ایکنا

IQNA

حين يتكلّم القرآن… تسكن القلوب وتستريح الأرواح

9:42 - April 12, 2026
رمز الخبر: 3504272

بقلم الأستاذ في الحوزة العلمية بالنجف الأشرف آية الله السيد فاضل الموسوي الجابري

بسم الله الرحمن الرحيم

"الحمد لله ربّ العالمين، حمداً يليق بجلاله وكماله، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وآله الطاهرين، مصابيح الدجى وسفن النجاة.

إنّ الإنسان – بما جُبل عليه من رِقّةٍ في الشعور، وتقلّبٍ في الأحوال – ليس كائناً صُلباً لا تؤثّر فيه الحوادث، بل هو سريع التأثّر، شديد الانفعال، تضطرب نفسه عند الشدائد، وتضيق روحه عند توالي المصائب، حتى كأنّ قلبه سفينةٌ في لُجّةٍ متلاطمة الأمواج، لا يدري إلى أيّ شاطئٍ تميل به الرياح.

فإذا أشرق عليه نور الإيمان بالله تعالى، استقامت له جهة النظر، وانتظم له عقد المعنى، إذ يرى أنّ ما يجري في هذا الوجود ليس سُدىً، ولا عبثاً، بل هو جارٍ على وفق حكمةٍ إلهية، وتدبيرٍ ربّانيٍّ محكم. غير أنّ هذا الإيمان – وإن كان أصلاً راسخاً – فإنّه في مقام الممارسة عرضةٌ للضعف، بما يعتري النفس من وهنٍ عند ضغط الواقع، وتتابع الخطوب.

ومن هنا، لم يَكِلِ الله سبحانه عباده إلى مجرّد هذا الأصل الإجمالي، بل تلطّف بهم، فجعل كتابه العزيز خطاباً متجدّداً، يوافي القلوب في أوقاتها المختلفة، ويُخاطبها على قدر ما يعتريها من اضطرابٍ أو سكون، فيشدّ ما وهن منها، ويجبر ما انكسر، ويُعيد بناءها كلّما أوشكت على التصدّع والانهيار.

فليس القرآن – كما يتوهّمه بعض من قصر نظره – كتاب معارف مجرّدة، أو جُملاً تُتلى دون أن تتجاوز الأسماع، بل هو حياةٌ نابضة، وروحٌ سارية، يُعيد تشكيل إدراك الإنسان، ويصحّح ميزانه في النظر إلى الأشياء، حتى يرى ما كان يراه اضطراباً على أنّه نظام، وما كان يحسبه نهايةً على أنّه بداية.

الذكر… سكينة القلوب ومهوى الأرواح: 

ومن أعظم ما أسّسه القرآن الكريم في هذا الباب، تلك القاعدة المحكمة التي لا تتخلّف، إذ قال تعالى: {أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ}.

فكأنّه سبحانه يُنبّه على سرٍّ دفين، وهو أنّ القلب – بما هو محلّ الشعور ومعدن الإدراك الباطني – لا يجد قراره، ولا يستقرّ على حالٍ من السكون، إلا إذا اتصل بالله، وانشدّ إليه، واستحضر حضوره في جميع أحواله.

فليست الطمأنينة – كما يظنّ أهل الغفلة – ثمرةَ أمنٍ خارجيٍّ محض، أو نتيجةَ استقرارٍ ماديٍّ صرف، بل قد يكون المرء في سَعةٍ من العيش، وهو في غاية القلق، وقد يكون في قلب الأخطار، وهو ساكن النفس، مطمئنّ الجنان.

وما ذاك إلا لأنّ الميزان في ذلك ليس بما يحيط بالإنسان من خارج، بل بما يعمر باطنه من ذكر الله، فإن حضر الذكر حضر السكون، وإن غاب اضطربت النفس، ولو اجتمعت لها أسباب الراحة كلّها.

القرآن… وإعادة تأويل ما يجري في الوجود:

وإنّ من أعظم ما يورثه القرآن في النفس، أنّه ينتشل الإنسان من ضيق التفسير المادّي للأحداث، إلى سعة الفهم الربّانيّ لها.

فإنّ الإنسان إذا نظر إلى الوقائع بعين الحسّ وحده، رأى المصيبة شرّاً صرفاً، والخسارة نهايةً لا بعدها، فيضيق صدره، وتشتدّ وطأته.

غير أنّ القرآن يفتح له باباً آخر، إذ يقول تعالى: {وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ}.

فكأنّه يُعلّمه أدب الجهل، ويُذكّره بقصور إدراكه، وأنّ ما يراه بعينه القاصرة ليس هو تمام الحقيقة، بل لعلّ وراءه من وجوه الخير ما لا يحيط به علماً.

وهنا، لا يُرفع الألم عن الإنسان، ولكن يُرفع عنه ذلك الشعور بالعبث، فيتحوّل من جزعٍ أعمى إلى صبرٍ بصير.

التوكّل… عماد النفس وسندها الذي لا يزول: 

ثم إنّ القرآن، بعد أن يُقيم للإنسان هذا الميزان في الفهم، يُرشده إلى ما يثبت به في مقام العمل، وهو التوكّل عليه سبحانه، كما قال: {وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ}.

وهذه الكلمة – على وجازتها – بحرٌ لا يُدرك غوره، إذ تفيد أنّ من جعل اعتماده على الله، كفاه ما أهمّه، وسكن قلبه، ولم يبقَ أسيرَ تقلبات الأسباب.

وقد جسّد القرآن هذا المعنى في مواقف الشدّة، حين قال عن أهل الإيمان: {فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ}.

فلم يكن التهديد سبباً في وهنهم، بل صار سبباً في زيادة يقينهم، وثبات أقدامهم.

الخوف… حين يتحوّل من قيدٍ إلى يقظة:

وأمّا الخوف، وهو من أشدّ ما يعتري الإنسان في مواطن البلاء، فإنّ القرآن لم يسعَ إلى اقتلاعه من النفس – إذ هو من طبائعها – بل عمل على تهذيبه وتوجيهه.

فقال تعالى: {فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ}.

فإذا تحوّل خوف الإنسان إلى الله، انكسرت في عينه سائر المخاوف، وصغرت عنده كلّ قوةٍ دون قوته سبحانه، فصار الخوف باعثاً على اليقظة، لا سبباً للشلل.

عند الصدمة… كلمة تعيد للنفس توازنها:

وإذا نزلت المصيبة، وهاجت النفس، وكادت أن تخرج عن حدّ الاعتدال، جاء القرآن بكلمةٍ جامعة، تختصر الموقف كلّه، وهي قوله تعالى: {إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ}.

ففي هذه الكلمات القليلة معانٍ جليلة:

إذ فيها إقرار بالعبودية المطلقة: إنّا لله, وفيها تذكير بالمآل: وإنا إليه راجعون .

فلا يبقى للإنسان بعد ذلك مجالٌ للتيه في ظلمات الحادثة، بل يعود إلى أصل وجوده، ومصيره، فيسكن قلبه، ويهدأ اضطرابه.

الأمل… النور الذي لا ينطفئ :

ثم لا يترك القرآن الإنسان في دائرة الشدّة، بل يفتح له باب الرجاء، إذ يقول: {إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا}.

لا يعده بزوال العسر فحسب، بل يُخبره أنّ اليسر مقارنٌ له، مصاحبٌ له، وإن لم تقع عليه العين بعد.

وهذا المعنى يُنشئ في النفس أملاً لا ينقطع، ويقيناً بأنّ الطريق – وإن طال – لا يخلو من الفرج.

القرآن… من حروفٍ تُتلى إلى روحٍ تُعاش: 

غير أنّ هذه الآثار كلّها لا تحصل بمجرد تحريك اللسان، بل لا بدّ من تدبّرٍ يفتح المعنى، واستحضارٍ يُحيي القلب، وربطٍ بين الآيات والواقع.

فإذا بلغ الإنسان هذه المرتبة، صار القرآن حيّاً في داخله، لا يسمعه بأذنه فحسب، بل يعيشه في وجدانه، ويجري على لسان حاله قبل مقاله.

خاتمة القول:

فتحصّل من جميع ما تقدّم، أنّ القرآن الكريم ليس كتاب هدايةٍ نظرية، بل هو دواءٌ إلهيٌّ حيّ، يعالج القلوب إذا اضطربت، ويثبّتها إذا تزلزلت، ويُعيد إليها سكينتها في أحلك الظروف.

فإذا تكلّم القرآن… لم تتبدّل الوقائع من حول الإنسان، ولكنّه هو الذي يتبدّل، فتتبدّل عنده وجوه تلك الوقائع وآثارها.

نسأل الله سبحانه أن يجعل القرآن ربيع قلوبنا، ونور صدورنا، وجلاء همومنا، وأن يرزقنا فهمه والعمل به، إنّه وليّ التوفيق.

والحمد لله ربّ العالمين.

captcha