
بقلم الباحث والأستاذ بجامعة "فردوسي" الايرانية "د. عباس علي نصر أبادي"
لا يُعدّ الغدير مجرد حدث عابر، بل هو نموذج إستراتيجي يُعيد تعريف العلاقة بين الشرعية والواجب والاستمرارية التاريخية، وعلى هذا الأساس، يُمكننا الحديث عن الغدير كـ نظرية أساسية للمقاومة.
إن الغدير في قراءة النخبة الشيعية ليس مجرد مناسبة تاريخية أو احتفال سنوي، بل هو نقطة تحوّل تُقدّم نموذجاً لقوة الاحتجاج المشروعة ونظام الولاية ويمكن لهذا الإطار اليوم أن يكون أساساً لإضفاء الشرعية على جبهة المقاومة المعاصرة، وإستراتيجية للبقاء، وتجاوز النزعة المؤقتة.
إن الغدير نموذج استراتيجي يُعيد تعريف العلاقة بين الشرعية والواجب والاستمرارية التاريخية وبناء على ذلك يمكن إعتبار الغدير نظرية أساسية للمقاومة، نظرية لا تعتمد فيها الشرعية على ميزان القوى أو رأي الأغلبية، وتلتزم المقاومة بالتجدد حتى في غياب السلطة السياسية.
يمكن تعريف ثلاثة مكونات لنظرية المقاومة الغديرية: المكون الأول هو عدم الخلط بين الشرعية والمقبولية. في منطق الغدير، تنبع شرعية السلطة من النصّ الإلهي وليس من بيعة الأغلبية، وبالتالي حتى لو كانت السلطة الفعلية في يد الغاصب، فإن حقانية جبهة الحق لا تسقط، ويجب على المقاومة أن تحافظ على نفسها وتنتجها بشكل مستقل عن الوصول إلى السلطة السياسية.
المكون الثاني هو إعطاء الأولوية للواجب على النفعية، فإن الرسول الأعظم (ص) مكلف بأداء واجبه في التبليغ، وليس ضامناً للإقناع العالمي. الآية "وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ" في هذا الإطار، تكتسب معنى عمليًا: معيار نجاح المقاومة ليس إقناع العدو أو النصر الظاهري، بل هو أداء الواجب، ونتيجة هذه النظرة هي أن جبهة المقاومة لا ينبغي أن تعتبر النصر قصير المدى شرطًا لاستمرار المسار.
المكون الثالث هو إضفاء الطابع المؤسسي على ذاكرة الأقلية إذ تُظهر التجربة التاريخية للشيعة أنه من الممكن الحفاظ على السردية والهوية والشبكات الاجتماعية دون الاعتماد على البنية الرسمية للسلطة؛ وهي تجربة امتدت من نظام الوكالة إلى المرجعية ثم إلى ولاية الفقيه، وقدمت نموذجًا محليًا للمقاومة المؤسسية ضد الأنظمة الاستبدادية.
الدلالات الاستراتيجية للمقاومة المعاصرة
على مستوى إضفاء الشرعية الدولية،"يُحرر نموذج الغدير المقاومة من الحاجة إلى تبرير نفسها وفقاً للمعايير الغربية السائدة، فمن هذا المنطلق، لا تحتاج حركات مثل حماس وحزب الله وأنصار الله إلى موافقة المؤسسات الدولية لشرعيتها، بل تستمدها من الواجب الإلهي التاريخي.
على مستوى استراتيجية الدوام والبقاء، يتعلم المجتمع الغديري أن هناك إمكانية للحفاظ على الهيكل المعنوي في فترات طويلة من الأقلية. يقترح هذا النموذج على المقاومة المعاصرة أن تستثمر، إلى جانب الميدان العسكري، في تربية الأجيال الواعية وإعادة إنتاج رأس المال البشري والثقافي.
على مستوى نفي المؤقتية أيضًا، يحذر الغدير من أن انهيار العديد من الحركات ينبع من اليأس من النتيجة قصيرة المدى، في حين أن منطق الواجب يضمن الاستمرارية. في هذا الإطار، حتى لو لم تظهر ثمرة عمل ما في الأفق القريب، فإن مبدأ أداء الواجب هو معيار الاستمرارية.
للغدير ثلاثة دروس استراتيجية لنخب جبهة المقاومة: الشرعية لا تتحقق بقوة السلاح ولا بأغلبية الأصوات، بل تعتمد على النص والحقيقة الدائمة. النتيجة قصيرة المدى ليست معيارًا للتوقف أو الاستمرار، والواجب يحدد حدود القرار. كونك أقلية ليس نهاية الطريق، ويمكن أن يتحول إلى شكل من أشكال الوجود الأكثر فعالية. وعلى هذا الأساس، فإن المقاومة التي لا تتغذى من الغدير إما تميل إلى السعي وراء السلطة الدنيوية أو تنهار في اليأس، أما المقاومة التي تسير بنظرة غديرية، فإنها تستمد عدم قابليتها للهزيمة من فهم الواجب وليس من حساب النتيجة.