محلل سياسي: طواغيت الدول العربية المطلة علي الخليج الفارسي متوجسون من الديموقراطية في العراق
أجرت قناة «برس تي في» الفضائية مقابلة مع الصحفي العراقي المقيم في بيروت « إنتفاض قنبر » حول موجة العنف الدموي التي يمر بها العراق حالياً ضد حكومة رئيس الوزراء نوري المالكي.
وهذا هو نص المقابلة:
برس تي في: سيد إنتفاض قنبر! نسمع أن المناطق الشيعية ليست المستهدفة الوحيدة، ورغم كونها أكثر استهدافاً إلا أن المناطق السنية تم استهدافها أيضاً. هل توافق القول بأن هذه القضية لا تمت بصلة إلي دول إقليمية كالسعودية وقطر؟
أقصد أن هناك رئيس وزارء في العراق يقول بأن القضية خطة طائفية يتم تنفيذها.
قنبر: هناك دليل واضح يؤكد أن السعودية وقطر ودول أخري في حوض الخليج الفارسي تدخلت وما زالت تتدخل في العراق بمختلف الطرق والآليات، وأعتقد أن الأمر نفسه سيستمر في المستقبل، النظام السعودي طائفي بامتياز والدليل علي ذلك هو ما يجري الآن في البحرين وكذلك قمع الثورة في المناطق الشرقية للسعودية.
هذه الممارسات ليست مبنية علي الإسلام ولا تمت إليه بصلة. الإسلام دين مقدّس ومعتدل وحضاري بالكامل، ولذلك فلا علاقة بينه وبين الطائفية.
إذا دققت النظر تجد أن أعضاء القاعدة وأعضاء حزب البعث السابق وأعضاء حزب صدّام يقفون وراء أعمال العنف في العراق حيث يستهدفون المراكز الدينية كالمساجد والحسينيات في المناطق الشيعية والسنية وذلك بهدف نشر النزاعات الطائفية وتفكيك العراق.
رغم ذلك نعتقد أن علي الحكومة الحالية السعي للحصول علي ائتلاف سياسي تستطيع من خلاله أن تسلب الفرصة من المجموعات المتطرفة أو البعثية التي تريد استغلال هذه الخلافات لخلق حرب أهلية في العراق.
برس تي في: سيد قنبر! يقال إن الدول الغربية والكيان الإسرائيلي ضالعة في القضية، وكذلك هناك ائتلاف بين الدول الإقليمية.
يقول كثيرون إن رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي هو السبب لكل هذه المشاكل لأنه يواجه الاحتجاجات بطريقة غير لائقة، هم يقولون إن هذا الأمر هو الذي أدي إلي بدء أعمال العنف.
لكن إذا اعتقدنا أن هناك خطة أجنبية، فما هدف هذه الخطة؟
بعبارة أخري لماذا قامت السعودية بتأسيس هذا الطيف الجديد لتنظيم القاعدة في العراق؟
قنبر: بدأ هذا بعد سقوط صدام عام 2003 لأن السعودية وقطر ومعهما كثير من الدول الإقليمية لا ترغب في مشاهدة ديموقراطية ناجحة في العراق.
إذا نجحت الديموقراطية في العراق الذي يملك هذا الكم الهائل من الثروة والقوة والذكاء، ستنتقل هذه الديموقراطية إلي الدول المذكورة مما يهز عرش حكامها ويضعهم في موقف حرج للاستمرار في حكم بلدانهم ونهب ثرواتها بالسهولة التي نشهدها الآن.
وكما أشرتَ حضرتك من الواضح جداً أن الحكومة ليست معنية لوحدها بهذه القضية بل المسؤولية تقع علي عاتق كافة الأطياف وعليهم أن يجتمعوا ويتشاوروا لتسوية خلافاتهم كي يتمكنوا من تطهير الساحة من هؤلاء القتلة وأعضاء القاعدة وأعضاء البعث وأنصار صدّام، يجب أن يتم إنجاز هذا العمل.
قصدي هو أنني تواصلت مع المعارضين العراقيين، كانوا يعتقدون أن الائتلاف بين الشيعة والأكراد ائتلاف مقدس، لكننا رأينا أن هذا الائتلاف قد اتخذ نهجاً سيئاً للغاية، وأري بوجوب إعادة بناء هذا الائتلاف من أجل تكوين جبهة مهمة للغاية وقوية ضد هؤلاء القتلة بهدف إنجاح هذه الديموقراطية الوليدة في العراق.
برس تي في: سيد قنبر! هل تعتقد أن نوري المالكي هو السبب لكل شيء؟
بعبارة أخري يُتهم رئيس الوزراء بالتمييز وقمع الاحتجاجات بعنف وكذلك الانجرار وراء التوترات والنزاعات مع الأكراد.
قنبر: لا شك أن المسؤولية علي عاتق كبير المسؤولين. هذا شيء يحدث في كافة الأنظمة الديموقراطية، ومع ذلك هناك نظام سياسي ومنهج مبنيان علي الطائفية قبل الكفاءة والكيفية، وهذا هو السبب وراء المشكلة الحالية.
أعتقد أننا نملك دستوراً مثالياً وعلي الناس اتباعه والسعي لإزالة أي مشكلة يرونها في الأفق.
يستحيل أن يكون الدستور الحالي خالياً من أية عيوب لأنه من إفرازات العقل البشري، ورغم ذلك أري أن الشعب سيتخذ قراره بشأن الدستور في الانتخابات المقبلة.
بإمكان الشعب العراقي أن يصوّت لصالح بقاء السيد المالكي أو رحيله عبر المشاركة في الانتخابات، علينا أن ننتظر ونشاهد.
أعتقد أن المهم هو تغيير الأسلوب السائد بين الطبقة السياسية العراقية، والتواصل مع الناس، والاستماع إليهم. أرجو أن يدلي الناس بأصواتهم لصالح الساسة علي أساس كفاءاتهم التنفيذية وليس علي أساس هوياتهم الطائفية أو العرقية.
برس تي في: عندما نتحدث عن نوري المالكي نراه يتكلم عن المؤامرات الخارجية، هناك كثيرون يعتقدون أن من يسمّون بالإرهابيين في العراق وينفذون هذه الهجمات، هم أولئك الذين يعملون الآن ضد النظام السوري، ويقال إن الدول الداعمة للميليشيات في سوريا هي نفسها التي تقف وراء الإرهابيين في العراق، هل توافق هذا الرأي؟
قنبر: أنت تعرف أن الإرهاب لا يعرف أي حدود، أي أن القتلة الذين يعملون ضد الإنسانية يتواجدون في كافة أنحاء المعمورة وهم يعبرون الحدود لقتل الناس، ونعرف أيضاً أن جبهة النصرة اعترفت بأنها ذراع من أذرع القاعدة في العراق وهم جميعاً يعملون تحت مظلة تنظيم القاعدة العالمي.
هذه القضية لا تخفي علي أحد، وأعتقد أن أولئك الذين يقتلون الناس أو يأكلون قلب إنسان في سوريا، هم نفس أولئك الذين يقتلون الناس الأبرياء في العراق وسائر أرجاء العالم.
/////////////////
الخلاف بين الشيعة والسنة يعتبر أصغر المشاكل في الشرق الأوسط، والصراع الداخلي بين السنة هو الذي سيحدد مصير المنطقة خلال السنوات المقبلة.
كتبت مجلة "فورين باليسي" الأميركية في مقال تحت عنوان «المعركة للعالم العربي» بقلم «مارك لينش»: الفلم الذي عرض أحد قادة المتمردين السوريين وهو يأكل رئة أحد المقاتلين المعارضين، وأيضا المشاهد المروعة لقتل الأطفال في سوريا تعتبر جزءا ضئيلا من الكتالوج المتزايد للبربرية والقسوة في هذا البلد.
إن مثل هذه المشاهد الكابوسية تزيد مخافة أن تؤدي الحرب الأهلية السورية إلي إزدياد الصراعات الطائفية في أنحاء الشرق الأوسط، وهو خوف يؤدي إلي تفاقمه إزدياد عدد القتلي في العراق، والتعثر المقلق في البحرين والصراعات اللبنانية التي لايمكن إحتواءها علي مايبدو.
يعتقد كثيرون أن الطائفية ستكون المؤشر الرئيسي للسياسة الإقليمية وهي ستعيد رسم هذه السياسة إذا ازداد نطاق الحرب الطائفية الباردة في كل زاوية من زوايا الحياة العامة السورية.
في تقرير تم نشره الشهر الماضي، قال «جنيو أبدو» أحد أعضاء مؤسسة "بروكينغز": "هناك صراعات أوسع نطاقا بين العالم الإسلامي والعالم الغربي بدأت تحل محل الإنقسام بين الشيعة والسنة بصورة جيدة، ومن المحتمل أن تصبح قضية إحتلال فلسطين في ظل هذه التوترات السبب الرئيسي للحراك في الحياة السياسية العربية".
ربما يكون هكذا لكن أنظروا كيف أدّت مسايرة العرب القليلة لإنتفاضة فلسطين إلي إتخاذ مواقف مؤثرة وموحدة من قبل قادة العرب تجاه هذه القضية. هل الإنسجام والتضامن بين السنة يترك المزيد من التأثير؟ هناك قضية رئيسة تدعي "الطائفية" التي تخفي أهم محاور التوتر في الشرق الأوسط الجديد بدلا من أن تظهرها، والعصر التالي تتحدد معالمه بالتنافس بين أدعياء السلطة الداخليين (معظمهم من السنة) في الدول التي تتم فيها إنتقال السلطة بصورة غامضة، وأيضا بين أدعياء زعامة العالم العربي (معظمهم من السنة).
المناهضة للشيعة لاتضمن وحدة العرب بقدر ما ضمنتها العروبة خلال عقد 1950، وفي الحقيقة لو نظرنا بعين الإعتبار في الإشتباكات الضارة التي وقعت بين الأنظمة العربية خلال فترة رئاسة جمال عبدالناصر بمصر لرأينا أن التنافس الحالي بين الأنظمة والتيارات السياسية السنية سيزداد علي الأرجح إذا ترسخت قضية الطائفية.
بالتأكيد أن هذا التنافس قدكان موجودا لحد الآن. إن مجرد النظر في المناظرات السياسية العنيفة التي تتم في كل من مصر وليبي وتونس يرشدنا إلي أن الهوية السنية لم تتمكن بعد من تحقيق الوحدة والإنسجام في هذه الدول. نشوء الحركات الإسلامية منذ إنطلاق الإنتفاضات العربية لاسيما نشوء الإتجاه السلفي بعصبيتها المدمرة والمعادية للشيعة يقدم مظهرا جديدا من الطائفية في المنطقة إلا أن الأثر الذي قدتركته هذه القضية لايمكن قياسه بآثار نشوء هذا الإتجاه علي السياسات الداخلية للدول السنية، ومن جملة هذه الآثار الصراع بين إخوان المسلمين والسلفيين في مصر، وممارسة العنف والقمع الشديد بحق المقاتلين السلفيين التونسيين من قبل حزب النهضة. إضافة إلي أن الحكومات الإسلامية في مصر وتونس قدأوجدت فجوات أعمق بين العرب السنة أكثر من تحقيق الوحدة بينهم، وقدجعلت السعوديين والإماراتيين أعداءا لهم بدلا من جمعهم حول هوية سنية واحدة. الساحات السياسية الجديدة مثل المعركة السورية قدسنحت فرصا جديدة للتنافس بين أدعياء زعامة المنطقة، علي الرغم من أن الهوية السنية هي القاسم المشترك بين قطر والسعودية والإمارات المتحدة العربية لكن نشاهد ردفعل السعوديين والإماراتيين تجاه قطر بسبب دعمها لإخوان المسلمين إلا أن السبب الرئيسي هو تنافس يجري بين هذه الدول علي السلطة منذ أمد طويل. فيما يتعلق بقضية الطائفية نجد هناك مبالغة في الإنسجام السني وأيضا في جدة التنافس بين السنة وايران علي السلطة، إن مثل هذه الإدعاءات تكون تبريرا للقمع الداخلي والتنافس علي السلطة الإقليمية أكثر من كونها بيانا لسلوك حكومات الشرق الأوسط. في رأي الدول العربية ذات النظام الملكي خصوصا بعض دول الخليج الفارسي التي يسكنها أغلبية شيعية أن الصراع بين الشيعة والسنة حل مناسب لإظهار مطالب الشيعة السياسية بأنها غيرمشروعة.
المواطنون الشيعة في المحافظات الشرقية للسعودية والأغلبية الشيعية في البحرين الذين يحتجون علي معاناتهم من التهميش المنهجي يطلق عليهم "الطابور الخامس" لإيران إذ أن هذه التسمية تكون لصالح الأنظمة الحاكمة.
كما هي الحال بالنسبة إلي زعماء العرب وواشنطن الذين يستخدم معظمهم عنوان "الشيعة" لمنافسيهم إذ يرون هذا الموقف حلا قيما لخفض نسبة إقبال الرأي العام علي محور المقاومة المتمثل في ايران وسوريا وحزب الله. لكن ليس هذا بمعني أن بعض هؤلاء الزعماء لايكرهون الشيعة أساسيا؛ علي سبيل المثال أعلن ملك عبدالله من المملكة العربية السعودية بصراحة عدم ثقته بنوري المالكي واعتبره عميلا لإيران، إضافة إلي أن عقائدهم الشخصية ليست بالضرورة مبررة لسلوكهم، ولذلك لايتوقع بأن تؤدي سيطرة السنة علي سوريا إلي أن يصبح هذا البلد حليفا ومتحدا موثوقا لسائر الأنظمة السنية للمنطقة إلا أن يصب هذا الإتحاد في المصالح الفردية للزعماء الجدد.
و التنافس القديم بين قطر والسعودية بدأ يظهر نفسه مرة أخري، والتنافس بين الجماعات الإرهابية المنتمية لكلا البلدين يعتبر من الأسباب الرئيسية التي تحول دون وحدة المعارضة السورية. فإذا إستولي إئتلاف سني علي السلطة في سوريا بأي طريقة فمن المحتمل أيضا أن يتعرض لطموح القوي الأجنبية للنفوذ في البلد.
من الجدير بالذكر أننا قدشهدنا مثل هذه الظروف سابقا؛ الطائفية التي نشهدها اليوم تشبه كثيرا بما حدث أواسط عقد 2000 حيث كانت ايران وحزب الله تتجهان نحو التغلب مما أدي إلي أن يحذر الخبير في الشرق الأوسط «فالي نصر» من قوة الشيعة كما أعرب «عبدالله» ملك الأردن قلقه من ظهور الهلال الشيعي؛ مشروع "إعدام صدام حسين" المصطبع بالصبغة الطائفية أثار حتي غضب السنة الذين لم يكن لديهم أي شعور بالنسبة إلي هذا الدكتاتور المخلوع.
لو نظرنا في فترة رئاسة بوش الإبن لوجدنا هذه الطائفية أكثر ظهورا حيث كانت واشنطن تعتبرها أداة مناسبة لتسيير أهدافها مثل إحتواء ايران وإضعاف حزب الله وتعزيز وحدتها مع المستبدين السنة. الإضطرابات الطائفية التي حدثت أواسط عقد 2000 تقللت في أواخره إلا أنها خلفت أياما مؤلمة للعراق؛ هذا وأن الغضب والإستياء وأيضا الإئتلافات السياسية التي تكونت في تلك الفترة لم تمح كاملا، وتصاعد الصراعات في سوريا أظهر أنه من الممكن إعادتها بكل سهولة. ربما الشرائح العراقية أو السورية لم تعترف في البداية بالطائفية لكن هذا الرفض سيكون صعبا للغاية إذا رأت هذه الشرائح أنواع القتل والتمرد الناتجة عن كون الضحايا سنة أو شيعة.
وهكذا تنتشر أعمال العنف الأهلية بسرعة في وسائل الإعلام العربية الجديدة، بإعتبارها مشاهد من عمليات القتل الطائفية، ومعظم المحطات الفضائية تقبل باشتياق كبير علي عرض هذه المشاهد علي شاشة التلفزيون، ثم تقول الأنظمة العربية بفرح وهي تستخدم أعمال العنف في سوريا: «أنظروا ما هي الظروف السئية التي نعيشها؟!» وذلك لتبرير رفض إجراء التعديلات، وتستخدم أداة "الطائفية" لإظهار التحركات السياسية الشيعية بأنها مروعة.
يذكر أن إستخدام الطائفية لتحقيق الأهداف السياسية لايعني أن الخلاف بين الشيعة والسنة لايخلف آثاره المدمرة علي الشؤون الداخلية للدول العربية علي مرالعصور. إرتداء ثياب الطائفية من قبل زعماء الدول العربية قضية هامة لكن الأهم منها هي المواقف والمحاولات التي تتم في هذه الدول بهدف عولمة الطائفية، التي نشهدها في حمام الدم بسوريا بل في الدعايات المتعصبة بمصر وعملية حرق مقر الشيعة في جنوب الأردن. إن إشعال هذه الصراعات الطائفية من شأنها أن تعزز خطوط الإنحراف التي تكون بأيدي الزعماء والقادة السلطويين وعديمي الضمائر، ومن الصعب جدا إثبات خلاف هذه القضايا.
علي وجه العموم أنه يجب إعطاء الأولوية لوضع حد لقتل الشيعة في الدول التي معظم سكانها من أهل السنة وعدم تعزيز محور سني آخر ضد ايران، ومفتاح هذه القضية ربما يكون في قبول حل سياسي ولوناقصا بشأن سوريا وخفض الإشتباكات المروعة في هذا البلد.