
بقلم الباحث اللبناني في الدراسات الاسلامية السيد بلال وهبي
ورُوِيَ عن
الإمام علِيَّ (ع) أنه قال: "مَنْ وَادَّكَ لِأَمْرٍ وَلَّى عِنْدَ انْقِضَائِهِ".
في هذه الجوهرة الكريمة يقرر الإمام أمير المؤمنين (ع) معادلة اجتماعية ثابتة تتكرر في كل الأزمنة والبيئات، فيؤشر إلى صنف من الناس يبنون علاقاتهم على أساس المصالح والأغراض الشخصية، لا على أسس من المودة الصادقة، والمحبة الخالصة.
ففرق كبير بين من يودّك لذاتك، ومن يُظهر لك المودة لينال منك مأربًا، أو لتقضي له حاجة، مودة الأول، ثابتة راسخة ناشبة جذورها في أعماق الفؤاد، تكبر مع الأيام، وتدوم، منشؤها القلب وموطنها القلب، لا يستثمر في مودته لك، يحبك لذاتك، لا يتطلَّع إلى شيء مِمّا في يديك، إن أعطيته أو خدمته شكرك، وإن لم تعطه ولم تخدمه لا يقلُّ من مودته قيد أُنْمُلة، أما مودة الثاني فهي مُنبَتَّة منقطعة الجذور ومؤقَّتة، إنها مودة مشروطة، تدوم ما دام سببها، وسببها ليس كمالًا فيك بل مصلحة يريدها منك، فإذا انتفى السبب، وانقضت الحاجة، ولَّى عنك ونسيَك حتى كأنه لم يعرفك.
هذا الصِّنف من الناس يُقبِلُ عليك من دون توقَّع منك، ومن دون إرهاصات، فجأة تراه يتقرَّب منك ويُطريك بمَعسول الكلام، بل يغالي في مدحك والثناء عليك، فإذا نال مأربه منك ولَّى عنك، وإن لم ينَل مأربه ذمَّك وشتمك، وانقلب يحرِّض الناس عليك.
فالمودة التي لا تنقطع هي تلك التي تنشأ من تقدير لذاتك، من حُبٍ للكمال الذي فيك، كأن يحبك لسُمُوِّ أخلاقك، أو لعِلْمك، أو لصفاتك القيادية، أو تقديرًا لجهودك في خدمة الدين والإنسان والوطن، وسوى ذلك من الكمالات والصفات الإيجابية، فهذه مودة تبقى ولا تزول، والشخص الذي يَوَدّك لا يطلب شيئًا ولو قصدك في حاجة ولم تقدر على قضائها له لا يتغيَّر حاله معك.
ومن هنا علينا أن نتقن مهارة التمييز بين المودة الصادقة والمودة الكاذبة، بين الذي يودّنا لذاتنا وبين الذي يودّنا لمصلحة، ويمكن التمييز بينهما من خلال التالي:
أولًا: الاستمرارية، فالمَوَدَّة الصادقة هي التي تستمر، وتنمو مع الأيام، ولا تنقطع أبدًا إلا إذا كانت أسباب قاهرة تحول بين الشخصين أن يتواصلا. أما المودة المصلحية فهي متوقفة على المصلحة، فإنها تبقى ما دام لم يحصل عليها، وينتظر الحصول عليها، فإذا تحققت ولَّى عنك.
ثانيًا: إن الذي يودّك لذاتك يسأل عنك لذاتك، يرتبط بك أنت، أما الذي يودُّك لمنفعة فهو يرتبط بالمنفعة، فيسأل عنها ولا يسأل عنك.
ثالثًا: الصادق في مودته يذهب بعيدًا في الدفاع عنك، والوقوف إلى جانبك، وهو مستعد أن يبذل لك وقته، وماله، وحتى نفسه. أما الذي يودك لمصلحة فلا يقدِّم لك شيئًا من دون مقابل.
رابعًا: يمكنك التمييز بينهما بمراقبة من يبقى على مودته رغم غياب المنفعة منها، أو اقتضائها كلفة، فمن يبقى فمودته صادقة، ومن يتخلّى عنك فرارًا من كُلفة البقاء مع فمودته نفعية كاذبة.
ناهيك عمّا سبق فإن الزمن كفيل بكشف حقيقة المودة، والتمييز بين الصادق منها والمخادع، والخالص منها والنفعي، كذلك حاجتك إليه، فمن يبادر إلى إعانتك ويسعى في قضاء حاجتك فمودته صادقة، ومن يخلق الأعذار ويحلف بالله في الليل والنهار ليبرِّر تقصيره في الوقوف إلى جانبك فمودته مصلحية بلا ريب.