
بقلم الباحث اللبناني في الشؤون الدينية السيد بلال وهبي
الإنسان الذي يُكثِر الشكوى من سوء حاله وحاجته المادية أمام الناس، يُسقِط هيبته ومكانته في عيونهم، ويُعرِّض نفسه للمَذَلَّة بين أيديهم، بدلاً من الاحترام والتقدير. وفيها حَثٌ على التعفُّف، والصبر، وكتمان الحاجة إلا لله عز وجل، فالاستغناء عن الناس عِزٌ، والسؤال منهم ذُلٌ، إذ قد يحملهم على استصغاره وازدرائه.
ومِما لا شكَّ فيه أن الفقر بذاته ليس عيبًا، ولا سببًا يستدعي الاستحقار والازدراء، فكم من فقير خالي الجَيب من المال قد ملأ الدنيا علمًا وإبداعًا وثراءً وعِزّة وكرامة، وكم من ثري قد ملأ الدنيا خزيًا وعارًا ودمارًا، فالغِنى من منظور إسلامي ليس هو كثرة المال والمُلك، بل هو غِنى النفس، والفقر ليس قلة المال أو عدمه إنما هو فقر النفس، ألا ترى أن بعض الأثرياء لا يُشبِعهم شيء، ولا يكتفون من شيء، يعيشون كل حياتهم لاهثين وراء المزيد من المال؟! بينما ترى فقراء قد لا يملكون كفاف يومهم قانعين راضين سعداء في حياتهم.
الفقر في جوهره ليس عيبًا ولا نقصًا في الكرامة، والمعادلة التي بين أيدينا لا تربط بين الفقر وبين ذهاب الكرامة، بل تدعو إلى كتمانه وعدم إظهاره، وجعل الإظهار وسيلة للاستعطاف، كما يفعل السائلون (الشحّاذون) الذين يطرقون الأبواب، أو يعترضون المارَّة في الطرقات، فإن هذا النحو من إظهار الفقر يستدعي الذُّل والهوان بلا شك.
فالمعادلة هذه ناظرة إلى تعامل الناس عمومًا مع السائل المستعطف لهم، فإنهم يعاملونه باحتقار غالبًا، وإن كان هذا التعامل مرفوض إسلاميًا، فالإمام (ع) بقوله: "مَنْ اَظْهَرَ فَقْرَهُ أَذَلَّ قَدْرَهُ" لا يتبنّى نظرة المجتمع المنحازة إلى الغني القادر القوي، ولا يقِرُّ احتقار الفقير، بل يُشَخِّص تعاملًا اجتماعيًا ظاهرًا، ثم يوجِّهنا إلى السلوك الذي يحفظ كرامتنا وعزَّتنا، لأن الإسلام يقدِّس الكرامة الإنسانية، ولا يبيح بحال من الأحوال أن يفعل المؤمن ما يتسبب له بذلة أو مهانة، وهذا ما رُوِيَ عن الإمام جعفر بن محمد الصادق (ع) أنهُ قال: "إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فَوَّضَ إِلَى الْمُؤْمِنِ أُمُورَهُ كُلَّهَا، وَلَمْ يُفَوِّضْ إِلَيْهِ أَنْ يُذِلَّ نَفْسَهُ، أَلَمْ تَسْمَعْ لِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلّ: ﴿ ... وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ ... ﴾، فَالْمُؤْمِنُ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ عَزِيزاً وَلَا يَكُونَ ذَلِيلًا، يُعِزُّهُ اللَّهُ بِالْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ"
إن الناس غالبًا يهابون الغني القادر، ويقدرونه، ويتودَّدون إليه رجاء الانتفاع مِمّا لديه، ويحبون أن يكونوا في الدائرة الأقرب إليه، في حين يثقل عليهم الفقير البائس، وينفرون مِمَّن يُكثِر الشكوى، ويستجدي التعاطف، ومن هنا جاء التحذير من إظهار الفقر بطريقة تُذِل الإنسان.
وهذا ينسجم تمامًا مع الخُلُق القرآني الذي يدعو إلى كتمان الحاجة ما أمكن، فقد مدح الله تعالى الفقراء الذي يتعفَّفون عن المسألة، وإذا اضطُرُّوا إليها فلا يُلحِفون فيها، وأثنى على كتمانهم حاجاتهم رغم إلحاحها، قال تعالى: يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا...﴿البقرة:273﴾.
إذن: الفقر ليس عيبًا، إنما العَيب في إشهار الفقر للاستعطاف، أو تبرير المسألة من الآخرين، أو تبرير القعود عن السعي، أو تبرير السكوت عن المنكر، والصمت عن الظلم، والاستسلام للظالم، فأما طلب المساعدة مع المحافظة على الكرامة والعِزَّة، فجائز بلا إشكال.