ایکنا

IQNA

خطاب الأزمة في أمن إسرائيل؛ من أسطورة الردع المطلق إلى واقعية التآكل في مواجهة إيران

13:52 - May 26, 2026
رمز الخبر: 3504859

خطاب الأزمة في أمن إسرائيل؛ من أسطورة الردع المطلق إلى واقعية التآكل في مواجهة إيران

بقلم الأكاديمي والمحلل الايراني "الدكتور بهمن أكبري"

في الفضاء السياسي والإعلامي الإيراني، كلما جرى الحديث عن المفاوضات أو التفاهم أو خفض التصعيد مع أمريكا والغرب، يذهب جزء من التيارات الفكرية والسياسية، بنظرة تشاؤمية، إلى اعتبار ذلك مرادفًا لـ "التراجع الاستراتيجي" أو حتى "تعزيز إسرائيل". ففي هذا المنظور، فإن أي اتفاق يعني حتمًا تراجع النفوذ الإقليمي لإيران، وتقييد القدرة الردعية، وانطلاق يد إسرائيل لمزيد من الضغوط. هذا الفهم، وإن كان متجذرًا في تجارب مريرة من عدم الثقة، وسوء عهد الغرب، والصراعات على مدى عقود، إلا أنه ليس بالضرورة متوافقًا مع حقائق الجغرافيا السياسية المعقدة في المنطقة، بل ولا حتى مع التصور الأمني الإسرائيلي نفسه.
 
إن التدقيق الدقيق في مواقف وتحليلات النخب الأمنية والفكرية الإسرائيلية يُظهر أن جزءًا مهمًا منها لا يرحب "بالتفاهم الإيراني-الأمريكي"، بل يرحب بفشل التفاهم واندفاع المنطقة نحو حرب لا يمكن السيطرة عليها؛ لأن استمرار الأزمة الدائمة يبقي الأمن الإسرائيلي معلقًا على تضخيم الهلع من إيران واستمرار الوجود الاستراتيجي الأمريكي في المنطقة.

وفي المقابل، فإن أي تفاهم يمكنه أن ينقل إيران من وضع "التهديد المطلق" إلى فاعل مستقر وموجّه شرعي دبلوماسي، فإنه يزعزع جزءًا من منطلقات الخطاب الأمني الإسرائيلي.
 
الحقيقة أن المعارضة الشديدة من الكثير من المحافل الصهيونية للاتفاق النووي الإيراني (برجام) وكذلك قلقهم اليوم من أي اتفاق جديد، ليس مجرد خلاف فني حول عدد أجهزة الطرد المركزي أو مستوى التخصيب؛ بل هو انعكاس لخوف أعمق من تغير الميزان الإقليمي. لقد سعت إسرائيل على مدى عقود إلى تحقيق أمنها على أساس مبدأين: أولهما، تمثيل إيران "تهديدًا دائمًا لا يحل"، وثانيهما، منع تشكيل أي نظام إقليمي تُقبل فيه إيران كقوة مشروعة ومستقرة. من هذا المنظور، فإن التفاهم بين طهران وواشنطن، وإن كان قد لا يحل كل الخلافات، فإنه يمكن أن يُضعف جزءًا من منطق "الأزمة الدائمة" الذي يعمل لصالح إسرائيل.
 
من ناحية أخرى، أظهرت تجربة التطورات الأخيرة أن الحروب الاستنزافية والتوتر اللامتناهي لا يؤديان بالضرورة إلى زيادة أمن إيران أو التوهين القطعي لإسرائيل، بل يمكنهما إدخال المنطقة بأكملها في دائرة من انعدام الأمن، والتآكل الاقتصادي، والانسداد السياسي. في عالم اليوم، لا تتجلى القوة في الصواريخ والميدان العسكري فحسب؛ بل القدرة على إدارة الأزمات، وتحويل القدرات الميدانية إلى مكاسب سياسية، ومنع تشكل تحالفات عدائية، كلها جزء من القوة الوطنية.
 
بناءً على ذلك، فإن تحليل الخطاب الأمني الإسرائيلي يُظهر لماذا تعتبر الكثير من التيارات المتطرفة في تل أبيب أي تفاهم بين إيران وأمريكا تهديدًا لموقعها الاستراتيجي. تحاول هذه الملاحظة، من خلال دراسة هذا الخطاب، أن تُظهر أن المسألة الأساسية لإسرائيل ليست مجرد البرنامج النووي الإيراني، بل هناك قلق أعمق من التغيير التدريجي لميزان القوة وانتقال المنطقة من نموذج "الأزمة الدائمة" إلى نمط من الردع والواقعية السياسية.
 
الفجوة العميقة في التصور الأمني الإسرائيلي
 
لقد كشفت التطورات الأخيرة المحيطة باحتمال اتفاق جديد بين إيران وأمريكا، مرة أخرى، عن فجوة عميقة في التصور الأمني الإسرائيلي؛ فجوة لا تقتصر على الخلاف حول اتفاق نووي، بل تعود إلى أزمة في أسس "خطاب الأمن الإسرائيلي". إن رد فعل جزء مهم من النخب الصهيونية والمحللين الأمنيين والتيارات القريبة من اليمين الإسرائيلي يُظهر أن المسألة الأساسية ليست مجرد البرنامج النووي الإيراني، بل التآكل التدريجي للتصور التاريخي الإسرائيلي "للقوة الردعية المطلقة".
 
في هذا الإطار، تكتسي تصريحات وتحليلات "جيل تروي" (أستاذ التاريخ والعلوم السياسية في جامعة ماكجيل، ومن الشخصيات القريبة من الرواية المحافظة الصهيونية) أهمية خاصة. فهو يصف الاتفاق المحتمل بين طهران وواشنطن ليس بكونه نجاحًا دبلوماسيًا، بل "تكرارًا لاتفاق برجام في قالب جديد"؛ اتفاق من وجهة نظره لا يزيل التهديد الإيراني ولا يضمن الأمن الطويل الأمد لإسرائيل، بل ببساطة يؤجل الأزمة إلى المستقبل.
 
أمن إسرائيل ومنطق التهديد المؤجل
 
من أهم مقومات الخطاب في هذه الرواية، مفهوم "التهديد المؤجل". ففي هذا المنظور، الاتفاق النووي لا يعني حل الأزمة، بل مجرد شراء للوقت. هذا هو المنطق نفسه الذي شوهد سابقًا في الانتقادات الإسرائيلية لاتفاق برجام 2015؛ اتفاق من وجهة نظر التيار اليميني الإسرائيلي لم يكن مانعًا نهائيًا لوصول إيران إلى القدرة النووية، بل مجرد تأجيل مؤقت لها.

من هذا المنظور، فإن الاتفاق المحتمل بين إيران وأمريكا هو بالنسبة لجزء من النخب الإسرائيلية ليس اتفاقًا فنيًا، بل رمز للانحدار التدريجي لنموذج "الأمن القائم على التفوق المطلق"؛ ذلك النموذج الذي أفسح المجال الآن لواقع أكثر تعقيدًا: عالم حيث حتى القوى العظمى مضطرة لإحداث نوع من التوازن بين الحرب والاحتواء والردع والمسايلة.
 
إن التأكيد المتكرر على "بند الغروب" (Sunset Clause) وإمكانية عودة إيران إلى التخصيب الواسع بعد انتهاء القيود، يُظهر أن العقل الأمني الإسرائيلي لا يزال يعمل في إطار "التهديد المستمر". ففي هذا الخطاب، حتى الاتفاق الطويل الأمد (15 أو 20 عامًا) يُعتبر فشلًا، لأن أصل "إمكانية عودة القوة الإيرانية" ما زال قائمًا.
 
في الواقع، لم تعد مسألة إسرائيل مجرد عدد أجهزة الطرد المركزي أو كمية اليورانيوم المخصب؛ بل يعود القلق الرئيسي إلى "بقاء القدرة الاستراتيجية الإيرانية". وهنا يتحول الاتفاق، بدل أن يكون نهاية للأزمة، إلى جزء من الأزمة نفسها.
 
فشل مشروع "تغيير النظام" وإعادة تعريف النصر
 
تحمل التحليلات الإسرائيلية الأخيرة، رغمًا عنها، نوعًا من الاعتراف الاستراتيجي: فإيران، بعد الحرب والضغوط الهائلة، لم تنهر فقط، بل استطاعت الحفاظ على بنيتها السياسية وقدرتها الردعية. هذه المسألة بالذات غيّرت مفهوم النصر في الحروب الجديدة.
 
ففي الحروب الكلاسيكية، كان النصر يُعرّف باحتلال الأراضي، وتدمير جيش العدو، أو تغيير النظام؛ لكن في الحروب الاستنزافية والهجينة المعاصرة، فإن "البقاء" ذاته يعني نوعًا من النصر. فإذا استطاعت دولة ما الحفاظ على هيكل حكمها،  وأن يكون لديها قدرة على إعادة البناء الاقتصادي والعسكري، وألا تفقد ردعها، فإنها، في منطق الجغرافيا السياسية الجديد، لا تُعتبر مهزومة.
 
وعليه، فإن بقاء إيران بعد الضغوط الهائلة من أمريكا وإسرائيل يُفسَّر في أذهان جزء من المحللين الإسرائيليين على أنه "تقوية نسبية لإيران". هذه المسألة ليست مجرد قلق عسكري لإسرائيل، بل هي أزمة في "تصور القوة"؛ لأن أسطورة عدم القابلية للهزيمة والقدرة على فرض الإرادة تتآكل تدريجيًا.
 
تآكل الردع الإسرائيلي
 
بعد آخر لهذا الخطاب، هو الأزمة في مفهوم الردع الإسرائيلي. لقد حاولت إسرائيل على مدى عقود خلق صورة "القوة الحاسمة والرد الفاجع"؛ صورة تردع الأعداء عن الدخول في حرب. لكن الحروب متعددة الجبهات الأخيرة، لا سيما في غزة ولبنان وسوريا والضفة الغربية، أظهرت أن التفوق العسكري لا يعني بالضرورة تحقيق نصر سياسي.
 
إن استمرار الحرب دون تحقيق "النصر النهائي"، والتآكل الاقتصادي، ونقص القوى البشرية، واستمرار الهجمات بالمسيرات والصواريخ، والعجز عن غلق الجبهات، كلها علامات على دخول إسرائيل مرحلة من "التآكل الأمني". ففي هذا الوضع، حتى لو كانت إسرائيل لا تزال متفوقة تكنولوجيًا وتسليحيًا، فإن الشعور بالأمن المطلق في المجتمع والنخب يضعف.
 
ولهذا السبب، نرى في الأدبيات الإسرائيلية الجديدة تكرارًا متزايدًا لكلمات مثل  الإرهاق الاستراتيجي، والحرب بلا نهاية، والتآكل متعدد الجبهات، وأزمة الردع.
 
الفجوة في التحالف الأمريكي-الإسرائيلي
 
من أهم دلالات هذه التطورات السياسية، هو انكشاف حدود الدعم الأمريكي لإسرائيل. تُظهر التحليلات الأخيرة أنه حتى الحكومات ذات الميول القوية لدعم تل أبيب هي في النهاية تابعة للاعتبارات الداخلية لأمريكا.
 
فالتضخم، وأسعار الطاقة، والانتخابات النصفية، وضغط الرأي العام، والقلق من حرب إقليمية شاملة، كلها عوامل يمكنها أن تدفع واشنطن نحو "إدارة الأزمة" بدل "النصر المطلق". في هذا الإطار، تدرك إسرائيل أن التحالف الاستراتيجي مع أمريكا، وإن كان ما زال حيويًا، إلا أنه ليس غير محدود ولا بغير شروط.
 
هذه المسألة بالغة الأهمية للخطاب الأمني الإسرائيلي؛ لأن جزءًا كبيرًا من الثقة الاستراتيجية لإسرائيل كان قائمًا على فرض الدعم الحاسم والدائم لأمريكا. فأي إشارة إلى ابتعاد واشنطن عن الأهداف القصوى لتل أبيب تتحول بسرعة إلى أزمة نفسية وسياسية داخل إسرائيل.
 
من الهيمنة المطلقة إلى الردع المتبادل
 
على مستوى أعمق، ما يحدث اليوم ليس مجرد خلاف على اتفاق نووي؛ بل هو علامة على التغيير التدريجي في بنية القوة في الشرق الأوسط. فالمنطقة تنتقل من عصر "الهيمنة أحادية الجانب" إلى حالة من "الردع المتبادل المتآكل"؛ حالة لا يستطيع فيها أي فاعل حذف منافسه بالكامل.
 
في هذا النظام الجديد، استطاعت إيران الحفاظ على قدرتها على البقاء وإعادة البناء، ولا تزال الجماعات الإقليمية فاعلة، وأمريكا لا تميل إلى حرب بلا نهاية، وإسرائيل أيضًا واجهت محدوديات في القوة الصلبة.
 
وهذا بالذات هو ما جعل جزءًا من النخب الإسرائيلية، ولو على مضض، يتحرك نحو نوع من "الواقعية المُرّة"؛ واقعية تقبل بأن القوة العسكرية وحدها لا تكفي لحل أزمات الشرق الأوسط المعقدة.
 
في الختام
 
إن الخطاب الأمني الجديد لإسرائيل ليس أكثر من انعكاس لـ "أزمة في تصور القوة". فالقلق الرئيسي لم يعد مجرد البرنامج النووي الإيراني، بل السؤال الجوهري: هل ما زالت إسرائيل قادرة على فرض إرادتها على بيئتها المحيطة أم لا؟
captcha