
وأوضح آية الله السيد الموسوي خلال خطبة صلاة الجمعة أن العراقيين كانوا يأملون بعد سقوط النظام السابق عام 2003 بتحول جذري يحقق تطلعات الشعب ويؤسس لدولة عادلة وقوية، إلا أن هذه الآمال لم تتحقق بالشكل المطلوب حتى الآن. وأضاف أن عدم تحقق هذه الأهداف لا يعني استحالة الوصول إليها، بل يستوجب مواصلة العمل الفكري والثقافي والسياسي والاجتماعي من أجل بناء الدولة الصالحة القادرة على خدمة مواطنيها.
وأشار امام جمعة بغداد إلى أن الأزمة الأساسية التي يعاني منها العراق تتمثل في غياب "ثقافة الدولة"، مبيناً أن الدولة ليست الأشخاص الذين يتولون المناصب، وإنما هي كيان مستقل قائم على المؤسسات الدستورية والتشريعية والتنفيذية والقضائية. ولفت إلى أن المسؤول الحقيقي هو من يجعل نفسه موظفاً في خدمة الدولة والشعب، لا من يستغل المنصب لتحقيق المصالح الشخصية والمكاسب الخاصة.
وبيّن آية الله السيد الموسوي أن الكثير من المسؤولين والموظفين لا ينظرون إلى مواقعهم بوصفها مسؤوليات وطنية، بل باعتبارها امتيازات ومصالح، الأمر الذي يؤدي إلى إضعاف مؤسسات الدولة وإعاقة عملية بنائها، داعياً إلى ترسيخ مفهوم الواجب العام وتقديم المصلحة الوطنية على المصالح الفردية والحزبية.
وفي محور آخر، تحدث عن واقع المعارضة السياسية، مؤكداً أن الأنظمة الديمقراطية الحقيقية تقوم على وجود موالاة ومعارضة فاعلتين، بينما تعاني الساحة العراقية من غياب المعارضة الحقيقية وإقصاء العديد من الكفاءات وأصحاب الرأي، الأمر الذي يدفع بعض القوى إلى البحث عن وسائل أخرى للحفاظ على مصالحها أو التعبير عن مواقفها.
كما تناول إمام جمعة بغداد قضية السلاح خارج إطار الدولة، موضحاً أن بعض التشكيلات المسلحة نشأت في ظروف استثنائية للدفاع عن البلاد ومواجهة الإرهاب، إلا أن استمرار وجود التشكيلات المسلحة المستقلة بعد انتهاء الظروف التي أوجدتها يتعارض مع مفهوم الدولة الحديثة. وشدد على ضرورة حصر السلاح بيد الدولة ومؤسساتها الشرعية، مستشهداً بمواقف المرجعية الدينية العليا الداعية إلى إنهاء أي سلاح خارج إطار الدولة وإلحاق أفراده بالمؤسسات الرسمية.
وفي الوقت نفسه، رفض محاولات الربط بين هذا الطرح وبين الدعوات إلى حل الحشد الشعبي، مؤكداً أن الحشد الشعبي قوة شرعية رسمية تعمل ضمن منظومة الدولة العراقية ولا يمكن التفكير بإلغائه أو حله، نظراً لدوره الكبير في الدفاع عن العراق ووحدته وسيادته خلال مواجهة تنظيم داعش والجماعات الإرهابية.
وأكد أن جميع القوى المسلحة داخل العراق ينبغي أن تكون خاضعة لقيادة القائد العام للقوات المسلحة، مشيراً إلى أن أي قوة عسكرية مستقلة عن القيادة العسكرية الرسمية تمثل حالة تتعارض مع مبدأ الدولة الواحدة، داعياً إلى توحيد القرار الأمني والعسكري تحت مظلة المؤسسات الدستورية.
واستعرض آية الله الموسوي تجربة منظمة بدر، مبيناً أنها تحولت بعد سقوط النظام السابق من العمل العسكري إلى العمل السياسي والمشاركة في العملية الديمقراطية، معتبراً أن هذا النموذج يعكس المسار الطبيعي الذي ينبغي أن تسلكه القوى المسلحة بعد انتهاء الظروف الاستثنائية التي أوجدتها.
وفي ملف آخر، حذر من تفشي الفساد داخل المؤسسات العسكرية والأمنية، مؤكداً أن العراق بحاجة إلى عملية إصلاح وتطهير شاملة تستهدف الثقافة الإدارية الفاسدة ومظاهر استغلال السلطة والرشوة والابتزاز. ودعا القائد العام للقوات المسلحة إلى اتخاذ خطوات جادة لمعالجة هذه الظواهر وتحويل المؤسسات الأمنية إلى مؤسسات وطنية محترفة تخدم المجتمع والدولة.
وشدد على أن القرار السياسي يجب أن يكون هو الحاكم على القرار العسكري، وأن وظيفة المؤسسة العسكرية تقتصر على حماية الدولة وسيادتها ضمن الأطر القانونية والدستورية، بعيداً عن أي تدخلات سياسية أو حزبية.
وفي الشأن الخارجي، أكد إمام جمعة بغداد رفضه لأي شكل من أشكال الهيمنة الأجنبية على القرار العراقي، معتبراً أن الولايات المتحدة ما زالت تمارس تأثيراً واسعاً على الواقع السياسي والعسكري والاقتصادي في العراق. ودعا الحكومة إلى التمييز بين بناء الدولة الوطنية المستقلة وبين إخضاع الدولة لإرادات خارجية.
كما أكد السيد الموسوي أن الدولة الوطنية الحقيقية ينبغي أن تمتلك عناصر القوة الكفيلة بحماية سيادتها واستقلالها، وأن تستعين بحلفائها عندما تفتقر إلى بعض مقومات القوة اللازمة للدفاع عن مصالحها.
وانتقد ما وصفه بمواقف "الحياد الباطل" تجاه الصراعات المصيرية التي تمس الأمة والمنطقة، معتبراً أن بعض الجهات رفعت شعار الحياد في الوقت الذي استمرت فيه الولايات المتحدة وإسرائيل بممارسة نفوذهما وتوسيع حضورهما العسكري والأمني.
وأشار إلى أن السكوت على التدخلات الخارجية والهيمنة الأمريكية لا ينسجم مع مقتضيات السيادة الوطنية، متسائلاً عن مبررات منع قوى المقاومة من مواجهة الاحتلال في ظل استمرار النفوذ الأجنبي.
ورأى أن الوقوف على الحياد في معارك الحق والباطل لا يمكن تبريره وطنياً أو أخلاقياً، مؤكداً أن العراق بحاجة إلى موقف يحفظ استقلاله ويرفض الخضوع للإرادات الخارجية، ولا سيما في ظل استمرار الضغوط والتدخلات الأمريكية في الشأن العراقي والإقليمي.
واختتم خطبته بالتأكيد على أن العراق لا يزال يواجه تحديات كبيرة على صعيد الاستقلال والسيادة وبناء المؤسسات، داعياً جميع القوى السياسية والاجتماعية إلى العمل المشترك من أجل ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وبناء عراق قوي مستقل قادر على حماية شعبه ومصالحه الوطنية.