ایکنا

IQNA

جواهر عَلَويَّة...

مَنْ أَحْسَنَ الاسْتِماعَ تَعَجَّلَ الانْتِفاعَ

23:59 - January 05, 2026
رمز الخبر: 3503090

بقلم الباحث اللبناني في الشؤون الدينية "السيد بلال الوهبي"

ورُوِيَ عن الإمام علِيَّ (ع) أنه قال: "مَنْ أَحْسَنَ الاسْتِماعَ تَعَجَّلَ الانْتِفاعَ".
 
بعض حواسنا الخمس يمكننا أن نتحكم فيها، كالعين يمكننا أن نغلق جفنها فلا نرى، أو نشيح النظر إلى جهة كي لا نرى ما في الجهة الأخرى، وهكذا حاسة اللمس يمكننا أن نلمس أو لا نلمس، أو حاسة الذوق، يمكننا أن نذوق أولا نذوق، أما حاسَّة السمع فلا يمكن التحكم بها، إلا في حال النوم العميق، بل حتى في هذه الحالة فإن أي صوت قوي يمكن أن يُذهب النوم من عيوننا. 

فالإنسان يسمع الأصوات من حوله شاء ذلك أم أبى، حيث لا يمكنه التحكُّم في هذه الحاسَّة المُهِمّة، لكن ليس بالضرورة أن يتفاعل مع جميع ما يسمعه من أصوات، ألا ترى قارئي الكريم أنك الآن تسمع أصواتًا كثيرة من حولك ولكنك لا تلتفت إليها، ولا تتفاعل معها، لا تتفاعل إلى مع صوت أو أصوات لها أهمية عندك، وهذا ما سنبينه فيما سيأتي إن شاء الله، فلو كان الإنسان يتفاعل مع جميع الأصوات التي يسمعها في دقيقة واحدة لاضطرب، ولعل دماغه ينفجر، إذ لا يمكنه أن يستوعب كمًا هائلًا من الأصوات في لحظة واحدة، لذا تراه يركِّز على صوت واحد أو أصوات قليلة.
 
ولهذا فرَّقت اللغة العربية بين كلمَتي السَّماع والاستماع، الذين قد تبدوان للوهلة الأولى مترادفتين، لكن الواقع خلاف ذلك.
 
فالسَّماع، هو مجرّد وصول الصوت إلى الأُذُن، سواء أراد الإنسان أو لم يُرِد، إنَّه عملية طبيعية غير اختيارية، قد يتفاعل المرء مع الصوت، وقد يسمع ولا ينتفع لأنه غير ملتفت، أو مشغول، أو غير راغب في الفهم، مثل سماع أصوات أفراد الأسرة، أو ضجيج الشارع، أو صوت مذياع يعمل في الغرفة المجاورة، فالاستجابة الذهنية هنا غير مطلوبة أو غير موجودة.
 
أما الاستماع، فهو فعلٌ إراديٌّ واعٍ، يقوم فيه الإنسان بتركيز ذهنه وقلبه فيما يُقال، ويستقبل المعنى بصفاء وتوجّه، ويمنح الكلمات حقّها من الانتباه والتحليل، ولذلك تقول: "استمعتُ لفلان" أي أصغيتُ إليه بقصد الفَهم.
 
هذا الفرق المهم أشار إليه القرآن الكريم في أكثر من موضع، فقد استعمل مفردة السَّماع في الموارد التي ليس فيها توجُّه كلي وإصغاء وتفكير في الكلام، أو التي تطرق سمع الإنسان دون طلب منه، وإن هو استجاب له بعدما سمعه، واستعمل مفردة الاستماع في الموارد التي فيها توجُّه قلبي وعقلي وتفكُّر في الكلام.
 
في هذا السياق يأتي قول الإمام أمير المؤمنين (ع): "مَنْ أَحْسَنَ الاسْتِماعَ تَعَجَّلَ الانْتِفاعَ". حيث يؤكَّد على الاستماع لا الاكتفاء بالسماع، وأن يكون الاستماع حَسَنًا، ولا يتأتّى له ذلك إلا إذا أنصَت، وأقبل بكُلِّه على الكلام، وفكَّر فيه، فالاستماع الحَسَن هو المرحلة الأولى من مراحل التفاعل الحقيقي مع ما يَسمع. 
 
لقد أكد القرآن الكريم على هذه المرتبة الراقية من التَّلَقّي، حيث لم يأمرنا بالسماع المجرد، بل أمرنا بالاستماع، قال تعالى: وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴿الأعراف:204﴾ فالأمر هنا أن نستمع، يعني أن نركِّز حاسة السمع، وذا يعني أن نفكِّر فيما نسمع، ونتفاعل معه، ولا يُتاح ذلك إلا إذا صاحب الاستماعَ الانصاتُ والصَّمتُ التّامُّ، بحيث نكفُّ جوارحنا عن العبث، ليكون لدينا إقبال كُلي على كتاب الله تعالى.
 
وبأسف أقول: إننا اليوم نسمع ولا نستمع، نسمع أزواجنا وأولادنا وأرحامنا يتكلمون ولكننا لا نستمع إليهم، لا نصغي إلى كلامهم، لا نُقبِل عليهم، يحدثوننا ونحن مقبلون على هواتفنا، أو هواياتنا، ونسمع المفكرين والعلماء والمصلحين ولكننا لا نفكر فيما يقولون، لا نستجيب لهم، ولا نكون معهم على موجة واحدة. ونسمع الآخرين مِمَّن نختلف معهم، ولكننا لا نفكر فيما يقولون، ولعلَّ الحق والنفع والخير فيما يقولون، ولو كانوا على خصومة معنا.

إن حُسْنَ الاستماع ضروري لِفَهم ما يُقالُ لنا، وضروري لبناء علاقة سوية مع الآخرين، وضروري لمعرفة الحق من الباطل.
captcha