ایکنا

IQNA

جواهر عَلَويَّة...

مَنْ كَثُرَ فِي المَعاصِي فِكْرُهُ دَعَتْهُ إِلَيْهَا

21:51 - February 27, 2026
رمز الخبر: 3503709

بقلم الباحث اللبناني في الشؤون الدينية السيد بلال وهبي

ورُوِيَ عن الإمام علِيَّ (ع) أنه قال: "مَنْ كَثُرَ فِي المَعاصِي فِكْرُهُ دَعَتْهُ إِلَيْهَا".

لا تحدُثُ المعصية فجأة من دون مقدمات، بل تبدأ من فكرة تجول في الذهن وتراوده، من نفس أمَّارة بالسوء تُحدِث مَيلًا إليها، وشيطان يُزَيِّنها للإنسان ويُغريه بها، ثمَّ تتحقق معصية فعلية في الخارج، وقد كشف القرآن الكريم عن هذه الأسباب في الكثير من آياته الكريمة، قال الله تعالى: إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴿يوسف:53﴾.

وقال سبحانه: وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ ﴿النمل: 24﴾.

وقال سبحانه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ﴿النور:21﴾.

 
يقول المتخصِّصون في علم النفس السلوكي والمعرفي: إن هناك مبدأً راسخًا مفاده: إن الأفكار المتكرِّرة تميل إلى التحول إلى دوافع، والدوافع تميل إلى أفعال. 

ويضيفون: إن التفكير المتكرِّر في سلوك معيّن، يخفِّف من مقاومة النفس له، ويزيد من تقبّله بوصفه خيارًا ممكنًا، ويحوّله من فكرة طارئة إلى سيناريو ذهني جاهز للتنفيذ، وهذا ينسجم تمامًا مع تعبير الإمام (ع): "مَنْ كَثُرَ فِي المَعاصِي فِكْرُهُ دَعَتْهُ إِلَيْهَا" فالمعصية تنطلق من إغراء تمارسه النفس الأمارة بالسوء، وتفرضه على الشخص ضعيف الإرادة، فيستجيب لها، مِمّا يؤدي إلى وقوعه في المعصية.
 
أضف إلى ما سبق: أن التفكير في المعصية، يستدعي صورتها في الذهن، مِمّا يوقظ اللذة والشهوة، وهذه الصورة الذهنية تغدو كأنها قوة تتحكَّم في الانسان، وتضغط عليه، وتجرُّه إلى حيث تريد والإنسان مستسلم لها.
 
وكما سبق وذكرتُ أن الانحرافات الكبرى في حياة الإنسان، وإدمانه على فعل الكثير من الموبقات والفواحش، يبدأ من استحضارها في الذهن والتفكير فيها، فقد يرى صورة، أو ينظر إلى مشهد من المشاهد، أو يُحدِّثُه شخص عن أمر مّا فيه لذة، أو يوهمه بفائدته، فتعلق هذه الصور في ذهنه، وتظل تروح وتجيء، بل تظل تراوده حتى تصبح طبيعة فيه، الأمر الذي يحمله بلا شك على الوقوع في المعاصي. 
 
والمعاصي جمع معصية، وهي مخالفة العبد أمر ونهي مولاه، وهو الله تعالى، وكل ما فيه مخالفة للنظام الأخلاقي الذي يضمن توازن الحياة الإنسانية للفرد والجماعة، ولذلك لا تقتصر المعصية على ارتكاب المحرمات التي حرَّمتها الشريعة، أو ترك الواجبات التي أوجبتها، بل يمكننا أن نعمِّم مفهومها ليشمل حتى المخالفات الأخلاقية التي لا تنسجم مع القيم الإنسانية الحقَّة.
 
ومِمّا لا شَكَّ فيه أن الإمام (ع) في قوله: "مَنْ كَثُرَ فِي المَعاصِي فِكْرُهُ دَعَتْهُ إِلَيْهَا" يريد أن ينبهنا إلى خطورة التفكير في المعصية من جهة، ويقدَّم لنا منهج التعامل معها من جهة أخرى، وذلك من خلال السيطرة على الذهن، ومنعه من التفكير في المعصية، كإجراء وقائي يقي من الوقوع في براثن الذنوب والمعاصي.
 
وللهروب من التفكير في المعصية يمكننا أن نضيف في هذا المجال ضرورة المسارعة إلى الانتقال للتفكير في أمر آخر نقيض الأمر الأول، وهذا أسلوب تؤكد التجربة جدواه، كما تؤكِّد التجربة أن ابتعاد الإنسان عن كل ما يثير غرائزه وشهواته من مشاهد، وكلام، وأصدقاء، وبيئة خصبة للمعصية، وإدامة الإنسان مراقبة نفسه، وعدم الغفلة عن خواطرها، جميع ذلك يحمي الإنسان من الوقوع في المعصية. وهذا ما يدعو إليه القرآن الكريم بقوله: إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ ﴿الأعراف: 201﴾. 
captcha