ایکنا

IQNA

صفاء الحياة لا يمكن أن يقبل رجاسة النفاق

11:10 - July 20, 2026
رمز الخبر: 3505594
صفاء الحياة لا يمكن أن يقبل رجاسة النفاقبقلم الباحث اللبناني في الدراسات الاسلامية "السيد بلال وهبي"

قال الله تعالى: أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ ﴿محمد: 29﴾
 
يظن المنافقون أنهم دهاة أذكياء، وحاذقون عباقرة، وأن في مقدورهم أن يُخفوا نفاقهم عن الآخرين، وأن يتكتموا على أحقادهم وأضغانهم بكلامهم الجميل المعسول، وما يُظهرونه من مواقف تتشابه مع مواقف أهل الحق، وقد تتقدم عليها، لكنهم واهمون، فإن النفاق يأبى بطبعه الخفاء، والمنافق يعجز عن إخفاء نفاقه بما يظهر على وجهه من علامات غير إرادية، وما يظهر على لسانه من فلتات. 
 
"أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ" تقول الآية الكريمة: أوقع في ظن المنافقين الذين في قلوبهم مرض، أن الله تعالى سيستر عليهم نفاقهم، ولا يكشف الخبث الذي انطوت عليه نفوسهم، والحقد الذي تغلي مراجله فى صدورهم، ضِغنًا على أهل الحق، وكيدًا ومكرًا بهم؟. أحسب هؤلاء المنافقون أن يظل نفاقهم مستورًا، دون أن يفضحه الله ويفضحهم به على أعين الناس؟. إنّهم لواهمون، مخدوعون، بما يصور لهم هذا الوهم.
 
إن الله سبحانه يأبى إلا أن يفضح النفاق والمنافقين، لأن خفاءهم يتسبب في نتائج خطيرة على المجتمع، وعلى استقراره، وأمنه، وقوته، فهم الفئة الأخطر عليه من كل عدوان خارجي، لأنهم يوطؤون ويهيؤون الظروف له، ِممّا يُسهِّل عليه مهمته، والتجربة التاريخية شاهد صدق على أن ما من عدوان خارجي تمكَّن من احتلال بلد آخر أو هزيمته، إلا واستعان بالمنافقين والمبغضين في ذلك البلد، لذلك يأبى الله تعالى إلا أن يكشف النفاق ويُعرِّي المنافقين.
 
وهذه سُنَّة لا تختص بعصر النبوة، ولا بالمنافقين الذين عاصروا رسول الله (ص)، بل هي سُنَّة ماضية في كل زمان، فما استقرَّ في القلب لا بد أن يفيض على الجوارح، وما امتلأت به النفس لا بد أن يترجمه اللسان أو السلوك، ولو بعد حين. فقد يستطيع الإنسان أن يتكلَّف موقفًا، أو يتصنَّع خُلُقًا، أو يتجمَّل بكلمات منمَّقة، ولكنه لا يستطيع أن يعيش عمره كله ممثلًا، إذ لا تلبث الأحداث والشدائد، ومواطن الفتنة والاختبار، أن تنتزع عنه الأقنعة، فيتكلم بما يوافق حقيقة قلبه، ويتصرف بما ينسجم مع باطنه، وعندئذ يخرج الله أضغانه، لا بمعجزة خارقة، وإنما بإجراء سننه الجارية في النفوس والحياة.
 
وقد أخبرنا سبحانه بالطريقة التي نتعرَّف بها على المنافقين، فإمّا أن يكشف الله أشخاصهم وأسماءهم بوحي، وهذا مختص برسول الله (ص) أو بإلهام منه تعالى، وهذا قد يحدث لأولياء الله من وذوي البصائر، أو بما يظهر على وجوههم وحركات أبدانهم وفلتات ألسنتهم، وطبيعة مواقفهم، يقول الله تعالى: وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ ﴿محمد: 30﴾ ومعنى الآية أنه لو شاء الله سبحانه  أن يَسِمَ المنافقين بسمات مادية، بطبعها على وجوههم، فلا يراهم أحد إلا عرف أنهم منافقون، لو شاء الله أن يفعل ذلك بهم لفعله، ولرآهم النبي رأى العين، ولرآهم الناس معه، ولكنه سبحانه لم يشأ في حكمته أن يشاء ذلك، إذ لو أنه حدث لكان فتنة للناس، وكيف لا يُفتن الناس إذا كان ما يُسِرُّونه في أنفسهم، وما يودعونه ضمائرهم، يظهر مجسَّدًا عليهم؟ ثم كيف لا يُفتَنون إذا فعل أحدهم فعلًا قبيحًا لم يطَّلع عليه أحد، ثم إذا هذا الفعل قد لبس صاحبه، وأخذ ينادى في الناس بهذا المنكر الذي فعله صاحبه؟ كيف يكون حال الناس لو أن هذا كان حادثا فيهم؟ إنه لو كشف للناس عمّا انطوت عليه صدورهم، لما جمعتهم جامعة أبدًا، ولما التقى أحدهم بالآخر إلا على عداوة وعدوان.
 
وإذ لم يشأ الله أن يكشفهم بأسمائهم للعلَّة التي تقدمت، لكنه شاء أن يعطينا العلامات التي نتعرَّف بها عليهم، وذلك بالتدقيق في كلامهم، ومواقفهم، وما يجري على ألسنتهم من زور وبهتان وافتراء، ومن توهين، وتحريف، وتثبيط، وتخذيل، وتعظيم لعدو وقدراته، وبث للخوف، وترويج للشائعات. وهذا ما تؤكِّده التجربة أيضًا.
 
خلاصة القول: إن النفاق مكشوف لا محالة، والمنافقون مهما تستَّروا وتخفُّوا فلا بد أن تكشف الأيام والمواقف حقيقتهم، وتُظهر الضغينة التي تغلي في نفوسهم، لأن صفاء الحياة لا يمكن أن يقبل رجاسة النفاق أبدًا.
captcha