ایکنا

IQNA

القرآن قد أمر بقبول السلم إذا كان فيه مصلحة للمؤمنين

14:32 - July 21, 2026
رمز الخبر: 3505616
القرآن قد أمر بقبول السلم إذا كان فيه مصلحة للمؤمنينبقلم الباحث اللبناني في الشؤون الدينية "السيد بلال الوهبي"

قال الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم: فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ ﴿محمد: 35﴾. 
 
لا يترك الله المؤمنين من رعايته وعنايته، فهو وليهم في الدنيا وفي الآخرة، وهم أولياؤه المخلصون، يواكبهم في جميع أحوالهم، ويسددهم، ويبصِّرهم بأمورهم، ويلهمهم ما ينبغي أن يفعلوه، ويثبِّت أقدامهم، ويحذرهم من أي خطوة ناقصة تؤدي إلى عواقب وخيمة على مسيرتهم، وتعرقل مشروعهم.
 
في هذا السياق تأتي الآية الكريمة التي يحذِّر الله فيها عباده المؤمنين من الانزلاق إلى ما يدعوهم إليه أعداؤهم من سِلمٍ أخطر في نتائجه من الحرب والقتال، فلعل فيهم أفراداً يستثقلون تكاليف الجهاد ومشقة القتال، وتَهِنُ عزائمهم، ويرغبون في السِّلم والمهادنة ليستريحوا، ويخفِّفوا من بذل الأثمان، معتقدين أن هذا هو الأسلم، وأن هذا الخيار يحمي لهم ما تبقى من مكتسبات، فتأتي هذه الآية لتعالج هذا الوَهن، وتلك الخواطر الفطرية. فتنهى عن الوهن والضعف، وعن الاستسلام للتعب والمشقة، وعن تصديق العدو الذي يقارب ليطعن، ويدعو إلى السلم ليحشُد ويُعِد عُدَّته، ويستعد للجولة القادمة.
 
وليس المراد من الآية أن الإسلام دين حرب لا يعرف السِّلمَ، أو أنه ينهى عن كل صلح ومهادنة، فإن القرآن نفسه قد أمر بقبول السلم إذا كان فيه مصلحة حقيقية للمؤمنين، فقال سبحانه: وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴿الأنفال: 61﴾، وإنما المنهي عنه هنا أن تكون الدعوة إلى السِّلم ثمرة الوهن، ونتيجة الخوف، وانهيار العزائم، بحيث يطلب المؤمنون السِّلم لأنهم فقدوا الثقة بالله، أو استسلموا لضغط العدو، أو رضوا بالدنية في دينهم. فالقرآن لا ينهى عن السلم، وإنما ينهى عن السلم الذي يولَد من الضَّعف، كما لا يمدح الحرب لذاتها، وإنما يمدح القوة التي تصون الحق وتحمي الكرامة.
 
أنتم الأعْلَون أيها المؤمنون، تقول الآية، فلِمِ الوَهن والضَّعف، ولِمَ الدعوة إلى مسالمة عدو غادر فاجر، أنتم الأعْلَون وعدوك ضعيف منهَك القوى، ولو كان قويًا قادرًا لما دعاكم إليها، فالمجرم القاتل، والمحتل الناهب لا يقبل السِّلمَ ما دام قادرًا على تحقيق أهدافه، هذا هو طبعه، فإذا رأيتموه يدعو إلى السِّلمِ فاعلموا أنه أخفق وفشل، فإمّا أن يريد هُدنة ليستعدَّ لجولة أخرى، أو يريد أن يوقع الخلاف بينكم فيتحقق له ما يريد.
 
إنكم الأعْلَون، وعدوكم هو الضعيف العاجز، وأنتم الأعْلَون عقيدة وإيمانًا ومنهجًا، وأنتم الأعلون لارتباطكم بالله القادر على كل شيء، والمالك لكل شيء، الله الذي يعزُّ مَن يشاء، ويُذِلُ مَن يشاء، وأنتم الأعلَون هدفًا وغايةً، وأنتم الأعلَون قيَمًا وخُلُقًا، والله معكم، ينصركم، ويعينكم، ويسدِّد قراراتكم،  فما يكون أعداؤكم هؤلاء والله معكم؟
 
فليس المراد بالأعلوية الغَلَبة العسكرية وحسب، فإن المؤمن قد يمر بمرحلة يكون فيها ضعيف العدد والعدة، ومع ذلك يبقى هو الأعلى، لأن العُلُوَّ الذي يمنحه الله لأوليائه يبدأ من عُلُوِّ العقيدة قبل عُلُوِّ الدولة، ومن عُلَوِّ المبادئ قبل عُلُوِّ السلطان، ومن عُلُوِّ النفس على الشهوات قبل عُلُوِّها على الأعداء، فإذا استقرَّت هذه المعاني في الأمة، كان النصر العسكري ثمرة طبيعية لها، لا حادثًا منفصلًا عنها. 
 
فإذا ابتُليتم أيها المؤمنون بعدو متوحش شرس لا يقيم وزنًا للحق والعدالة، ولا يلتزم بقانون ولا بميثاق ولا بعهد، ولا يفهم إلا بلغة العنف والقوة، فاصمدوا له ولا تهابوه، وابطشوا به، ولا تأخذكم في الحق رأفة، ولا تعرفوا معه هَوادة، فإن القضاء عليه قضاء على الشَّرِّ، وخير للإنسانية جمعاء.
 
"ولَنْ يَتِرَكُم أَعْمَالَكُم" فكل ما تبذلونه، وكل ما تفعلونه، وكل ما يصيبكم من تضحيات محسوب لكم، لا يضيع منها شي‏ء عليكم،  فهي محفوظة لكم، آثارها باقية، ونتائجها محقَّقة، وأجرها لا ينقطع، ولا يُبتَر، فعلامَ الهوانُ والدعوة إلى السلم والتنازل للعدو؟!
captcha