ایکنا

IQNA

مدير الحوزات العلمية في إیران یوجّه رسالة إلى علماء العالم الإسلامي؛

يجب منع تحويل الأراضي الإسلامية إلى ساحة لحروب متتالية

11:45 - April 23, 2026
رمز الخبر: 3504429
قم المقدسة ـ إکنا: قال مدير الحوزات العلمية في إیران "آية الله الشيخ علي رضا أعرافي" في الرسالة التي وجهها الى علماء ومصلحي العالم الاسلامي: "إن ما يحدث اليوم ليس مجرد صراع عسكري، بل هو حدثٌ قد يؤثر على مستقبل العالم الإسلامي، بل وعلى الأسس الأخلاقية للعلاقات بين الأمم".

وكتب آية الله الشيخ علي رضا أعرافي، مدير الحوزات العلمية في الجمهورية الإسلامية الإيرانية، في رسالة إلى علماء العالم الإسلامي: "هذه الرسالة موجهة إليكم بالدرجة الأولى، أيها العلماء والمصلحون في الأمة الإسلامية، لكي نتمكن، من خلال الدفاع عن المبادئ الإسلامية المشتركة - حرمة النفس البشرية، ونبذ العدوان، والالتزام بالعهود، وأصالة الحوار - من منع تحويل الأراضي الإسلامية إلى ساحات لحروب متتالية.

فيما يلي نصّ الرسالة:

"بسم الله الرحمن الرحيم

أصحاب السعادة العلماء والمصلحون الأجلاء في العالم الإسلامي

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

قال الله تعالی: إِنَّمَا یَخْشَی اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ

إن تاريخ الإسلام شاهدٌ على أنه في أحلك وأصعب وأخطر فترات حياة الأمة الإسلامية،  لم تتمكن أي قوة بقدر العلماء الحقيقيين للدين من توجيه مسار المجتمع المسلم من الحيرة والاضطراب نحو التطور والنمو والازدهار. الذين قاموا بشجاعةٍ وتأملٍ عميقٍ في القرآن الكريم، ومعرفةٍ بالإنسان وزمانه، وروحٍ مليئةٍ بالمسؤولية أمام الله والإنسانية، بإرشاد السبيل كرايةٍ مرفوعةٍ في كل أرضٍ وفي كل ظرفٍ وجدوا أنفسهم فيه؛ أناروا الدرب كالمصباح الساطع؛ وأحيانًا، كقارب نجاة، أرشدوا التائهين في أمواج المجتمع العاتية إلى بر الأمان.

يشهد العالم الإسلامي اليوم إحدى أكثر الفترات تعقيدًا واضطرابًا في تاريخه المعاصر. فمن جهة، أُتيحت للأمة الإسلامية فرصٌ فريدةٌ لاستعادة كرامتها واستقلالها وازدهارها الحضاري، ومن جهة أخرى، تتربص بها تهديداتٌ وأزماتٌ عميقة. وفي ظل هذه الظروف الحساسة، يبدو أنه لا يوجد عاملٌ يُنير درب المستقبل ويقود الأمة عبر منعطفات هذا العصر الصعبة بقدر ما يُنيره وعي علماء الأمة الإسلامية وبصيرتهم وشجاعتهم.

لطالما كان مصير البشرية، وأمن المجتمعات واستقرارها، وتوفير بيئة حرة وآمنة لنمو المعرفة والثقافة والدين، محور اهتمام علماء الدين الحقيقيين. ففي منطق القرآن الكريم، وفي سيرة الرسول الأعظم(ص) وأولياء الهداية، يقوم جوهر الإسلام على مبدأ السلام والأمن وحماية كرامة الإنسان؛ سلام لا ينبع من ضعف، بل من حكمة وعدل ومسؤولية تجاه مصير البشرية جمعاء.

يُظهر التاريخ الإسلامي أيضًا أنه كلما ساد التضامن والتفاعل البنّاء بين علماء الدين، تهيأت الظروف لنمو العالم الإسلامي وتطوره، ولإقامة علاقات سليمة بين الأمم. في المقابل، كلما انقسمت صفوف العلماء، وخيمت النزعات الدينية أو الطائفية الضيقة على الرؤية الشاملة للأمة الإسلامية، تهيأت الظروف لانتشار الفتن والصراعات؛ إذ أحيانًا، بدلًا من أن ينظر العلماء إلى بعضهم من منظور الأمة الواحدة، حللوا بعضهم من خلال عدسة تقسيمات فرعية، فساهموا دون قصد في تعميق الانقسامات.

يشهد تاريخ الإسلام على الدور الفريد الذي اضطلع به علماء جميع المذاهب الإسلامية في صون وحدة الأمة. ولا يقتصر هذا الدور على مذهب بعينه أو منطقة جغرافية محددة، بل هو متجذر في حقيقة مشتركة: النزعة نحو التقارب والتضامن في ضوء الإيمان بالله الواحد ونبيه الخاتم.

السعي لتسييس علاقات العلماء

في الوقت نفسه، وعلى مر التاريخ، كانت هناك محاولات عديدة لتسييس علاقات العلماء وزجّهم في صراعات السلطة. ورغم أن هذه الجهود قد زادت من تعقيد أوضاع الأمة الإسلامية في بعض الأحيان، إلا أن هؤلاء العلماء أنفسهم، في منعطفات تاريخية حاسمة، هم من حالوا دون وقوع انهيارات كبرى، بفضل بصيرتهم وشعورهم بالمسؤولية التاريخية.

لا شك أن مصير المجتمعات الإسلامية يعتمد أكثر من أي عامل آخر على كيفية تفاعل علماء الدين فيما بينهم ومع المجتمع. فإذا كان هذا التفاعل قائماً على الحكمة والرؤية الحضارية، انفتحت آفاق جديدة من الأمل والتقارب، وإذا - لا قدر الله - انهار في ظل سوء الفهم والاستفزازات الخارجية، فسيمهد ذلك الطريق لتدخلات وأزمات كبرى.

اليوم، من الاستراتيجيات المعروفة لأعداء العالم الإسلامي حصر علماء المسلمين ضمن حدود دينية ضيقة، وتقويض روح الأمة الإسلامية بإثارة الحساسيات الطائفية. إنهم يدركون تماماً أن العالم الاسلامي إذا نظر إلى القضايا من منظور أوسع يشمل العالم الإسلامي، فإنه يستطيع تحديد أعداء الإنسانية والأمة الإسلامية الحقيقيين، وهذا تحديداً ما لا يريدونه.

ربما في خضم نيران الحرب والدمار الذي خلفته الانفجارات - عندما تتمزق أجساد تلميذات المدارس الرقيقة في ميناب وسط التراب والدم - قد لا يبدو تناول تاريخ الثورة الإسلامية في إيران مناسبًا للوهلة الأولى؛ لكن الحقيقة هي أنه لا يمكن فهم العديد من أحداث اليوم دون النظر في طبيعة تلك الثورة.

لم تكن الثورة الإسلامية في إيران، كما شهد بذلك بعض أبرز المفكرين الاجتماعيين في الشرق والغرب، ظاهرة سياسية بحتة أو مقتصرة على مذهب معين، بل كانت حدثًا إنسانيًا إسلاميًا ذا أفق يتجاوز حدود العرق والطائفة. وسعت هذه الثورة إلى إثبات إمكانية الجمع بين الدين والكرامة والاستقلال والتقدم في العالم المعاصر، وتذكير المسلمين بأنه من الممكن التصدي لأنظمة الهيمنة مع الحفاظ في الوقت نفسه على الهوية الدينية والكرامة الإنسانية.

على مدى العقود الأربعة الماضية، لم تبدأ الجمهورية الإسلامية الإيرانية حربًا ولم تدخل في صراع عسكري مع أي دولة بمبادرة منها، على الرغم من فرض حروب عديدة عليها. والأهم في هذا الصدد هو المنطق الذي يحكم السياسة الإيرانية: السعي الدؤوب لتجنب الحرب، وتفضيل الحوار والحلول الدبلوماسية لحل النزاعات.

إيران لا تبدأ أي عدوان

في السنوات الأولى التي أعقبت الثورة، فُرضت على إيران حرب دامت ثماني سنوات، بدأت خلال أصعب أيام استقرار الجمهورية الإسلامية الوليدة. خلال تلك الفترة، انحازت بعض دول المنطقة والقوى العالمية إلى جانب الطرف الآخر، وقدمت له الدعم المالي والعسكري والسياسي، وكانت نتيجة تلك الحرب خسائر بشرية ومادية فادحة للبلدين المسلمين.

مع ذلك، بعد انتهاء الحرب، وبدلاً من السعي للانتقام أو المطالبة بتعويضات باهظة، تخلّت إيران، أملاً في عقلانية وفهم مشترك لأوضاع العالم الإسلامي، عن العديد من مطالبها واتخذت نهج التسامح.

ورغم هذا النهج، بُذلت في السنوات اللاحقة جهودٌ حثيثة لتشويه صورة إيران في الرأي العام الإسلامي. وانتشرت كتابات التشهير والافتراء، وفي بعض الحالات، توطدت العلاقات مع الكيان الصهيوني والولايات المتحدة لتعزيز أهدافهما في المنطقة. وفي خضم ذلك، أصبحت أجزاء من المنطقة ساحة تقارب استراتيجي مع الكيان الصهيوني، وتحوّلت الحدود الجنوبية لإيران تدريجياً إلى موقع لانتشار واسع للقواعد العسكرية الأمريكية.

أخيرًا، شهدت الأشهر الأخيرة مرحلة جديدة من هذه العملية. فقد مضى شهر تقريبًا على بدء حرب مفروضة وعدوان سافر من قِبل الولايات المتحدة الأمريكية والنظام الإسرائيلي، بدعم من بعض الحكومات الأخرى، ضد الشعب والحكومة الإيرانية. وخلال هذه الهجمات، استشهد آلاف الأبرياء من الرجال والنساء والأطفال، بالإضافة إلى عدد من القادة والمسؤولين، وعلى رأسهم المرجع الديني الأعلى وقائد الثورة الإسلامية الإيرانية، سماحة آية الله خامنئي (قىس الله سره).

في مواجهة مثل هذا الحدث، من المؤسف أن بعض الحكومات، رغم ادعائها الجوار والأخوة الإسلامية، قد وضعت أراضيها وسماءها ومياهها الإقليمية تحت تصرف القوات التي نفذت هذا الهجوم. مع ذلك، أعلنت الجمهورية الإسلامية الإيرانية أنها تعتبر دول المنطقة إخوة لها وجيراناً، وأنها ستوجه ردها فقط إلى القواعد التي تُشن منها العمليات العسكرية ضد إيران؛ وهو رد يندرج ضمن إطار حق الدفاع عن النفس.

إن ما يحدث اليوم ليس مجرد صراع عسكري، بل هو حدثٌ قد يؤثر على مستقبل العالم الإسلامي، بل وعلى الأسس الأخلاقية للعلاقات بين الأمم. فإذا ما أصبح النظام الدولي يسمح بالهجوم على دولةٍ ما في خضم المفاوضات، فلن تجلس أي دولة مستقلة على طاولة المفاوضات بثقة.

في مثل هذه الظروف، يتضاعف دور علماء الدين في العالم الإسلامي. فعلى مر التاريخ، كانوا حماة الضمير الأخلاقي للأمة، واستطاعوا تغيير مسار العديد من الأزمات بكلماتهم الواضحة في منعطفات حاسمة.

لا شك أن القرآن الكريم يدعو المسلمين إلى العزة والوحدة وتجنب الضعف: "وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن کُنتُم مُّؤْمِنِینَ". إن إدراك هذه الرسالة القرآنية يتطلب بصيرة وشجاعة ووحدة علماء المسلمين أكثر من أي وقت مضى.

لذا، فإن هذه الرسالة موجهة إليكم أولاً وقبل كل شيء، يا علماء ومصلحي الأمة الإسلامية، لكي تُحفظ بلاد الإسلام من أن تصبح ساحات حروب مستمرة، وذلك بالدفاع عن المبادئ الإسلامية المشتركة - حرمة النفس، ونبذ العدوان، والوفاء بالعهود، وصدق الحوار.

التأكيد على دور العلماء

سيحكم التاريخ بلا شك على سلوكنا ومواقفنا جميعًا في هذه الأيام الصعبة. ستتساءل الأجيال القادمة عن موقف علماء الدين في هذه المرحلة الحرجة: هل انخرطوا في جدالات عقيمة أم هبّوا لحماية كرامة الأمة الإسلامية؟

ونأمل أن يتردد صدى صوت الحكمة والتضامن لدى علماء الدين من جديد، فاتحًا بذلك طريقًا يحلّ فيه الحوار محلّ الحرب، والتقارب محلّ التباعد.

في الختام، ومع الأمل في أن يفتح صوت المسؤولية لعلماء الإسلام أفقًا جديدًا أمام الأمة الإسلامية، نمد أيدي الأخوة والحوار إليكم جميعًا، ونأمل في ظل التشاور والتآزر، أن تُتخذ خطوة نحو تقليل معاناة البشر، والحفاظ على أمن الشعوب، وتعزيز عزة العالم الإسلامي.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

4347929

captcha