
بقلم الباحث اللبناني في الشؤون الدينية السيد بلال وهبيورُوِيَ عن
الإمام علِيَّ (ع) أنه قال: "مَنْ شَكَرَكَ مِنْ غَيْرِ صَنِيْعَةٍ، فَلا تَأَمَنْ ذَمَّهُ مِنْ غَيْرِ قَطِيْعَةٍ".
ما من شخص ينزعج من ثناء الآخرين عليه، فجمعينا نُسَرُّ بذلك، لا سيما إذا كان الثناء على فعل أو موقف كان مِنّا، لأنه يكشف عن كماله. وجمعينا يحب أن تحظى أعماله ومواقفه بقبول الآخرين، كذلك الحال في الشكر، فإننا إن أسدينا خدمة لشخص قد نلومه إن لم يقابلها بالشكر، وإن لم نكن نريد ذلك منه، لكن باعتبار أن العقل يوجب عليه الشكر، كما ثبت في محله.
أما إذا أغدق علينا أحد بالمدح والشكر دون أن نكون قدَّمنا له معروفًا، أو أسدينا له خدمة، أو فعلنا ما نستحق به المدح والثناء، فمن الطبيعي أن نتساءل في أنفسنا عن عِلَّة هذا المدح، ومن الطبيعي أن نسأل أنفسنا ماذا يريد من هذا التبرّع الشكر من غير سبب، فبدل أن يسرنا ذلك، يُقلقُنا، إذ نرى فيه تملُّقًا وتزلُّفًا، ورغبة في كَسْبِ وُدّنا لغرٍض مّا، ولا تفسير آخر لهذا النحو من التعامل الطارئ، إلا سبب لدى الشخص نفسه.
وهذا في الحقيقة ما يفعله صنف من الناس النفعيين المصلحيين، الذين تدفعهم مصالحهم إلى بناء العلاقات أو قطعها، تراهم يُقبِلون عليك فجأة، ويلتَّفون حولك دون سبب واضح، ويثنون عليك بأحسن الكلام، حتى إذا نالوا منك ما يريدون أداروا لك ظهورهم، وولَّوا بعيدًا كأنهم لم يعرفوك.
لذلك يحذِّر الإمام (ع) منهم فيقول: "مَنْ شَكَرَكَ مِنْ غَيْرِ صَنِيْعَةٍ، فَلا تَأَمَنْ ذَمَّهُ مِنْ غَيْرِ قَطِيْعَةٍ" فمن يشكرك من غير سبب قد يذمك من غير سبب، ومن يخترع لك أوصافًا وألقابًا حميدة، ويثني عليك من دون إحسان منك، سيخترع لك أوصافًا ذَميمة، ويذمّك من دون إساءة منك.
هذا الصنف لا يُمَنُ جانبه، فمن يمدح بلا موجب، قد يذمّ بلا موجب أيضاً، لأن كِلا السلوكين لا يصدران عن ميزانٍ قيميٍّ ثابت، بل عن أهواء ومصالح وتقلُّبات نفسية.
والذي يدفع هذا الصنف إلى هذا اللون من التعامل مع الآخرين، هو التفكير النفعي المصلحي الذي يسيطر عليهم، ومن يكن كذلك تنعدم لديه المعايير الأخلاقية الواضحة التي يُحتَكَم إليها في تقييم الأشخاص من جهة، وفي تحديد كيفية التعامل معهم من جهة أخرى، المعيار الوحيد عنده هو الهوى والمصلحة، فهو يُقبل عليك ما دامت مصلحته تقتضي ذلك، ويولِّي عنك حين تنتفي المصلحة، ولا يكتفي بذلك، بل حين يُقبِل يغدق عليك بالمدح والثناء، وحين يولِّي عنك يرميك بكل الرذائل والنعوت الباطلة.
الشخص ذو العقلية النفعية يتخذ من الشكر والثناء وسيلة للتقرب منك رجاء الحصول على ما يريد، فهو في الحقيقة لا يشكرك، بل يتخذ من الشكر طريقًا إلى تحقيق مأربه، والفرق كبير بين الحالَين، ففي الحال الأول يؤدي واجبًا عقليًا وهو حكم العقل بوجوب شُكر المُنعِم، أما في الحال الثاني، فهو يكذب عليك، بل لعله يمكر بك، إذ يوهمك بالشكر وهو يريد أمرًا آخر، فإذا لم يتحقق له ما يريد، انقلب مدحه إلى ذم.
وقد لا يكون الشخص ذا عقلية نفعية مصلحية لكن شكره لك من غير صنيعة، ينبع من نقص نفسي، فيبالغ في الشكر، أو يريد أن يرضي ذاته عبر إرضائك، فإذا خاب توقّعه، لجأ إلى الذم بوصفه تعويضاً نفسياً، كما يقول الباحثون في علم النفس.