأحرار في العالم من جديد بعبير أعظم نهضة إصلاحية في تاريخ البشرية؛  حركة عظيمة هي بوصلة هدايتنا في قلب التحولات الكبرى في العصر الحديث.

لم تكن كربلاء، ولن تبقى، حدثًا تاريخيًا محصورًا في حدود عام 61 هـ، بل هي تدفق حيوي في أعماق معاركنا الراهنة، ومنبع قوة متدفقة تستمد منه الأمة الإسلامية قوتها، فتكسر قيود العجز والتبعية، وتستعيد مجدها وعزتها وقوتها بين الأمم، وتصرخ متناغمة مع التاريخ: «إِنِّی سِلْمٌ لِمَنْ سَالَمَکُمْ وَحَرْبٌ لِمَنْ حَارَبَکُمْ إِلَی یَوْمِ الْقِیَامَةِ».

1 -  تكشف اليوم النظرة الرسالية لعاشوراء عن الرابطة الوثيقة بين بُعدين أساسيين في واقع المجتمع الإسلامي: "الحداد" و"الحماس". إن البُعد الحزني والعاطفي الذي يحمل دم كربلاء الطاهر، هو خط الدفاع الأول عن الضمير البشري في العالم المعاصر؛ البُعد الذي يرفع الستار عن الوجه القبيح للظلم والاستكبار ويمنع الفطرة الإنسانية من التعود على الوضع الظالم الراهن والخضوع له. هذا العمق العاطفي يكتمل مباشرة بالبُعد الملحمي وصناعة القوة؛ حيث يقدّم الحسين (عليه السلام) في ساحتنا اليوم، بصفته قائدًا ثوريًا وبانيًا للحضارة، أسمى نموذج للصمود في وجه أنظمة الهيمنة والمسخ الثقافي للبشرية.

2 -  هذه الأمانة التاريخية تُلقي اليوم على عاتق الخطباء والإعلاميين والفنانين ومبدعي أدب عاشوراء مسؤولية تعريف الجيل الشاب والرأي العام العالمي بالإمام الحسين (عليه السلام)، لا بوصفه "ضحية أعزل ومنعزل"، بل كمنهدس للمستقبل ومصمم لنماذج حضارية جديدة. فدماء المظلومين وقصة كربلاء، كما شرحها كبار المفكرين والعلماء في قراءاتهم التاريخية والاستقرائية، تُجسّد جوهر هذه الحركة.

3 -  يرتكز العمق الحقيقي لهذه الحركة على "المرجعية التامة وفوق التاريخية لواقعة كربلاء في المشروع الكلي للإصلاح الجذري للأمة". لم تكن الحركة الحسينية أبدًا تيارًا للاستيلاء على السلطة، أو لتحقيق مصالح فئوية، أو تعصبات قبلية، أو طائفية، أو عائلية، بل كانت استجابة مصيرية لانحراف هيكلي وعميق كان يقود مسار الأمة في تلك الفترة الأساسية والأولى من تاريخ الإسلام إلى الضلال. وقف الحسين (عليه السلام) في وجه تيار منظم كان هدفه إلغاء الوحي، ومسخ القيم القرآنية، وتعليق فعالية الإسلام كدين ونظام حياة في جميع المجالات، وتفريغ الدين من محتواه الرسالي.

4 -  استنادًا إلى هذه الشهادة التاريخية الواضحة، فإن مكانة الإمام الحسين (عليه السلام)، وإمامته، وارتباطه المباشر بمصدر الوحي، تُضفي على هذه الحركة شرعية مطلقة ومتسامية ومستمرة.هذه المكانة جعلت الاقتداء بالخط الحسيني ضرورة حيوية للأمة، وتمنح كل حركة إصلاحية معاصرة تسعى لمواجهة مسخ الهوية الإسلامية شرعية عليا؛ حركة تستمد فلسفتها العميقة من هذا القول الخالد: "إِنِّي لَمْ أَخْرُجْ أَشِراً وَلا بَطِراً وَلا مُفْسِداً وَلا ظالِماً، وَإِنَّما خَرَجْتُ لِطَلَبِ الإِصْلاحِ فی أُمَّةِ جَدِّی".

5 -  هذا الإصلاح المعاصر مسؤول اليوم عن تحرير الإنسان من عبودية التزييف الفكري ونهب المعرفة. يأتي هذا في وقت تتصارع فيه البشرية في شرق العالم وغربه مع أزمة وجودية سحقت فيها آليات المادية هوية الفرد وأصالته، وأفرغت أنظمة العولمة الإنسان من عمقه الأخلاقي والروحي. وهنا يخترق صدى صرخة الإمام الحسين (عليه السلام) جدران التاريخ في خضم الحصار، ويخاطب إنسان العصر الرقمي قائلاً: «إنْ لَمْ یَکُنْ لَکُمْ دِینٌ وَکُنْتُمْ لا تَخافُونَ المَعادَ، فَکُونُوا أَحْراراً فی دُنْیاکُمْ». هذا الكلام هو ميثاق حي يتحدث إلى الجذور الإنسانية المشتركة والفطرة البشرية. إنه ينقذ إنسان اليوم من التشويه في دوامة الاستهلاك، ويرفع قيم العدالة والحرية فوق حسابات المنفعة والعدمية المادية لليبرالية المتطرفة.

واقعة عاشوراء هي  محرك الحركة الاستراتيجية للأمة الإسلامية

6. هذا الارتباط العضوي بين النهضة والواقع المعاصر يعني أن كلمات عاشوراء العظيمة هي المحرك والمحفز المباشر للمجالات الاستراتيجية للأمة. عندما نسمع صدى صرخة العزة التي تقول: «أَلا وَإنَّ الدَّعِیَّ ابْنَ الدَّعِیِّ قَدْ رَکَزَ بَیْنَ اثْنَتَیْنِ، بَیْنَ السِّلَّةِ وَالذِّلَّةِ، وَهَیْهاتَ مِنَّا الذِّلَّةُ»، فإن ترجمتها الجيوسياسية والملموسة في الميدان اليوم هي الرفض المطلق للهيمنة والاستعمار الجديد. نحن اليوم نرى في صمود ومقاومة وجهاد إيران ولبنان وكل الجبهة الإقليمية، التجسيد الملموس والامتداد الحي لواقعة كربلاء كمرجعية عليا للصمود والبطولة والتضحية في مواجهة أشد آلات التوحش العالمية قسوة. إنه ميدان يعتبر فيه أي تراجع عن السيادة الوطنية أو الرضوخ للتسوية مع الكيان الصهيوني الغاصب الذي يسعى لتدمير القضية الفلسطينية والإبادة الجماعية لشعبنا المظلوم، إعادة إنتاج للبيعة مع يزيد العصر. إن المقتضى الملموس لعهد «بَرِئْتُ إِلَی اللَّهِ وَإِلَیْکُمْ مِنْهُمْ وَمِنْ أَشْیَاعِهِمْ وَأَتْبَاعِهِمْ وَأَوْلِیَائِهِمْ» في عالم اليوم هو الدعم المطلق لشبكات المقاومة وحماية القدس الشريف لتحقيق الردع والقوة.

7. في امتداد هذا المسار، يقتضي مشروع عاشوراء الإصلاحي في معركتنا العلمية والحضارية سد الفجوات المعرفية والتكنولوجية. لأن أكبر مصداق لـ "طلب الإصلاح" في العصر الحاضر هو السيطرة على أطراف المعرفة، والذكاء الاصطناعي، وتحقيق السيادة الاقتصادية والاكتفاء الذاتي، حتى تخرج الأمة الإسلامية من تحت سياط الابتزازات الدولية وتغير موازين القوى لصالح المستضعفين. هذا النهوض الشامل يتنفس اليوم في الأفق العالمي والشامل للرسالة الحسينية ويتجاوز حدود النزاعات المذهبية والخلافات الفرعية داخل الأمة. لأن الحسين (عليه السلام) عندما خرج، لم يتحرك لطائفة معينة، بل قام لإصلاح الأمة وإنقاذ الإنسانية، معتمداً على محكمات القرآن والسنة.

8. هذا الوعي المعرفي يدعونا اليوم إلى تفعيل "الرؤية المنهجية والهيكلية للدين والمجتمع" لكي نحبط الفتن المذهبية والمشاريع الانفصالية التي تصممها الأجهزة الأمنية الأجنبية، ونفتح جبهة موحدة للمقاومة الحضارية تتجاوز الخلافات الفرعية للحفاظ على كيان الإسلام وصيانة الهوية الفطرية للشعوب. هنا ترتبط المسؤولية التاريخية للنخب والحوزات العلمية والمؤسسات الكبرى في العالم الإسلامي بنداء الاستنهاض التاريخي للإمام الحسين (عليه السلام) الذي قال: «أَمَا مِنْ مُغِیثٍ یُغِیثُنَا لِوَجْهِ اللَّهِ؟ أَمَا مِنْ ذَابٍّ یَذُبُّ عَنْ حَرَمِ رَسُولِ اللَّهِ؟».

نصرة الحق بجهاد التبيين

هذا الاستمداد هو نداء حي، معاصر ومستمر. صمت نخب الأمة أمام تشويه القيم الدينية، والإبادة الجماعية للشعوب المستضعفة، وتغييب الوعي عن الشباب، هو انطباق ملموس على عافية ناكثي البيعة في عام 61 هجري. نصرة الحق في عالم اليوم لن تتحقق إلا بالكلمة الشجاعة، و"جهاد التبيين"، والصمود في وجه إمبراطورية الكذب الإعلامي.

9. بنشر هذا الميثاق العاشورائي والحضاري، نؤمن يقيناً بأن الأمة الإسلامية لا تعاني من نقص لا في مواردها المادية ولا في رأسمالها البشري الاستثنائي، بل إن العالم الإسلامي اليوم على أعتاب تجلي وتفعيل تلك الإرادة الحسينية الفولاذية والبصيرة المعرفية التي تغير الموازين وتعيد كتابة التاريخ. الوعد الإلهي بنصر المستضعفين وانهيار عروش الطغيان والمادية محتوم. عسى أن يكون هذا الموسم العاشورائي خطوتنا الثابتة نحو تحقيق "المرجعية والريادة الحضارية" وتقديم نموذج عالمي يتوافق مع الفطرة والوجدان البشري.

وَالسَّلامُ عَلَی الحُسَیْنِ، وَعَلَی عَلِیِّ بْنِ الحُسَیْنِ، وَعَلَی أَوْلادِ الحُسَیْنِ، وَعَلَی أَصْحَابِ الحُسَیْنِ الأَحْرَارِ.

علي رضا أعرافي؛ مدير الحوزات العلمية في إیران

4358437

captcha