
بقلم الباحث اللبناني في الشؤون الدينية السيد بلال وهبي
ورُوِيَ عن الإمام علِيَّ (ع) أنه قال: "مَنْ اتَّخَذَ الحَقَّ لِجامًا اتَّخَذَهُ النَّاسُ إِمَامًا".
لا يمكنك أن تقود غيرك إذا لم تكن قادرًا على قيادة نفسك، ولن تقدر على قيادة نفسك إلا إذا كان الحق رائدها وغايتها، وضابط قراراتها، ومعيار كل ما يصدر عنها، هذه هي المعادلة التي يقررها الإمام أمير المؤمنين (ع) بقوله البليغ، الذي استعار فيه تلك الصورة المُذهلة لتبسيط مفهوم الإمامة والقيادة.
الإمام قائد القلوب والأرواح، وصانع النفوس ومهذبها، والسالك بالناس طريق الحق، والماضي بهم على صراط الله المستقيم، الآمر لهم بالمعروف، والناهي عن المنكر، وليس مجرَّد قائد سياسي، أو إداري، بل قائد رباني، يقود الناس إلى كمالهم، يقودهم إلى الله تعالى، يقودهم بالقول، وبالفعل، وبالنموذج، أي يقودهم بالقدوة، ولذلك يجب أن يتقدمهم في الالتزام الأخلاقي والشرعي، فيسبقهم إلى كل خير، ويسبقهم إلى اجتناب كل ما خالف أمر الله تعالى.
وبكلمة أخرى: لا يمكن للشخص أن يكون إمامًا يهذِّب النفوس إذا لم يهذِّب نفسه، وينمِّي فضائلها، كما لا يمكن للجاهل أن يعلم جاهلًا، ولا لمن لم يُزَكِّ نفسه أن يزكي غيره.
اللجام هو الآلة التي توضع في فَم الدابة لقيادتها والتحكم في سيرها، وأكثر ما يلاحَظ في الفرس الذي يقوده الفارس بتلك الآلة، لتكون في يده كالمقود في السيارة، إذ تراه بلمسة بسيطة يميل بالفرس يمينًا أو يسارًا، ويدفعه إلى الحركة ويوقفه عنها، فاللجام يمثل المقود الذي يحدد وجهة السير، الكابح الذي يكبح حركة الفرس فيوقفه حيث يجب وفي اللحظة التي يجد ضرورة لذلك.
وعليه: فعندما يتّخذ الإنسان الحق لِجامًا، فهو يُخضِع كل رغباته وأهواءه ومصالحه الشخصية للحق، ويجعل الحق رائده وقائده، هو الذي يوجِّهه، فيتقدم حيث يكون الحق، ويمتنع حيث يكون الباطل، وإنه ليجاهد نفسه على ذلك حتى يصير اتباعه للحق مَلَكَة، وإنما يجاهدها على ذلك إذْ "الحَقُّ كُلُّهُ ثَقِيلٌ، وَقَدْ يُخَفِّفُهُ اللَّهُ عَلَى أَقْوَامٍ طَلَبُوا الْعَاقِبَةَ، فَصَبَّرُوا نُفُوسَهُمْ، وَوَثِقُوا بِصِدْقِ مَوْعُودِ اللَّهِ لِمَنْ صَبَرَ وَاحْتَسَبَ" كما قال الإمام أمير المؤمنين (ع).
ومِمّا لا جدال فيه أن الشخص الذي يجعل الحق رائده وقائده، ويصون نفسه من الظلم، ويجتنب الباطل، ويعامل الناس بالحق، ويحملهم عليه، ويقيمه فيهم، فلا شك أن تتوجَّه إليه أنظارهم، وتعشقه قلوبهم، ويمحضونه الثقة، ويصير قدوتهم التي يقتدون بها، ما يجعله إمامًا على قلوبهم، لأنهم مفطورون على حب الحق، وينجذبون إلى من ينادي ويلتزم به.