ایکنا

IQNA

قيم القرآن تؤلف بين البشر

23:25 - October 03, 2022
رمز الخبر: 3487966
الرباط ـ إکنا: اعتبر الدكتور محمد بلبشير الحسني، قيدوم الدراسات الإسلامية بالمغرب (الأب الروحي المؤسس أو عميد شعبة الدراسات الإسلامية) أن قيم القرآن الكريم أو القيم عموما من منظور الإسلام أوسع وأشمل من الأخلاق.

اعتبر الدكتور محمد بلبشير الحسني، قيدوم الدراسات الإسلامية بالمغرب (الأب الروحي المؤسس أو عميد شعبة الدراسات الإسلامية) أن قيم القرآن الكريم أو القيم عموما من منظور الإسلام أوسع وأشمل من الأخلاق، لأن هناك قيماً فطرية يشترك فيها كل البشر، مثل القيم التراحمية، من أبوة وأمومة وعلاقات زوجية، وقيم غريزية جاء الإسلام لتوجيهها، وقيم مرجعية لا يختلف حولها البشر مثل الحق والعدل والشعور بالحرية والكرامة.

وأكد بلبشير على دور القيم المعيارية في القرآن في تأليف البشر، وقال في محاضرة ألقاها في جامعة محمد الخامس بالرباط حول "معيارية القيم والمنهج القرآني" إن القرآن العظيم هو المرجع الأساسي لضبط القيم التي تتأثر بالتطبيق السيئ لها سواء من المسلمين أو من غيرهم.

وقدم الدكتور بلبشير مجموعة من المؤشرات والمقاصد الضابطة لشبكة القيم من خلال القرآن، مشددا على دور العلماء والإعلام والأسرة في تفعيلها داخل المجتمع.

التفاضل بالإيمان

وفي مستهل حديثه عن شبكة القيم -وانطلاقا من القرآن العظيم- عرَّف بلبشير القيم بأنها “ميزان تصنف به الأشياء إيجابيا وسلبيا، وتقدر به المواقف حسب دواعي ومؤشرات معينة. وعملية التقييم تختلف حسب زاوية الحكم بحسب اختلاف العقيدة أو المذاهب أو الرأي أو الزمان أو المكان أو الظروف الحضارية والثقافية والسياسية”.

ولذا فالقيم -بحسب المحاضر- تنقسم إلى قسمين كبيرين: قيم فطرية جعل الله الإنسان يتوق إليها، وتنبع من طبيعته كإنسان، وتدخل فيها القيم الحسية والمعنوية، والثانية قيم مكتسبة تدرك بالتربية والتوجيه والمخالطة أو بالعقائد والقوانين والأعراف، وتضم القيم الحضارية والقيم المعرفية والقيم المادية والقيم السياسية، التي تعتمد أساسا على تنظيم الدولة ودستورها وقوانينها.

وأضاف: “التفاضل بين البشر يكون في العادة حسب مزايا العلم والعمل والمال وحسن الخلق والذكاء والمواهب، ولكن الإسلام يعزي التفاضل إلى درجة الإيمان والتصديق وتقوى الله تعالى والاستقامة أخلاقيا وسلوكيا وبالإنفاق في سبيل الله، وبالعلم النافع، والعمل الصالح”.

مصادر القيم

وأوضح بلبشير أن مصدر القيم نوعان: مصدر علوي وردت قيمه عن طريق الشرائع السماوية ومنها الإسلام، ومصدر بشري يبدعه المفكرون والفاعلون في حقل السياسة والاقتصاد والاجتماع والتربية.

ويتابع المحاضر: “تختلف مصادر هذه القيم في جانب المعيارية والمصداقية، فمعيارية القيم السماوية قطعية؛ لأن مصدرها إلهي يستحيل في حقه الخطأ والعبث، أما البشرية فهي نسبية بطبيعة الإنسان وقابليته للخطأ والصواب وما يتخلله أحيانا من هوى ونظرة ضيقة أو نفعية أو نزعات أنانية، مما يجعلها قيما غير ثابتة ونسبية.

ولتقريب الحكم على القيم من ناحية الإيجابية أو السلبية، أشار بلبشير إلى بعض المؤشرات ومنها العقل والوجدان والغرائز البشرية والهوية والمحيط والتربية، فقد أشاد القرآن الكريم بالذين يعقلون، وختم على قلوب الذين لا يعقلون أو يسيئون استعمال عقولهم، ونعتهم بأنهم لهم عيونا لا يبصرون بها وآذانا لا يسمعون بها.

وعن تأثير الوجدان في ميزان القيم، قال: “قد يتغير حكم الوجدان على القيم باختلاف الطبائع والنوازع والحالات النفسية، بيد أن النوازع الدينية والروحية لها تأثير إيجابي على القيم؛ لأن صاحبها يعتمد على المصدر العلوي في مواقفه.

أما الغرائز -والتي تضم غريزة الأنانية وحب الذات من جهة والغريزة الجنسية من جهة أخرى- فقد جاء الإسلام بالتصرف فيها بحكمة، واعتبر جهاد النفس امتحانا عسيرا للمسلم على الخصوص باعتبار الضوابط الشرعية.

أما عن مؤشر الهوية -التي تتشكل من العقيدة والعصبية والتاريخ والأعراف وأساليب العيش- فهي التي تدفع الشعوب إلى مقاومة الاستلاب ومقاومة المستعمر الذي يحاول طمس هويتها وانتهاك حرمتها.

ويرجع الفضل إلى التربية في تعزيز القيم، “فيأتي المحيط -من أسرة ومدرسة وإعلام وحركية المجتمع وما يعتمل فيه من تيارات سياسية ودينية- ليميز قيم مجتمع عن آخر.

وتلعب التربية دورا رئيسيا في تلقين القيم التي يجب أن تتكيف مع المتلقي وطاقته الاستيعابية، ومن شأن عدم التنسيق بين التربية المكتسبة في المؤسسة التعليمية والأسرة ووسائل الإعلام أن تحدث بلبلة في طبيعة القيم المحمودة لدى النشء، أو تسهم في إضعاف القيم الفطرية أو تقوية القيم المذمومة التي تضر بالفرد والمجتمع.

خصائص القيم

وبعد الحديث عن مفهوم القيم ومصادرها ومؤشرات الحكم عليها قدم بلبشير أربع خصائص للقيم من منظور إسلامي، وهي: الأوامر والنواهي والبيانات والآداب.

وأوضح: “تدعو الأوامر الإنسان إلى التمسك بالقيم المشتركة بين جميع البشر، ولذا جاء القرآن يحث عليها بعبارة “يا أيها الناس” مثل قوله تعالى: { يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا}، وقوله تعالى: { قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ}.

وقد توجه الأوامر للمسلمين المؤمنين، كما توجه لأهل الكتاب مثل قوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}؛ أي إضافة التقوى، ولأهل الكتاب مثل قوله تعالى: { قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ}.

أما النواهي فهي دعوة إلى اجتناب كل ما يتنافى مع القيم المحمودة، ولا تستسيغها الفطرة والعقل السليم ولا الشرائع السماوية، ومجملها مما يحط من قيمة الإنسان من سوء أخلاق وفساد وفاحشة وزور وأكل أموال الناس بالباطل، وهي التي تعرف بـ”الوصايا العشر” في سورة الأنعام، من قوله تعالى: {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ} – إلى قوله تعالى – {ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}.

أما البيانات فتتلخص في ما يخبر به القرآن، مما غفل عنه العقل أو كفر به أو عجز عن إدراكه من القيم المعرفية والروحية والاجتماعية والغيبية مثل قوله تعالى: { أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ}.

ولذا، يؤكد بلبشير على أن الإسلام يلح على المؤمنين بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بصفتهم شهودا عن الناس: { كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ}، كما جاء التفاضل بين المؤمنين بالإيمان المقرون بالعمل وبالجهاد في سبيل الله، والتسابق إلى العمل الصالح والتزام الإيمان المقرون بالتقوى.

تثبيت القيم

ويؤكد الدكتور بلبشير أن القرآن العظيم في تثبيته للقيم السامية، التي تعد من أهم مقومات الحياة البشرية، قصد أساسا إلى تحقيق مجموعة من المقاصد ومنها:

ـ إعلان استخلاف الله للإنسان بتكريمه وتفضيله: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا}.

ـ إقرار مبادئ التوحيد والمساواة لقوله تعالى: {إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ}.

ـ الدعوة إلى الإيمان المقرون بالعمل: {إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ}.

ـ تثمين قيم العقل والعمل: {إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ}.

ـ الحث على التوبة بعد الخطأ والتسامي عن نيل الحق: {وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}.

ـ التذكير بأحقية التدافع بين الناس في سبيل الخير والصلاح: {وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ}.

ـ تشجيع الناس للاعتماد على النفس والقيام بالتغيير نحو الأصلح: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ}.

المحاضر -انطلاقا من هذه المقاصد- أن معيارية الإنسان في القرآن تتجلى في آدميته وأن الله شرفه بالخلافة عنه ونفخ فيه من روحه وأمر الملائكة بالسجود له، ثم بحمله للأمانة التي هي عبادة لله وإيمان به وعمارة للأرض بالعلم النافع والعمل الصالح، واكتشاف عظمة الخالق وفضله على الإنسان.

وأكد على أن هذه المعيارية، هي التي تحكم سلوك الإنسان المعرفي وتصرفاته الاجتماعية وعلاقاته بالمخلوقات الأخرى ومكوناتها ضمن الإطار العام: {وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا}.

وسائل القرآن

وبعد أن ذكر المحاضر مجموعة من المعايير لمعرفة القيم الحميدة، والتي نص عليها القرآن مثل النعم الدنيوية والأخروية، وما يندرج تحت ما يحبه الله ويرضاه والعفو وكظم الغيظ وإحلال الطيبات من الرزق وتحريم الخبائث والملائمة الشرعية؛ أشار إلى أن القرآن استعمل أربع وسائل لإثارة موضوع القيم وتثبيتها في النفس البشرية وهي:

المخاطبة المباشرة: ويتنوع من مخاطبة الناس إلى مخاطبة المؤمنين خصوصا إلى التوجيه لأهل الكتاب وللكافرين.

الإعلان والبيان: لحقائق الإعجاز لإثارة رغبة الإنسان للبحث والتنقيب والتنبيه والتحفيز، مثل قوله تعالى: {وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ}.

لغوي وبلاغي معجز: حيث تحدى الله تعالى فطاحل العرب الإتيان بمثل سورة من القرآن. تشريعي: يتجلى أساسا في التعاليم المتعلقة بالعبادات والمعاملات وبيان الحلال والحرام لقوله تعالى: {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ}.

الوعظ: من أجل الاقتداء والاتباع بتصرفات الرسل والصالحين مثل تضحيات إبراهيم وصبر أيوب وعفة يوسف وخلق محمد عليهم السلام.

ميزان القيم

وأشار الدكتور محمد الروكي- رئيس جمعية خريجي الدراسات الإسلامية العليا بالمغرب والمسيِّر للقاء العلمي- إلى أن الجولة العلمية للدكتور بلبشير في رحاب القيم انطلاقا من القرآن الكريم تمثل مشروعا علميا كبيرا، ويعتبر من أهم القضايا العلمية والفكرية التي تهم الأمة الإسلامية، وأشد ما تتخبط فيه البشرية من خروم حياتية. وهو ما يتطلب -بحسب الروكي- معرفة الميزان الذي يمكن أن توزن به القيم ويعرف خللها، وهو ما أثاره المحاضر بالحديث عن ضوابط القيم ومصادرها ومؤشراتها، ليستقيم مفهومها لدى مفكري الأمة في إطار مشروع علمي جلل، يتناول أهم مشاكل البشرية في الوقت الراهن.

المصدر: إسلام أون لاين

الاسم:
البرید الإلکتروني:
* رأیکم:
captcha