ایکنا

IQNA

قراءة في تحولات دول الخليج الفارسي في ظل الأزمة الجيوسياسية الإقليمية

11:54 - May 26, 2026
رمز الخبر: 3504852

قراءة في تحولات دول الخليج الفارسي في ظل الأزمة الجيوسياسية الإقليميةبقلم الباحث والمحلل في الشؤون السياسية والدولية الشيخ محمد هادي الملكي

وتكشف التحولات التي شهدتها منطقة الخليج الفارسي خلال السنوات الأخيرة أن حالة التنافس بين بعض الدول العربية والجمهورية الإسلامية الإيرانية لم تعد محصورة في الإطار الجيوسياسي التقليدي، بل تجاوزته إلى فضاءات الهوية الدينية والاجتماعية. فبعدما كان الخلاف يدور أساساً حول النفوذ الإقليمي وتوازنات القوة، بات جزء من هذا الصراع يُعاد إنتاجه اليوم عبر مقاربة أمنية تجاه المجتمعات الشيعية في المنطقة.

من التنافس الجيوسياسي إلى الصدام الهوياتي

‌في الإمارات والبحرين، وإلى حدّ ما في الكويت، تصاعدت الحساسية الأمنية تجاه المكوّن الشيعي. إذ برزت خلال السنوات الأخيرة مؤشرات متعددة، من بينها ترحيل بعض المقيمين الشيعة، وفرض قيود على المؤسسات الدينية، والتضييق على ناشطين دينيين وسياسيين، فضلاً عن توجيه اتهامات مرتبطة بالعلاقة مع إيران. وكل ذلك يعكس مساراً متصاعداً لما يمكن وصفه بـ«أمننة الهوية» في الخليج الفارسي، حيث تتلاشى تدريجياً الحدود الفاصلة بين المواطنة والاشتباه الأمني.

وترى شريحة من الأنظمة الخليجية أن أي رابط مذهبي أو عاطفي مع إيران قد يتحول إلى مصدر تهديد محتمل، في سياق التنافس الإقليمي القائم مع طهران. ومن هنا انتقلت المقاربة الأمنية من دائرة السياسة الخارجية إلى إدارة البنية الاجتماعية الداخلية.

‌البحرين… العقدة الأبرز في الانقسام الهوياتي

‌تمثل البحرين النموذج الأكثر وضوحاً لهذه المعادلة. فالفجوة التاريخية بين الأغلبية الشيعية والبنية السياسية الحاكمة دخلت بعد أحداث عام 2011 مرحلة أكثر تعقيداً. وقد أدّى إسقاط الجنسية عن معارضين، وتقييد المؤسسات الدينية، والإجراءات الأمنية المشددة، إلى شعور قطاع من الشيعة بأنهم لا يُعاملون بوصفهم مواطنين متساوين، بل باعتبارهم ملفاً أمنياً دائماً.

وفي المدى البعيد، من شأن هذا الواقع أن يؤدي إلى تآكل الثقة الوطنية، إذ إن إحساس أي مكوّن اجتماعي بأن هويته الدينية تجعله موضع شبهة مستمرة، يوسع الفجوة بين الدولة والمجتمع.

الدور الأميركي والإسرائيلي في إعادة صياغة أمن الخليج الفارسي

‌بالتوازي مع ذلك، تندرج علاقات بعض الدول الخليجية المتنامية مع الولايات المتحدة والكيان الصهيوني ضمن استراتيجية أوسع لاحتواء إيران. فمسار التطبيع مع تل أبيب، والتعاون الأمني والاستخباري، ومحاولات بناء تحالفات إقليمية جديدة، كلها تأتي في إطار إعادة تعريف المنظومة الأمنية للخليج الفارسي.

وفي هذا السياق، يجري تقديم إيران ليس فقط كمنافس إقليمي، بل باعتبارها التهديد الأمني المركزي للمنطقة، ما ينعكس بدوره على النظرة إلى أي تقاطع مذهبي أو وجداني معها، والذي يُفسَّر أحياناً ضمن المقاربة الأمنية ذاتها.

المفارقة الأمنية في الخليج الفارسي

غير أن تجارب المنطقة أظهرت أن تحويل الهوية الدينية إلى قضية أمنية لا يؤدي بالضرورة إلى استقرار دائم، بل قد يساهم في تعميق الانقسامات الاجتماعية. فكلما تصاعد الضغط على الهويات المحلية، ازدادت النزعات العابرة للحدود، وهنا تتجلى المفارقة الأمنية في الخليج الفارسي.

فالدول التي تعتمد سياسات أمنية مشددة بهدف الحد من النفوذ الإيراني، قد تجد نفسها – بصورة غير مباشرة – أمام تنامي مشاعر التضامن العابر للحدود داخل بعض الأوساط الشيعية.

العراق وأزمة بناء الدولة

أما في العراق، فترى بعض القوى السياسية أن الأزمات المزمنة في الخدمات والفساد وضعف مؤسسات الدولة ترتبط باستمرار النفوذ الخارجي والارتهان الأمني. وقد أدى استمرار أزمات الكهرباء والبطالة والترهل الإداري إلى بقاء خطاب الاستقلال والسيادة والمقاومة حاضراً بقوة لدى شريحة من الرأي العام.

ومن هذا المنطلق، لا تبدو الأزمة مجرد تنافس بين إيران والولايات المتحدة، بل تعكس أيضاً أزمة أعمق تتعلق ببناء الدولة في المنطقة، وهي أزمة دفعت قطاعات واسعة من المجتمعات العربية إلى فقدان الثقة بالمنظومات السياسية القائمة.

مستقبل ضبابي للنظام الأمني الإقليمي

تعيش منطقة الخليج الفارسي اليوم أزمة ثقة مركبة؛ فالدول تخشى النفوذ الخارجي، فيما تشعر شرائح اجتماعية واسعة بالقلق من المقاربة الأمنية السائدة. واستمرار هذا المسار قد يدفع المنطقة نحو مرحلة استنزاف طويلة، تتحول فيها الانقسامات المذهبية إلى أدوات ضمن الصراعات الجيوسياسية.

إن تحقيق أمن مستدام في الخليج الفارسي يظل مرهوناً بقدرة الدول على الموازنة بين مقتضيات الأمن وحقوق المواطنة. أما تحويل الهوية الدينية إلى ملف أمني، فقد يوفر أدوات ضبط مؤقتة، لكنه يحمل في المدى البعيد مخاطر تقويض التماسك الوطني وتعميق عوامل عدم الاستقرار.

captcha