ایکنا

IQNA

أستاذ في الجامعة الإسلامية بإندونيسيا:

"جون إل. إسبوزيتو"؛ راوٍ للإسلام الحضاري في مواجهة مشروع الإسلاموفوبيا

13:53 - July 19, 2026
رمز الخبر: 3505582
إکنا: أكد الأستاذ الزائر بكرسي الدراسات الإسلامية في الجامعة الإسلامية الدولية بإندونيسيا، "الدكتور يحيى جهانغيري السهروردي"، أن رحيل الباحث الأمريكي البارز جون لويس إسبوزيتو لايمثّل مجرد خسارة لأستاذ جامعي، بل هو فقدان لأحد أكثر الشخصيات تأثيراً في مسار الدراسات الإسلامية المعاصرة في الغرب.
وأكد الأستاذ الزائر بكرسي الدراسات الإسلامية في الجامعة الإسلامية الدولية بإندونيسيا، الدكتور يحيى جهانغيري السهروردي، أن رحيل الباحث الأمريكي البارز جون لويس إسبوزيتو لايمثّل مجرد خسارة لأستاذ جامعي، بل هو فقدان لأحد أكثر الشخصيات تأثيراً في مسار الدراسات الإسلامية المعاصرة في الغرب؛ إذ كرّس أكثر من خمسة عقود لتقديم الإسلام والمسلمين إلى العالم الغربي بعيداً عن صور الخوف والعنف والصراع، ومن خلال سياقهم التاريخي والحضاري والديني والسياسي وواقع حياتهم.

وفي حوار خاص له مع وكالة الأنباء القرآنية الدولية(إکنا)، استعرض جهانغيري السيرة العلمية والفكرية لإسبوزيتو، متناولاً أبرز محطات حياته وإسهاماته الأكاديمية، ودوره في مكافحة الإسلاموفوبيا، وتعزيز الحوار بين الأديان، وإعادة تقديم الإسلام بوصفه أحد المكونات الأساسية للحضارة الإنسانية.

رحيل أحد مهندسي الدراسات الإسلامية الحديثة

وفي مستهل حديثه، أشار الدكتور جهانغيري إلى وفاة جون لويس إسبوزيتو، الباحث الأمريكي البارز وأستاذ الدراسات الإسلامية والعلاقات الدولية المتقاعد في جامعة جورجتاون، موضحاً أنه توفي في 15 يوليو/تموز 2026 بمدينة فيلادلفيا عن عمر ناهز 86 عاماً، إثر مضاعفات عملية جراحية في القلب.

وأضاف أن إسبوزيتو لم يكن أستاذاً جامعياً فحسب، بل كان مؤسس مركز التفاهم الإسلامي ـ المسيحي في جامعة جورجتاون، وأحد مؤسسي مشروع «بريدج» المتخصص في دراسة الإسلاموفوبيا ومواجهتها، وهو ما دفع جامعة جورجتاون إلى اعتباره من أبرز الشخصيات التي أسهمت في تأسيس الدراسات الحديثة المتعلقة بالإسلام والمجتمعات الإسلامية.

من اللاهوت المسيحي إلى الدراسات الإسلامية
 
وتناول الأستاذ الزائر بكرسي الدراسات الإسلامية في الجامعة الإسلامية الدولية بإندونيسيا البدايات العلمية لإسبوزيتو، موضحاً أنه ولد عام 1940 في حي بروكلين بمدينة نيويورك، لأسرة أمريكية من أصول إيطالية تنتمي إلى الكنيسة الكاثوليكية، ونشأ في بيئة دينية دفعت به في شبابه إلى التفكير في الالتحاق بسلك الكهنوت.

وأوضح أن إسبوزيتو واصل دراسته في مجال اللاهوت حتى حصل عام 1974 على درجة الدكتوراه من جامعة تمبل، قبل أن يتجه إلى الدراسات الإسلامية في مسار لم يكن مخططاً له منذ البداية.
 
وبيّن جهانغيري أن إسبوزيتو روى في أكثر من مناسبة أن رئيس القسم الأكاديمي اقترح عليه الدراسة على يد المفكر الفلسطيني الأمريكي إسماعيل راجي الفاروقي، ورغم تردده في البداية، فإن أسلوب الفاروقي العلمي ورؤيته للحضارة الإسلامية أحدثا تحولاً جذرياً في نظرته إلى الإسلام، وغيرا مسار حياته الأكاديمية بصورة كاملة.

الإسلام جزء من التقليد الإبراهيمي

وأشار الدكتور جهانغيري إلى أن إحدى أهم الركائز الفكرية في مشروع إسبوزيتو العلمي تمثلت في اعتقاده بأن الإسلام لا ينبغي أن يُدرَّس في الجامعات الغربية بوصفه ديناً شرقياً إلى جانب الهندوسية أو البوذية، وإنما باعتباره امتداداً للتقليد الإبراهيمي، وفي إطار علاقته التاريخية واللاهوتية باليهودية والمسيحية.

وأكد أن هذه الرؤية شكلت إحدى الدعائم الأساسية لمشروعه الأكاديمي، الذي سعى إلى تقديم الإسلام لا باعتباره ديناً غريباً عن الغرب، وإنما أحد الديانات التوحيدية الكبرى التي أسهمت في تشكيل الحضارة الإنسانية.

نقد الصور النمطية السائدة عن الإسلام

وتطرق جهانغيري إلى الظروف الفكرية والسياسية التي شهدت انطلاق المشروع العلمي لإسبوزيتو، موضحاً أنه بدأ اهتمامه بالدراسات الإسلامية في مرحلة لم يكن فيها الإسلام يحتل موقعاً مركزياً في الإعلام والسياسة الأمريكية، إلا أن انتصار الثورة الإسلامية في إيران، والتطورات في أفغانستان، وصعود الحركات الإسلامية، ثم أحداث الحادي عشر من سبتمبر، جعلت الإسلام أحد أكثر القضايا حضوراً في الخطاب السياسي والإعلامي الغربي.

وأضاف أن إسبوزيتو وقف في مواجهة اتجاهين سائدين؛ أولهما الاتجاه الذي يصور الإسلام ديناً عنيفاً بطبيعته، ومعادياً للديمقراطية والحضارة الغربية، وثانيهما الاتجاه الذي يتعامل مع جميع المجتمعات والحركات الإسلامية باعتبارها كياناً واحداً متجانساً.

وأوضح أن إسبوزيتو كان يؤكد باستمرار أن الإسلام ليس ظاهرة أحادية، وأن التنوع يمثل سمة أصيلة في العالم الإسلامي، ولذلك لا يجوز تعميم سلوك جماعة متطرفة أو سياسات دولة معينة على القرآن الكريم أو النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) أو مجموع المسلمين. كما كان يحذر من أن تعميم أفعال أقلية متطرفة على جميع المسلمين لا يفتقر إلى الدقة العلمية فحسب، بل يسهم أيضاً في تكريس التمييز وتعزيز ظاهرة الإسلاموفوبيا.

مؤلفات جعلت الدراسات الإسلامية مراجع أكاديمية عالمية

وأشار الدكتور يحيى جهانغيري إلى أن النتاج العلمي لإسبوزيتو يُعدّ من أوسع وأغزر الإنتاجات الأكاديمية في مجال الدراسات الإسلامية، مبيناً أنه، وفقاً لجامعة جورجتاون، ألّف أكثر من خمسة وخمسين كتاباً، إلى جانب أكثر من مائة دراسة وبحث علمي، تُرجمت إلى عشرات اللغات، وتحول عدد كبير منها إلى مراجع أساسية تُدرّس في الجامعات حول العالم.

وأضاف أن إسبوزيتو تولّى كذلك الإشراف العلمي ورئاسة تحرير عدد من أهم الموسوعات الأكاديمية الصادرة عن جامعة أكسفورد والمتخصصة في الدراسات الإسلامية، الأمر الذي أسهم في ترسيخ مكانته بوصفه أحد أبرز أعلام هذا الحقل العلمي.

تقديم الإسلام بعيداً عن القوالب السياسية الجاهزة
 
وأوضح أن مؤلفات إسبوزيتو لم تقتصر على التعريف بالإسلام، بل سعت إلى تقديم فهم علمي متكامل له ولتاريخه ومجتمعاته.

وأشار إلى أن كتابه «الإسلام... الطريق المستقيم» يُعدّ من أشهر أعماله، ومنذ صدوره عام 1988 أصبح واحداً من أهم الكتب التمهيدية المعتمدة في التعريف بالإسلام؛ إذ يبدأ بعرض سيرة النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) والقرآن الكريم، ثم ينتقل إلى تاريخ المجتمعات الإسلامية، والعقائد، والشعائر، وحركات الإصلاح، وقضايا العالم الإسلامي المعاصر.

وأضاف أن إسبوزيتو تناول في كتابه «الإسلام والسياسة» العلاقة بين الدين والسياسة في العالم الإسلامي، متناولاً تطور الحركات الإسلامية، وتأثير الاستعمار، وتجارب الدول التي نالت استقلالها، مؤكداً أنه لا يمكن اختزال الإسلام السياسي في العنف أو التطرف، بل ينبغي التمييز بين الحركات الإصلاحية، والتيارات المشاركة في العملية الانتخابية، والحركات الثورية، والجماعات التي تتبنى العنف.

كما لفت إلى أن كتاب «التهديد الإسلامي... أسطورة أم حقيقة؟» ناقش سؤالاً محورياً برز بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، وهو ما إذا كان الإسلام قد أصبح العدو الجديد للغرب، موضحاً أن إسبوزيتو، رغم اعترافه بوجود جماعات متطرفة، رفض تصوير الإسلام باعتباره عدواً واحداً ومتجانساً، وعدّ ذلك تشويهاً لحقيقة العالم الإسلامي وتعقيداته.

وأضاف أن كتابه «ما الذي ينبغي لكل شخص أن يعرفه عن الإسلام؟» قدّم للقارئ الغربي، بأسلوب السؤال والجواب، شرحاً مبسطاً لقضايا القرآن الكريم، والنبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، ومكانة السيد المسيح (عليه السلام) والسيدة مريم (عليها السلام) في الإسلام، والجهاد، والشريعة، والمرأة، والديمقراطية، والعلاقة بين المسلمين والغرب، حتى أصبح بالنسبة لكثير من القراء أول مدخل علمي رصين للتعرف على الإسلام بعيداً عن تأثير الخطاب الإعلامي.

الفصل بين الإسلام والتطرف

وأشار جهانغيري إلى أن إسبوزيتو أولى اهتماماً خاصاً لهذه القضية بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، مبيناً أنه في كتابه «الحرب غير المقدسة... الإرهاب باسم الإسلام» ميّز بوضوح بين مفهوم الجهاد في التراث الإسلامي وبين توظيف الجماعات الإرهابية لهذا المفهوم لأغراض أيديولوجية.

وأوضح أن إسبوزيتو كان يرى أن ظاهرة التطرف لا يمكن تفسيرها من خلال النصوص الدينية وحدها، وإنما يجب تحليلها في ضوء عوامل سياسية واجتماعية متعددة، من بينها الاحتلال العسكري، والاستبداد الداخلي، وأزمات الدولة، والشعور بالتمييز والإقصاء.

وأضاف أن كتاب «من يتحدث باسم الإسلام؟ ماذا يفكر مليار مسلم حقاً؟» اعتمد على نتائج استطلاعات رأي واسعة أجريت في بلدان إسلامية، بدلاً من الاكتفاء بروايات الحكومات أو وسائل الإعلام، وأظهر أن نسبة كبيرة من المسلمين تجمع بين الالتزام الديني والرغبة في العدالة والتنمية والمشاركة السياسية وإقامة علاقات قائمة على الاحترام المتبادل مع الغرب، وهو ما ينفي الادعاء بوجود تعارض جوهري بين الإسلام والديمقراطية.
 
مهندس المراجع العلمية في الدراسات الإسلامية

وفي سياق حديثه عن الدور المؤسسي لإسبوزيتو، أوضح الأستاذ الزائر بكرسي الدراسات الإسلامية أن إسهاماته لم تقتصر على تأليف الكتب، بل امتدت إلى الإشراف على إعداد أهم المراجع العلمية في هذا المجال.

وأشار إلى أنه تولّى رئاسة تحرير وإعداد أعمال مرجعية بارزة، من بينها موسوعة أكسفورد للعالم الإسلامي، وموسوعة أكسفورد للعالم الإسلامي المعاصر، وتاريخ الإسلام الصادر عن أكسفورد، وقاموس أكسفورد للإسلام، إضافة إلى الموسوعة الثلاثية «العالم الإسلامي... الماضي والحاضر»، كما تُرجمت كتبه ومقالاته إلى خمسة وثلاثين لغة.

وأكد أن أهمية إسبوزيتو لم تكمن في كتابة مداخل هذه الموسوعات فحسب، وإنما في دوره بوصفه «مهندساً علمياً» استطاع أن يجمع تحت مظلة مشروع واحد نخبة واسعة من الباحثين والمتخصصين ذوي الاتجاهات العلمية المختلفة، بهدف تقديم صورة أكثر شمولاً وتوازناً عن الإسلام والمجتمعات الإسلامية.

التشيع في الدراسات الغربية... قراءة تتجاوز السرديات السياسية
 
وتناول الدكتور يحيى جهانغيري رؤية إسبوزيتو للتشيع، موضحاً أنه، وإن لم يكن متخصصاً في علم الكلام أو الفقه الشيعي بالمعنى التقليدي، فإن التشيع، ولا سيما التجربة السياسية والاجتماعية للشيعة في إيران، احتل مكانة مهمة في مشروعه العلمي.

وأضاف أن من أبرز مؤلفاته في هذا المجال كتاب «الثورة الإيرانية وتأثيرها العالمي» الصادر عام 1990، إلى جانب كتاب «إيران على مفترق الطرق»، اللذين تناولا الثورة الإسلامية في إيران وتطورات الجمهورية الإسلامية من منظور يتجاوز الشأن الداخلي، مع إبراز أبعادها الإقليمية والدولية.

وأشار إلى أن الموسوعات العلمية التي أشرف عليها إسبوزيتو خصصت مداخل مستقلة للتشيع، والفكر السياسي الشيعي، والثورة الإسلامية، والإمام الخميني (قدس سره)، والمؤسسة الدينية الشيعية، والتطورات السياسية والاجتماعية في إيران، وهو ما أسهم في ترسيخ حضور التشيع في الدراسات الأكاديمية الغربية بوصفه تقليداً دينياً وفكرياً واجتماعياً مستقلاً، لا مجرد امتداد للأحداث السياسية المعاصرة.

نقل الحوار بين الأديان من مستوى الشعارات إلى الواقع

وأوضح الأستاذ الزائر بكرسي الدراسات الإسلامية في الجامعة الإسلامية الدولية بإندونيسيا أن من أبرز الإنجازات الخالدة لإسبوزيتو تأسيس مركز التفاهم الإسلامي ـ المسيحي في جامعة جورجتاون عام 1993، مبيناً أن أهمية هذه الخطوة تتجلى في كون الجامعة ذات جذور مسيحية يسوعية، الأمر الذي جعل إنشاء مركز دائم لدراسة الإسلام والعلاقات الإسلامية ـ المسيحية خطوة مؤسسية رائدة في ترسيخ الحوار بين الأديان.

وأضاف أن هذا المركز تحول تدريجياً إلى واحد من أهم المراكز البحثية العالمية المتخصصة في دراسة العلاقات بين الإسلام والغرب، والإسلام السياسي، وأوضاع المسلمين في الولايات المتحدة وأوروبا، والحوار بين الأديان، والإسلاموفوبيا.

كما أشار إلى أن إسبوزيتو أطلق أيضاً مشروع «بريدج»، الذي ركز على الدراسة العلمية لشبكات الإسلاموفوبيا، وخطاباتها، وآثارها الاجتماعية.
وأكد جهانغيري أن إسبوزيتو لم يكن ينظر إلى الحوار الإسلامي ـ المسيحي بوصفه مجرد لقاءات رمزية بين القيادات الدينية، بل كان يؤمن بأن الحوار الحقيقي ينبغي أن ينعكس على تطوير المناهج التعليمية، وتصحيح الخطاب الإعلامي، وتأهيل الدبلوماسيين، وتعزيز المعرفة المتبادلة بين الجامعات، ومواجهة جميع أشكال التمييز الاجتماعي.

الربط بين الجامعة والمجتمع وصناعة القرار

وأشار إلى أن من أبرز مميزات إسبوزيتو قدرته على تجاوز الإطار الأكاديمي التقليدي، حيث نجح في بناء جسور فاعلة بين الجامعة والمجتمع.
 
وأوضح أنه، إلى جانب نشاطه العلمي، قدّم الاستشارات للحكومات، والمنظمات الدولية، ووسائل الإعلام، ومراكز صناعة القرار، الأمر الذي جعل أفكاره وأبحاثه تتجاوز حدود الجامعات لتؤثر في النقاشات العامة والسياسات المرتبطة بالعالم الإسلامي.

وأضاف أن إسبوزيتو يُعدّ الشخصية الوحيدة التي تولت رئاسة كل من جمعية دراسات الشرق الأوسط في أمريكا الشمالية والأكاديمية الأمريكية للدين، فضلاً عن حصوله على سبع شهادات دكتوراه فخرية والعديد من الجوائز العلمية المرموقة في مجالات الدراسات الإسلامية والتعليم وتعزيز الفهم العام للأديان، وهو ما يعكس مكانته الرفيعة في الأوساط الأكاديمية الدولية.

مقاربة حظيت بالتقدير... ولم تخلُ من الانتقادات

وفي معرض تقييمه للمشروع الفكري لإسبوزيتو، أوضح جهانغيري أن هذا المشروع لم يحظ بإجماع كامل داخل الأوساط الأكاديمية.

وبيّن أن بعض الباحثين رأوا أنه كان متفائلاً أكثر من اللازم في تقييم بعض الحركات الإسلامية، أو أنه، في سعيه لمواجهة الإسلاموفوبيا، لم يمنح ما يكفي من الاهتمام للنزعات السلطوية لدى بعض التيارات الإسلامية.

لكنه شدد في المقابل على أن هذه الملاحظات لم تقلل من حقيقة أن حتى منتقدي إسبوزيتو يعترفون بدوره المحوري في إدخال الدراسات الإسلامية المعاصرة إلى صلب الجامعات الأمريكية، ووسائل الإعلام، ومراكز صناعة القرار.

إرث يتجاوز عشرات الكتب والمقالات

وفي ختام الحوار، قال الدكتور يحيى جهانغيري إن جون إل. إسبوزيتو لم يكن مفسراً للقرآن الكريم بالمعنى التخصصي، ولا فقيهاً، ولا باحثاً في المخطوطات الإسلامية، وإنما تمحور مشروعه العلمي حول دراسة الإسلام المعاصر، والعلاقة بين الدين والسياسة، والعلاقات بين الإسلام والغرب، والحركات الإسلامية، والديمقراطية، والإسلاموفوبيا، والحوار بين الأديان.

وأضاف أن الإرث الحقيقي الذي تركه إسبوزيتو يمكن تلخيصه في مبدأ أساسي، وهو أن الإسلام والمسلمين ينبغي أن يُدرسا بالقدر نفسه من الدقة والتنوع والعمق الذي تُدرس به الحضارة الغربية، والمسيحية، والمجتمعات الغربية، مؤكداً أن الفهم الصحيح للإسلام لا يتحقق إلا بالابتعاد عن الصور النمطية والأحكام المسبقة والروايات التبسيطية.

وأوضح أن إسبوزيتو، في مرحلة كان فيها الخطاب الإعلامي الغربي يربط الإسلام بالحروب والإرهاب والثورات والأزمات، سعى إلى فتح أفق آخر أمام الرأي العام، يبرز القرآن الكريم، والحضارة الإسلامية، والحياة اليومية للمسلمين، والتعدد المذهبي، وإسهامات العلماء، ودور المرأة، والنشاط المجتمعي، والتنوع الواسع الذي يميز العالم الإسلامي.

واختتم جهانغيري حديثه بالتأكيد على أن وفاة جون إل. إسبوزيتو تمثل خسارة لباحث لم يكن مسلماً، ولم يسعَ يوماً إلى التحدث نيابة عن المسلمين، لكنه كان يؤكد دائماً أن إصدار أي حكم على الإسلام يجب أن يسبقه فهم علمي صحيح له.

وقال في ختام حديثه: "لعل أعظم ما تركه إسبوزيتو يتمثل في أنه شيّد جسراً من المعرفة والحوار بين عالمٍ أكثر الحديث عن الإسلام، وشعوبٍ لم تُتح لها في كثير من الأحيان فرصة تقديم نفسها إلى الآخرين بصورة مباشرة."
captcha