
بقلم الأستاذ في الحوزة العلمية آية الله السيد فاضل الموسوي الجابري:
"بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله الطاهرين.
أولاً: (بناء الإيمان العملي في زمن الأزمات):
بعد أن تبيّن أنّ الإيمان بالله تعالى، والتغذية القرآنية، والاستمداد من كلمات النبي وأهل البيت (عليهم السلام جميعاً)، تشكّل منظومةً متكاملة لبناء النفس، يبقى السؤال الأهمّ:
كيف يمكن تحويل هذه المعاني إلى سلوكٍ يوميٍّ مستمرّ، لا ينهار أمام ضغط الواقع، ولا يتلاشى مع تقلبات الحياة؟
إنّ الجواب لا يكمن في الأعمال الاستثنائية، ولا في الانفعالات المؤقتة، بل في بناء نظام حياة إيماني، يتسلّل إلى تفاصيل اليوم، حتى يصبح الإيمان طبيعةً ثانية للإنسان.
ثانياً: (الإيمان العملي من الاندفاع إلى الاستمرار):
كثيراً ما يعيش الإنسان حالاتٍ من التأثّر الإيماني، خصوصاً عند سماع موعظة، أو في لحظات الخطر، غير أنّ هذه الحالات سرعان ما تخبو؛ لأنّها لم تتحوّل إلى بنيةٍ ثابتة.
ومن هنا، فإنّ
القرآن الكريم لا يركّز على اللحظات العابرة، بل على الاستمرار، كما في قوله تعالى: {الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا}.
فالمعيار ليس مجرّد القول، بل الاستقامة، أي الثبات العملي على مقتضى الإيمان.
ثالثاً: (البداية من الداخل):
إنّ أوّل خطوة في بناء الإيمان العملي، أن يجعل الإنسان لنفسه بداية يومٍ إيمانية، يثبت بها قلبه قبل أن يواجه تقلبات الحياة.
وقد أشار القرآن إلى هذا المعنى في قوله تعالى: {وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا}.
فليس المقصود مجرّد الذكر اللفظي، بل إعادة توجيه القلب في أول النهار وذلك من خلال:
1- استحضار أنّ الأمر كله بيد الله.
2- تجديد نية التوكل.
3- ربط اليوم بالله قبل ربطه بالأسباب.
وهذا التثبيت المبكر ينعكس على بقية اليوم، فيجعل النفس أكثر توازناً.
رابعاً: (كيف نواجه الحدث ؟):
حين تقع الحوادث، لا يُطلب من الإنسان أن لا يتأثر، فإنّ هذا خلاف طبيعته، بل المطلوب أن يدير انفعاله، لا أن يُلغيه.
وقد أرشد القرآن إلى هذه الحالة بقوله: {الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ}.
فهذه الكلمة ليست ذكر لسانيا خاليا من العمق والتأصيل الروحي ، بل هي تمثل عناصر اساسية لتثبيت القلب والصمود اما الحدث:
1- إيقاف لحظة الانفعال.
2- إعادة توجيه الوعي.
3- منع النفس من الانزلاق إلى الجزع.
ومن هنا، فإنّ الإنسان إذا تعلّم أن يتوقّف لحظةً قبل ردّ الفعل، فقد قطع نصف الطريق في السيطرة على نفسه.
خامساً: (التوكّل في العمل من خلال الجمع بين السبب والمسبب):
إنّ من أبرز مظاهر الإيمان العملي، أن يجمع الإنسان بين:
الأخذ بالأسباب , وعدم التعلّق بها.
وقد عبّر القرآن عن هذا التوازن في موارد متعددة، منها قوله تعالى: {فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ}.
فالعزم هنا يشير إلى العمل والتخطيط، والتوكل يشير إلى عدم الارتهان للنتائج.
وهذا التوازن هو الذي يحفظ الإنسان من: الكسل (إذا ترك الأسباب) , والقلق (إذا تعلّق بها) .
سادساً: (محاسبة النفس و تصحيح المسار اليومي):
لا يمكن للإنسان أن يثبت على طريقٍ ما لم يراجع نفسه، ولذلك دعا القرآن إلى هذا اللون من الوعي، كما في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ}.
فالنظر هنا ليس نظر العين، بل نظر البصيرة:
ماذا فعلت اليوم؟
أين أخطأت؟
أين أحسنت؟
وهذه المحاسبة لا تهدف إلى جلد الذات، بل إلى إصلاحها تدريجياً.
سابعاً: (القرآن في الحياة اليومية: من التلاوة إلى الحضور):
إنّ حضور القرآن في حياة الإنسان لا ينبغي أن يكون موسمياً، بل يومياً، كما في قوله تعالى: {إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ}.
غير أنّ الهداية لا تتحقق إلا إذا تحوّل القرآن إلى امور ثلاثة اساسية:
1- مرجعٍ في التفكير.
2- ومصدرٍ في التفسير.
3- وخطابٍ داخليٍّ دائم.
فحين يواجه الإنسان موقفاً، يستحضر آيةً تناسبه، فيعيد قراءة الحدث على ضوئها. أي ان تعيش القرآن في كل وجودك , سواء على مستوى التفكير أو التحليل أو التفسير أو السلوك أو الفعل أو الانفعال.
ثامناً: (تثبيت الإيمان عبر المجتمع):
إنّ الإنسان – بطبعه – يتأثر بمن حوله، ولذلك شدّد القرآن على البعد الجماعي في بناء الإيمان، كما في قوله تعالى:{وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ}.
فالتواصي يعني: التذكير المتبادل , والدعم النفسي, ومشاركة المعاناة من خلال المواساة .
ومن هنا، فإنّ المجتمع المؤمن يشكّل بيئةً حاضنة، تمنع الفرد من الانهيار، وتعينه على الثبات.
تاسعاً: ( التحول الايماني من التكلف الى الملكة ):
مع مرور الوقت، وتكرار هذه الممارسات: الذكر, والتوكل , والمحاسبة , واستحضار القرآن.
فسوف يتحوّل الإيمان من:
فعلٍ مقصود إلى حالةٍ تلقائية.
ومن جهدٍ واعٍ إلى طبيعةٍ راسخة.
وهنا يبلغ الإنسان مرحلةً عالية، حيث لا يحتاج إلى جهدٍ كبير ليضبط نفسه، لأنّها أصبحت مبنيةً على الإيمان الحقيقي.
واخيراً أقول:
إنّ الإيمان الحقيقي ليس ما يُقال في أوقات الراحة، بل ما يُمارس في أوقات الشدّة.
فالإيمان الذي لا يتحوّل إلى برنامج حياة، يبقى فكرةً جميلة… لكنّه لا يحمي صاحبه.
أمّا الإيمان الذي يُعاش في بداية اليوم , وعند الصدمة , وفي العمل , وفي المحاسبة .
فهو الذي يصنع الإنسان الثابت، الذي لا تزلزله العواصف، ولا تكسره الأحداث.
نسأل الله تعالى أن يوفّقنا لتحويل إيماننا إلى عمل، وأن يجعلنا من الذين استقاموا بعد أن قالوا ربّنا الله.
والحمد لله ربّ العالمين.