ایکنا

IQNA

الحلقة السابعة عشرة...
14:32 - April 30, 2021
رمز الخبر: 3481010
القاهرة ـ إکنا: قال الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف إنه من معوقات التجديد إضفاء قدسية الشريعة على اجتهادات الفقهاء، مؤكداً أن التجديد الدائم ‏في التراث هو المنوط به بقاء الإسلام ديناً حياً متحركاً ينشر العدل ‏والرحمة والمساواة ‏بين الناس.

وقال الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، لم تقتصر معوقات ‏التجديد على إغفال التفرقة في فقهنا الإسلامى المعاصر بين ثوابت الشريعة ‏ومتغيراتها، وإنما هناك معوق آخر ‏لعب دورًا خطيرًا فى تجميد ‏حركة "التجديد"، وبعث نزعات التقليد والتعصب، ‏وهذا العائق هو:‏ "عدم التفرقة بين ‏الشريعة، كنصوص إلهية من القرآن الكريم، أو نبوية ‏من السنة الصحيحة، وبين الفقه كاستنباطات العلماء واجتهاداتهم ‏فى ‏هذه النصوص، واستخراج الأحكام منها"، ‏وإضفاء قدسية الشريعة على اجتهادات فقهائنا السابقين، واستدعاء ‏‏فتاواهم وآرائهم التى قالوها ليواجهوا بها مشكلات عصرهم.‏

وأضاف شيخ الأزهر خلال الحلقة السابعة عشرة من برنامجه الرمضاني «الإمام الطيب» الذى يذاع ‏للعام الخامس، أن ‏فقهاءنا السابقين ‏كانوا- رضى الله عنهم- يعلمون علم اليقين أنها اجتهادات بشرية، ‏ليست معصومة، ولا هي فى منزلة ‏نصوص الشريعة، سواء ما كان ‏منها قطعى الثبوت ظنى الدلالة، أو ما كان ظنى الثبوت والدلالة، ‏وأنهم أنفسهم ما ‏كانوا يترددون فى تغيير فتاواهم أو مذاهبهم التى ‏استقرت عليها فتاواهم إذا ما جد جديد فى أمور المسلمين يتطلب ‏تغيير ‏هذه الفتوى أو تلك، حتى لا يصيبهم حرج ولا مشقة فى الدين ‏بعدما امتن الله عليهم بأنه لا يريد لهم ذلك، وحتى لا ‏يتحمل الفقهاء ‏الأجلاء مسؤولية هذا الضرر أمام الله -تعالى- يوم القيامة. ‏

وأكد شيخ الأزهر أن الشريعة نصوص إلهية معصومة من الخطأ، أما الفقه فهو ‏استنباطات بشرية استنبطها العلماء ‏المختصون فى هذا الحقل العلمى ‏الدقيق من الشريعة الإلهية المعصومة وأن أى خلط بينهما سيؤدى ‏- لا محالة - ‏إلى تأليه البشر وتقديس الفكر الإنسانى‏، معتبرًا أن الفصل الحاسم بين الشريعة الإلهية والفقه البشرى، بما ‏يقوله ‏العلماء من جواز إطلاق وصف الشريعة على الله -تعالى- ‏واستحالة إطلاق وصف "الفقه" عليه -تعالى- فيقال: ‏‏"الله هو ‏الشارع لهذه الأحكام"، ‏ولا يقال، ‏بل يستحيل أن يقال: "إنه -تعالى!- فقيه".‏

‏ وبيّن شيخ الأزهر أن الشريعة ‏نصوص مقدسة، بينما استنباطات العلماء من فقهاء وأصوليين ‏ومفسرين ومحدثين ومتكلمين ‏معارف بشرية، أو تراث يؤخذ منه ‏ويترك، وهذه الاستنباطات التى توفرت للمسلمين على مدى خمسة ‏عشر قرنًا من ‏الزمان هى ما يسمى ب"التراث" أو "تراث المسلمين" ‏بإطلاق عام، ثم يتخصص بعد ذلك فيقال: التراث الفقهى، أو ‏‏التراث اللغوى، ‏أو الأدبى أو غير ذلك، موضحًا أنه لا ينبغى- بل لا يصح- ‏أن يفهم من التركيز على التفرقة بين ‏الشريعة، وبين التراث الذى نشأ ‏حولها، أننا ندير ظهورنا للتراث الفقهى أو غيره، أو نقلل من أقدار ‏فقهائنا العظام الذين ‏لا يزالون حتى يومنا هذا محل احترام وتقدير ‏وإكبار فى أروقة الجامعات الأوروبية والأمريكية والروسية واليابانية، ‏وغيرها ‏من الجامعات التى تعرف للعلم حقه، وللعلماء فضلهم ‏ومكانتهم.‏

وشدد شيخ الأزهر على أنه نحن حين نفرق بين الشريعة من جانب والفقه من جانب آخر لا ‏نقصد إلى أن نستبدل به ‏عناصر غريبة عنه: غربية أو شرقية تناقض ‏طبيعته، وتختلف معه منطلقا وغاية، وكل ما نقصد إليه هو ما قصده ‏أسلافنا ‏العظام حين نظروا إلى هذا التراث فى حقيقته كنتاج علمى ‏وثقافى هائل قام بدوره المطلوب فى بناء حضارة المسلمين ‏ونشرها فى ‏الشرق والغرب، ولكنهم لم ينظروا إليه من منظور التراث المعصوم عن ‏التغيير والتبديل.‏

وأوضح شيخ الأزهر أن التراث كما إنه ليس مقبولا كله اليوم، فهو أيضا ليس مرفوضًا ‏كله اليوم أيضا، كما يرى المتهورون ‏ممن لا معرفة لهم بقيمة هذا التراث ‏وشموخ منزلته فى الخافقين، نعم تراثنا ليس كله قادرًا على مواجهة ‏مشكلات العصر، ‏لكنه ليس كله بعاجز عن التعامل معها، ومن هنا ‏كان تركيز أسلافنا على الحركة المتجددة التى هى خاصة هذا التراث، ‏‏والتى تتطلب لاستمرار هذا التراث حيًا مؤثرًا- فيما حوله- إلغاء ‏عناصر وإبقاء عناصر أخرى، واستدعاء عناصر ثالثة ‏من خارجه ‏حسب حاجة المجتمعات الإسلامية ومصلحتها.‏

وأكد شيخ الأزهر أن التجديد الدائم ‏فى التراث هو المنوط به بقاء الإسلام دينًا حيًا متحركًا ينشر العدل ‏والرحمة والمساواة ‏بين الناس، والتراث حين يتخذ من" التجديد" أداة ‏أو أسلوبًا يعبر به عن نفسه يشبه التيار الدافق، والنهر السيال الذى ‏‏لا يكف لحظة عن الجريان، أو هكذا يجب أن يكون، وإلا تحول إلى ‏ما يشبه ماء راكدًا آسنًا يضر بأكثر مما يفيد، ‏والذين يظنون أنهم ‏قادرون على مواجهة المستجدات بمجرد استدعاء الأحكام الجاهزة من ‏تراث القرون الماضية، يسيئون- ‏من حيث يدرون أو لا يدرون- ‏لطبيعة هذا التراث العظيم، والتى ما أظن أن تراثًا آخر عرف بها من ‏قبل، وأعنى بها ‏القدرة على التحرك لمواكبة الواقع المتجدد عبر خمسة ‏عشر قرنًا، وتنزيل الخطاب الإلهى عليه.

واختتم شيخ الأزهر موضحاً: أن التراث هو صدى ‏لنصوص الوحى الإلهى؛ مفهومًا بطريقة معينة فى عصر معين، فإذا ‏‏اختلفت طريقة استلهام النص تحرك التراث، وإذا ثبتت ثبت التراث ‏وتجمد، وقتها يكون العيب فى التراث المتوقف لا ‏فى النص، مبينًا أن الخلط بين الفقه والشريعة أدى إلى الوقوع فى التقليد ‏واتخاذه منهجًا ثابتًا فى البحث عن حلول ‏لمشكلاتنا المعاصرة، وقد ‏استبدت هذه الآفة بمسرح الثقافة الإسلامية فى كثير من تجلياتها؛ فما زلنا نبحث ‏فى آراء ‏القدماء عن إجابات لا تتطابق مع أسئلة القرن الحادى ‏والعشرين، وربما قصدنا إلى الرأى الأكثر حرجا ومشقة، وروجناه ‏‏بشكلياته وقشوره؛ رغبة فى التميز والمخالفة من أجل المخالفة، ‏والتأكيد على الولاء لأجندات وتيارات ومذاهب لا داعى ‏للخوض ‏فى تفصيلها، وهذا الأسلوب لا يكشف عن شيء من عظمة التراث ‏ولا حيويته التى هى رهن بقدرته على ‏إحداث تجليات جديدة ‏للنصوص، تتمثل فى استخراج أحكام تلبى حاجات مستجدة؛ ‏ليست هى بالضرورة تلك ‏الحاجات القديمة، مشددًا على أن الجمود من سمات الموت، وأن الحركة هى الخاصية الأولى ‏للحياة، وأن القرآن العظيم نعى فى ‏كثير من آياته على التقليد ‏والمقلدين".‏

الاسم:
البرید الإلکتروني:
* رأیکم:
* captcha: