
فيما يلي نصّ البیان الذي حصلت وكالة الأنباء القرآنية الدولية(إکنا) على نسخة منه:
"﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ صدق الله العظيم [الفجر: 27–30].
بقلوب مؤمنة بقضاء الله وقدره، يتقدم الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين بخالص العزاء وصادق المواساة إلى الأمة الإسلامية عامة، وإلى الجزائر خاصة، في وفاة العلامة الشيخ سي الحاج محند الطيب، أول من ترجم معاني
القرآن الكريم إلى اللغة الأمازيغية، وهي الترجمة التي اعتمدها مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف بالمدينة المنورة.
وقد وافته المنية بولاية تيزي وزو عن عمر ناهز اثنتين وتسعين سنة، بعد مسيرة علمية وتربوية حافلة بالعطاء وخدمة كتاب الله تعالى.
لقد كان الفقيد رحمه الله من العلماء الذين جمعوا بين الرسالة العلمية والتربوية والوعي الوطني، فكرّس حياته للتعليم والدعوة وخدمة المجتمع، وترك أثرًا علميًا وتربويًا وثقافيًا باقياً يشهد بصدق عطائه.
النشأة والتكوين العلمي
وُلد الشيخ يوم 20 جوان 1934 ببلدية إيفرحونن بولاية تيزي وزو، ونشأ في بيئة علمية ودينية أصيلة، فحفظ القرآن الكريم في الكُتّاب منذ صغره، ثم واصل تعليمه بزاوية سيدي عمر ولحاج، قبل أن يلتحق بمعهد ابن باديس بقسنطينة حيث تلقى تكوينًا علميًا ولغويًا رصينًا.
المسار الوطني والتاريخي
امتاز منذ شبابه بروح وطنية واعية، فشارك في مهام التوعية والتعليم خلال فترة الاستعمار، وأسهم في الحفاظ على الهوية الدينية والثقافية، وتعرض للاعتقال بسبب نشاطه الوطني، ليظل هذا البعد حاضرًا في مسيرته العلمية والتربوية.
المسيرة التربوية والمهنية
بعد الاستقلال، عمل أستاذًا للغة العربية بعين طاية ثم بولاية تيزي وزو، وأسهم في تكوين أجيال من الطلبة. ثم التحق بمركز تكوين المفتشين بالمدرسة العليا للأساتذة بالقبة، ليتخرج مفتشًا للتعليم الابتدائي والمتوسط، حيث مارس مهامه في عدة مناطق من ولايتي تيزي وزو والبويرة.
وفي سنة 1985 انتُدب إلى فرنسا مفتشًا لتعليم اللغة العربية لأبناء الجالية الجزائرية لمدة أربع سنوات، ثم عاد إلى الوطن ليستأنف عمله التربوي بمنطقة الأربعاء ناث إيراثن إلى غاية التقاعد.
العمل العلمي والدعوي وخدمة المجتمع
إلى جانب عمله التربوي، كان الشيخ إمامًا وأستاذًا متعاقدًا مع قطاع الشؤون الدينية والأوقاف، ورئيسًا لمجلس "اقرأ" بمؤسسة المسجد، وعضوًا في لجنة الفتوى والصلح، كما شغل مهمة وسيط قضائي لدى مجلس قضاء تيزي وزو، وشارك في العديد من الندوات والملتقيات العلمية والفكرية.
الإنجاز العلمي البارز
يُعد أبرز إنجازاته العلمية ترجمته لمعاني القرآن الكريم إلى اللغة الأمازيغية وكتابتها بالحرف العربي، في عمل علمي رائد جمع بين المرجعية الإسلامية والخصوصية اللغوية الوطنية.
وقد حظيت هذه الترجمة بالاعتماد من مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف بالمدينة المنورة، ليصبح هذا المشروع علامة فارقة في مسيرته، ولقّب على إثره بـ"مُجَسِّر اللسانين" العربية والأمازيغية.
وقد كرس سنوات طويلة من عمره لهذا المشروع حتى أصبح جزءًا من رسالته العلمية التي عاش من أجلها.
التكريمات
حظي الفقيد بعدة تكريمات وطنية تقديرًا لعطائه، من أبرزها تكريم جريدة الشروق اليومي سنة 2009، إلى جانب تكريمات في منتديات ثقافية وفكرية، ومؤسسات أكاديمية مختلفة.
وإن الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين إذ ينعى هذا العالم الجليل، يتقدم بخالص العزاء إلى أسرته وتلامذته ومحبيه، وإلى الشعب الجزائري والأمة الإسلامية جمعاء.
نسأل الله تعالى أن يتغمده بواسع رحمته، وأن يسكنه فسيح جناته، وأن يجعل القرآن الكريم نورًا له في قبره وشفيعًا له يوم القيامة، وأن يجزيه خير الجزاء عن علمه وعمله، وأن يلهم أهله وذويه جميل الصبر وحسن العزاء.
﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾
الدوحة: ١٤ ذو الحجة ١٤٤٧هـــ
الموافق: 31 مايو 2026م
د. علي محمد الصلابي أ. د. علي محيي الدين القره داغي
الأمين العام الرئيس