بقلم الباحث اللبنانی فی الدراسات الدینیه "السید بلال الوهبی"
قال الله تعالى: "طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ" [محمد: 21].
هذه الآية الكريمة تتمة لآية سبقتها وهي قوله تعالى: "وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَىٰ لَهُمْ ﴿محمد:20﴾" حيث تذكر الآية الكريمة تعاملَ صنفين من الناس مع الأمر بالجهاد في سبيل الله:
الصنف الأول: المؤمنون المخلصون في إيمانهم، الذين كانوا ينتظرون نزول الأمر الإلهي بالجهاد، ويتشوَقون إليه، ويقولون: هلّا أُنزِلَت سورة تأمرنا به، فإذا أنزلت سورة واضحة الدلالة في الأمر به فرحوا بها، وعلت وجوههم الغبطة، واستبشروا بما هم مقبلون عليه، رجاء ثواب الله ونيل مرضاته، ودفاعًا عن حريم الدين والوطن.
الصنف الثاني: المنافقون المندسّون في صفوف المؤمنين، الذين يكثرون من الادعاءات الفارغة فيسابقون المؤمنين في انتظار أن ينزل وحي بالجهاد، فإذا نزل شقَّ ذلك عليهم، وشخصت أبصارهم هلَعًا وجُبنًا من لقاء العدو، ونظروا مغتاظين بحدَّة وتحديق كمن يشخص بصره حين الموت. ونحو الآية قوله تعالى: *أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَىٰ وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا ﴿النساء: 77﴾*.
هذا الصنف (المنافقون) يهددهم الله ويتوَعَّدهم بقوله *(فَأَوْلَىٰ لَهُمْ) أي فالموت أولى لمثل هؤلاء المنافقين، إذ حياتهم ليست في طاعة الله، فالموت خير منها، وقد يكون المعنى على التهديد والوعيد والدعاء عليهم بالهلاك، فكأنه قيل: أهلكهم الله هلاكا أقرب لهم من كل شر وهلاك، فهو نحو قولهم في الدعاء: بُعدًا له وسُحقًا.
في هذا السياق تأتي الآية التي نبحثها وهي قوله تعالى: "طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ" أي أن المنافقين يظهرون الطاعة، ويتكلمون بالكلام الطيِّب، ولكنه كلام معسول لا يتجاوز الشفتين، كلام غير صادق، ومواقف ظاهرية لا واقعية لها، فلو أنهم حين عزم الأمر ونزل الوحي بالقتال صدقوا الله فيما قالوا، وأطاعوه فيما يأمرهم به لكان خيرًا لهم.
والحق أن الالتزام بالتكليف الإلهي هو المعيار الذي يثبت صدق الإيمان من عدمه، وصدق القول من كذبه، فليس المهم ما يقول المرء وما يدعيه، بل التزامه بما يقول هو المعيار الحقيقي لصدق إيمانه ومواقفه، وادعاء الطاعة دون الالتزام بها عمليًا لا فائدة منه. بل يكشف عن نفاق يعتمل في الصدور، فحقيقة الالتزام الذي التزموه أمام الله بإعلانهم كلمة الإيمان، هو طاعة تحدِّد الموقف الحاسم، وقول معروف يؤكد الالتزام، لأن الإيمان عهد بين الله وبين عباده أن يطيعوه ولا يعصوه، ويلتزموا كلمته ولا ينحرفوا عنها، فإذا عزم الأمر واشتَدَّ، وتحول إلى حالة جدية لا تحتمل الجدل ولا الهزل، فلا بد من أن يصدقوا الله عهده، لأن ذلك هو المفروض من المؤمنين الذين يحترمون كلمتهم. ولكنهم لم يفعلوا، مما جعلهم في موقع بعيد عن الحق والحكمة، فلو صدقوا الله لكان خيرًا لهم لأنه يقربهم إليه، ويحقق لهم النتائج الكبيرة على مستوى المصير. ولكنهم لم يصدقوا ولم يلتزموا، بل ضعفوا وسقطوا في امتحان الإيمان، مما يوحي بأنهم لم يكونوا في مستوى المسؤولية الإيمانية.
فالأولى بالمؤمنين الطاعة المطلقة، لما يدعوهم الله إليه، وهو القول المعروف، أي الحَسَن الذي يلقى المؤمنون به ما يتنزل عليهم من عند الله، فهذا قول باللسان المفروض أن يكشف عن إيمان حقيقي، فإذا جاء وقت الابتلاء والاختبار أكمل المؤمنون إيمانهم، بأن يجعلوا هذا الكلام الذي نطقت به ألسنتهم، وكشفت به عن ظاهر حَسَنٍ لهم، أن يجعلوا هذا الكلام عملًا واقعًا، وأن يَصَدِّق فعلهم قولهم، فإن قولًا لا يُصَدِّقه الفعل هو باب من أبواب النفاق.
فالمنافقون يقولون، ويدَّعون، لكن ادعاءاتهم وأقوالهم سريعًا ما تنكشف على حقيقتها حين يجيء الأمر من عند الله، ويُدعى إلى قتال الأعداء، فعندها يمتاز المنافقون عن المؤمنين الحقيقيين، ويظهر الصادقون والكاذبون.