
بقلم "أ. د. فرح موسى"؛ رئيس المركز الإسلامي للدراسات القرآنية في لبنان
يسأل المسؤول اللبناني، لماذا لا تتركوا لبنان يقرّر مصيره، ويدبّر أمره وفق مصالحه بمعزل عن الضغوط الخارجية، والمصالح الحيوسياسية للدول المتصارعة في الشرق الأوسط؟
لقد بالغ المسؤول اللبناني في تساؤله، وقدّم نفسه على أنه صاحب مسؤولية واختيار في ما يراد رسمه من خطوط في الشرق الأوسط! بل نرى هذا المسؤول يتجاوز حدود المسؤولية ليُلقي باللوم على الدول الأخرى، وقد تُرك له التفاوض في الشأن اللبناني وحوله حتى وصل الأمر به إلى أن يعلن، مهدّدًا ومتوعدًّا، بأن لبنان قد أنجز المهمة، وحقق خرقًا مهمًا في التفاوض المشؤوم!
ويبقى على اللبنانيين أن يختاروا بين الموت والحياة، ويتحملوا مسؤولية خياراتهم، فإما أن يقبلوا بالانسحاب من الجنوب، ويتخلوا عن المقاومة، وإما أن يستمروا في الدفاع عن أنفسهم وبلادهم، ويخسروا ما تبقى من وجودهم! لقد اعتبر بعض المسؤولين اللبنانيين ما حصل في التفاوض يشكل خرقًا كبيرًا ما كان ليحصل لولا أن لبنان قد حظي بعطف أمريكي قلّ نظيره!
ويكفينا من هذا العطف أنه أوقف النار قبل التفاوض! وأعطى المسؤول اللبناني فرصة أن يفاوض عن نفسه متجردًا من كل قوة، إلا من قوة حضوره، وقد ثبت بالتجربة أن هذه القوة كافية لفرض الشروط اللبنانية! وتحقيق السيادة على نحو لم يسبق له مثيل! وهذا ما أثبتته تجربة التفاوض منذ مدريد ومفاوضات "أوسلو"، حيث بلغ مجد التفاوض مستوى التحول الجوهري في سيادة الدول، وتحرير الأرض!
فالعجب ممن يناكف حول التفاوض، ويحرص عليه، متهمًا بعض الدول بأنها تتخذ من لبنان ورقة ضغط لتحسين شروطها التفاوضية مع الولايات المتحدة! فالمسؤول اللبناني يرى في إيران خطرًا على لبنان! ويرى بالدفاع عن النفس خطراً على لبنان! فالخير كل الخير بالنسبة له، هو الاستماع للنصيحة الأمريكية، واستمرار التفاوض، وإقامة المناطق التجريبية، تمهيدًا لإعلان الموقف النهائي حول انسحاب العدو، وعودة السكان إلى أرضهم!
نعم هذا هو لبنان الدولة، والوطن النهائي، وطن القوة التفاوضية على أنقاض شعبه، وكم كان حريٌ بهذا المسؤول أن يعلم بأنه لو كان لبنان قابلًا للمساومة الإيرانية، ومأخوذًا بالضغط من قبلها، لكانت المفاوضات الإيرانية الأمريكية قد انتهت منذ زمن بعيد، وهذا ما قاله الوزير "عراقجي"، في ردّه على مَن زعم أن إيران تفعل ذلك بهدف حماية مصالحها.
وهنا نسأل، متى كان المسؤول اللبناني مستقلًا بذاته، وغير خاضع للوصاية من القريب والبعيد؟ كم كنا نتمنى أن يكون لبنان عارفًا بحقه، وطالباً لسيادته!؟ لا شك ولا ريب في أن هذا المسؤول، قديمًا وحديثًا، سواء كان في رأس السلطة، أو في آخرها، قد ضجّت منه الوصايات السورية، والسعودية، والمصرية، والأمريكية، منذ عمليات "الخفّاش الأزرق"، الأمريكية في الخمسينات، وإلى يومنا الحاضر! فليكن اعتراض المسؤول على واقعه المشؤوم، وليأخذ بالسياسة من كل جوانبها، علّه بذلك يقنع بعض اللبنانيين باتهامه لإيران! إن ما يؤسف له ويعجب منه، هو أن يأتي المسؤول بالوصاية ليتهم وصاية أخرى! فهذا إن دلّ على شيء، فإنه يدّل على أن أكثرية المسؤولين اللبنانيين باتوا على نسيان تام، كيف يأتون، وكيف ينتخبون، وكأن لبنان سيّد نفسه في ما يأكل، أو يشرب، أو يقول، أو يفعل! دعونا من تصريحات الحرية والمسؤولية، وأخبرونا عن تاريخ لبنان السياسي والحزبي والطائفي، وحتى الديني!، أخبرونا عن تاريخ التفاوض بسم الوجود والسيادة، ومزاعم النأي بالنفس! فيا ليت أمريكا تخبركم،، عن طريقتها في التفاوض مع إيران حول لبنان!
والله لو علمتم لاضطربتم اضطراب الإرشية في الطوى البعيدة، ولاشتملتم شملة الجنين في رحم أمه! فأمريكا تأخذ منكم لتعطي إيران من جهة، وإسرائيل من جهة أخرى! وظني بكم أنكم ستقصّرون في مدح إيران غدًا يوم تعلمون أن إيران ليست طامعة في شيء منكم، وأقصى ما تريده، هو أن لا يكون لبنان لقمةً سائغةً في فم عدوّكم! فغدًا لناظره قريب، ونتعرّف إلى جدوائية التفاوض في خيارات أهل السيادة في لبنان…!