
بقلم الأستاذ في الحوزة العلمية في النجف سماحة آية الله السيد فاضل الموسوي الجابري
"بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله الطاهرين.
نختم ـ على بركة الله ـ هذه السلسلة التي ركزنا فيها على مدخلية الايمان في تخطي الألآم والمصائب في زمن الحرب أو الكوارث المختلفة، بهذا المقال الذي يمثّل ذروة البناء الإيماني ، حيث ننتقل من الثبات إلى التحوّل، ومن الصبر إلى الرسالة.
من الألم إلى الرسالة… التحوّل الأكبر في شخصية الإنسان المؤمن
فنقول: ليس المقصود من الإيمان ـ في منطق القرآن ـ أن يحفظ الإنسان من الألم، ولا أن يعزله عن الابتلاء، بل إنّ سنّة الحياة قائمة على الامتحان، كما تقدّم.
غير أنّ السرّ كلّه يكمن في هذه النقطة الدقيقة:
هل يبقى الإنسان أسير الألم… أم يتحوّل به إلى معنى؟
وهنا يتجلّى الفرق بين نوعين من البشر:
إنسانٍ تكسِره الأحداث, وإنسانٍ تصنعه الأحداث.
وهذا التحوّل لا يحدث تلقائياً، بل هو ثمرة بناءٍ إيمانيٍّ عميق، يجعل من المحنة ميداناً للارتقاء، لا سبباً للانهيار.
أولاً: القرآن ومنهج تحويل المحنة إلى طاقة:
يقدّم القرآن الكريم نموذجاً فريداً في التعامل مع الشدائد، حيث لا يكتفي بالدعوة إلى الصبر، بل يربط ذلك بهدفٍ أعلى، كما في قوله تعالى: {إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ}.
فالآية لا تنكر الألم، بل تعترف به، ولكنّها تنقله من كونه تجربةً فردية إلى كونه جزءاً من حركة التاريخ.
ثم يكشف القرآن عن الغاية الأعمق من هذه التداولية، في قوله تعالى: {وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ}.
إنّ الشهادة هنا ليست مجرّد موت، بل هي مقامٌ يُصنع في قلب الابتلاء، حيث يتحوّل الإنسان من متلقٍ للأحداث إلى شاهدٍ عليها، بل إلى صانعٍ لمعناها.
ثانياً: الإنسان المؤمن من ردّ الفعل إلى الفعل:
الإنسان غير المؤمن يعيش في دائرة ردود الأفعال:
إذا أصابته المصيبة انهار, إذا اشتدّ الخوف تراجع, إذا خسر يئس.
أمّا الإنسان المؤمن، فإنّه – بفضل البناء الذي تقدّم – ينتقل إلى مستوى آخر، حيث يصبح: فاعلاً لا منفعلاً, موجّهاً لا تابعاً, صانعاً للمعنى لا ضحيةً له.
وهذا ما يشير إليه القرآن في قوله تعالى: {وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ}.
فالإيمان هنا ليس مجرد عقيدة، بل هو مصدر علوٍّ نفسيّ ومعنويّ.
ثالثاً: إعادة تعريف الخسارة من الفقد إلى العطاء:
من أخطر ما يواجه الإنسان في زمن الحرب، فقد الأحبة، وضياع الممتلكات، وانكسار الآمال.
غير أنّ القرآن يعيد تعريف هذه الخسارة، فيقول: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ}.
إنّ هذه الآية تنقل الإنسان من رؤيةٍ حسّية ضيّقة، إلى رؤيةٍ غيبية واسعة: الموت ليس نهاية, والفقد ليس عدماً, بل هو انتقال إلى حياةٍ أعلى.
ومن هنا، تتحوّل الخسارة – في وعي المؤمن – إلى عطاءٍ معنويّ، وإلى رصيدٍ عند الله.
رابعاً: من الألم الشخصي إلى الرسالة العامة:
حين يبلغ الإنسان هذا المستوى من الفهم، لا يبقى الألم محصوراً في ذاته، بل يتحوّل إلى دافعٍ للعمل.
وهذا ما نجده في سيرة الأنبياء والأولياء، حيث لم تكن المحن سبباً في انكفائهم، بل كانت منطلقاً لحركتهم.
وقد أشار القرآن إلى هذا المعنى في قوله تعالى: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ... فَزَادَهُمْ إِيمَانًا}.
فبدل أن يكون التهديد سبباً للتراجع، أصبح سبباً للثبات والازدياد.
وهنا يتجلّى التحوّل الحقيقي:
الألم لا يُلغى… لكنّه يُعاد توجيهه ليصبح طاقةً في سبيل الله.
خامساً: الإيمان وصناعة الإنسان الرسالي:
إنّ الإنسان الذي يمرّ بهذه المراحل:
1- فهم الابتلاء.
2- تثبيت القلب بالإيمان.
3- التغذية بالقرآن.
4- الاستمداد من الروايات.
5- تحويل الإيمان إلى برنامج حياة.
يصل إلى مرتبةٍ عالية، حيث يصبح إنساناً رسالياً.
وهذا الإنسان: لا يعيش لنفسه فقط , ولا يفسّر الأحداث بمنظارٍ ضيّق , بل يرى نفسه جزءاً من مشروعٍ إلهيٍّ أكبر.
وهذا ما يعبّر عنه القرآن في قوله تعالى: {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}.
سادساً: التحوّل الأكبر: الثبات في قلب العاصفة:
وعند هذه النقطة، يبلغ الإنسان ذروة البناء:
لم يعد يبحث فقط عن النجاة، بل أصبح قادراً على الثبات، والعمل، والتأثير… وهو في قلب العاصفة.
فلا الحرب تسلبه إنسانيته، ولا الخسارة تجرّده من معناه، ولا الألم يطفئ نور قلبه.
بل يتحوّل إلى إنسانٍ: ثابتٍ بالله , مطمئنٍّ بقضائه , عاملٍ في سبيله .
وهكذا، يتبيّن لنا أنّ الإيمان – إذا أُحسن بناؤه – يمرّ بمراحل:
1- يفسّر الواقع.
2- ثم يثبّت النفس.
3- ثم يعالج الاضطراب.
4- ثم يتحوّل إلى برنامج حياة.
5- ثم يبلغ ذروته في تحويل الإنسان إلى صاحب رسالة.
فالإيمان ليس نهاية الطريق…بل هو بداية التحوّل.
نسأل الله تعالى أن يجعلنا من أهل هذا التحوّل، وأن يكتب لنا الثبات في مواطن البلاء، وأن يجعلنا من الذين يحملون رسالته في كلّ حال.
والحمد لله ربّ العالمين".