
بقلم الباحث اللبناني في الدراسات الدينية "السيد بلال الوهبي"
يُعرف الإنسان بصفاته وسلوكياته، فإذا شاهدناه عابسًا عرفنا أنه غاضب، أو حزين، وإذا وجدناه مبتسمًا، عرفنا أنه منشرح الصدر، مسرور الفؤاد، فإذا كنا نراه دائم الغضب عرفنا أنه غضوب، أي أن الغضب قد استحكم فيه حتى صار صِفة لازمة له، ومعه لا يمكننا أن نعرف متى يكون راضياً، وما الذي يُرضيه.
وعليه: فما هي الرسالة التي يريد الإمام أمير المؤمنين بهذه الجوهرة أن يبعث بها إلينا؟
الجواب: رسالتان يبعث بهما الإمام:
الأولى: أن الإفراط في الغضب يدمِّر الإنسان من داخله، ويحيله إلى شخصٍ دائم التوتر، مستنزفًا نفسيًا، مُجهدًا بدنيًا، لا يشعر بالرضا حتى عن نفسه فضلًا عن محيطه وواقعه الخارجي.
لقد جاء في الحديث عن الرسول الأعظم (ص): أنَّ "الغَضَبُ شُعْبَةٌ مِنَ الجُنُونِ" هذا الغضب العابر الذي ينتهي سريعًا يفقد الغاضب أثناءه السيطرة على أفعاله ومواقفه، فيرتكب الجرائم والموبقات، ثم عندما يفيق من جنونه يستولي عليه الندم والشعور اللازم بالحسرة، فكيف إذا كان غضوبًا، أي دائم الغضب وكثيره، أيُّ موقف يستفزُّه يُخرِجه عن طوره، ويزلزل كيانه، حتى يفقد القدرة على التعامل العقلاني مع الأمور والمواقف، إلا أن يتدارك نفسه ويستنقذها من براثن هذه الصفة الأخلاقية المدمِّرة، رُوِيَ عن الإمام أمير المؤمنين (ع) أنه قال: "الْحِدَّةُ ضَرْبٌ مِنَ الْجُنُونِ لِأَنَّ صَاحِبَهَا يَنْدَمُ فَإِنْ لَمْ يَنْدَمْ فَجُنُونُهُ مُسْتَحْكِمٌ".
الثانية: أن الإفراط في الغضب ينال من مكانة الإنسان الاجتماعية، وكرامته وهيبته ووَقاره، ويُصعِّب عليه تكوين علاقات اجتماعية بسبب نفور الآخرين منه، وضعف ثقتهم به، وعدم معرفتهم بالذي يرضيه والذي يُغضبه، ومتى ينقلب من حال إلى حال، لأنه يفسر المواقف والأحداث تفسيرًا عدائيًا، ويرى تصرفات الآخرين معه استفزازًا له، وتصدر ردود أفعاله بانفعال وحِدّة، فرضاه غير مستقر، ولا يمكن التنبؤ بردود أفعاله، ومن لا يُعرَف ما يرضيه، لا يُعرَف كيف يُتعامَل معه، مما يجعل الحياة معه مأساة بذاتها، تتطلَّب صبرًا عظيمًا، ومهارة عالية على التواصل معه، وقدرة فائقة على امتصاص موجات غضبه.
كثير الغضب مبتلًى بغضبه، وبلاء على غيره، لا هو يرضى، ولا الأخرين قادرون على إرضائه، لا هو يعرف ما الذي يرضيه ولا الآخرون يعرفون، ومن هنا يعيش حياته ويعيش الآخرون معه في قلق دائم.