بقلم الباحث والأكاديمي الايراني "ولي الله مهدوي"
في عصر تتحدى فيه القوى المهيمنة أمن وهوية المجتمعات الدينية بأدوات جديدة، يبدو أن إعادة قراءة
القرآن الكريم لا كـتقرير تاريخي، بل كـ "دفتر استراتيجي" ضرورة حتمية.
إن سورة الفيل المباركة في الواقع هي عقيدة شاملة للردع ونموذج عملي لمواجهة التهديدات التخريبية، إذ تقدّم حلولاً دقيقة لحماية سلامة الحضارة الإسلامية.
أولاً: النموذج ذو المراحل الأربع: من تعطيل الحسابات إلى انهيار الهيمنة
حيث تشرح هذه السورة المنطق الإلهي لمواجهة التهديد من خلال رسم مسار من أربع مراحل وهي:
• إبطال الخطة: حيث تُشير الآية "ألَم يَجعَل كيدهُم في تضليل" إلى أهمية "الحرب المعرفية".
• التدخل غير التقليدي: وتُشير الآية "وَأَرْسَلَ عَلَیْهِمْ طَیْرًا أَبَابِیلَ" إلى أن استغلال القدرات الخفية والمفاجئة والتي تتجاوز التقديرات التقليدية أداة لتُغير موازين القوى لصالح جبهة الحق.
• ضربة قاضية ودقيقة: إذ تُشير الآية الكريمة "تَرْمِیهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّیلٍ" إلى تحطيم حسابات العدو، ليحين وقت الضربة القاضية.
• انهيار الهيمنة: حيث تُشير الآية "فَجَعَلَهُمْ کَعَصْفٍ مَأْکُولٍ" إلى المرحلة الأخيرة وهي انهيار عظمة العدو.
ثانياً: الرابط الاستراتيجي: الكفار؛ أساس الصمود
لا يتشكل هذا النموذج الحضاري في فراغ، بل يرتبط ارتباطاً وثيقاً بسورة "الكافرون"، حيث أُمر الرسول الأعظم(ص) بـ "رفض المساومة على العقيدة" وتُشكّل هذه المقاومة التوحيدية، بطبيعتها، أساساً لتصعيد التهديدات العملية والعسكرية للعدو.
ومن هذا المنطلق، تُعدّ سورة الفيل بمثابة "الاستجابة العملية" لتلك المقاومة العقائدية؛ أي أن المجتمع الذي يُحدّد "هويته" في مواجهة العدو في سورة الكافرون يضمن "أمنه" في سورة الفيل.
تُعلّم سورة الفيل الأنظمة التوحيدية المعاصرة أنه في أكثر المواقف الأمنية تعقيداً، من خلال طلب العون الإلهي واتخاذ موقف "العدوان الخطابي والاستراتيجي"، يمكن كسر هيمنة الظالمين.
وهذه السورة هي الانتقال من مرحلة "الدفاع السلبي" إلى "النشاط السلطوي"؛ منطق يحول التهديد الوجودي إلى هزيمة حتمية للعدو ويؤسس لاستقلال هوية الأمة الإسلامية في النظام العالمي الجديد.