بقلم الشيخ محمد هادي ملكي؛ باحث ومحلل في الشؤون السياسية والعلاقات الدولية
المقدمة
لم تكن الجولة الأخيرة التي أجراها الوفد الحكومي العراقي في أروقة واشنطن إلا طوافاً وثنياً باطلاً في رحاب الشيطان، وإعلاناً صارخاً عن التبعية في معبد
الاستكبار العالمي. وبحقٍّ يمكننا وصف هذه الرحلة بأنها "حجٌّ غير مبارك"، بل هي كفرٌ بالنعم وطوافٌ في حِمى الطغيان؛ إذ لم تقصد هذه القافلة قبلةَ التوحيد، بل شدّت الرحال إلى لقاء سفّاح الأطفال ومُهين الأنبياء، ألدِّ أعداء الأمة الإسلامية وأكثرهم تجبّراً وإجراماً.
فيما يلي، قراءة تحليلية تستعرض ما خفي من أبعاد هذه الزيارة المخزية، وتكشف ملامح الضعف والانفعال التي رافقتها، وفق منهج النقد الأصولي الرصين، بعيداً عن التزويق السياسي.
أولاً: حكومةٌ ناقصةٌ في مواجهةٍ مكتملة
إن الواقع العراقي الراهن يشي بأزمةٍ بنيويةٍ خانقة؛ فالحكومةُ الحالية لم تستكمل قوامها الوزاري، وتظل حقيبةُ الداخلية، وهي عصب الأمن الوطني، شاغرةً تعاني من فراغٍ مدوٍّ. وهنا يثور السؤال الجوهري: كيف لحكومةٍ تئنُّ تحت وطأةِ خللٍ هيكليٍ داخلي أن تدّعي مقدرةً على إنقاذ الآخرين أو حلِّ أزماتهم؟ وكيف تزعم القدرة على انتشال اقتصادها من خلال استجداء خصومها واسترضائهم؟ إن الحقيقة المرة التي لا تخفى على ذي بصيرة هي أن هذه الزيارة لم تكن لرفع العقوبات أو جذب الاستثمارات، بل جاءت لتسجيل الحضور في قائمة الطائعين، وتلقي الأوامر من سادة البيت الأبيض.
ثانياً: توم باراك... سفير الظل ومهندس الاختراق
لقد بات "توم باراك"، المكلّف من قبل إدارة ترامب بمتابعة ملفات المنطقة، يمثّل امتداداً للنفوذ الأمريكي غير المعلن في بغداد، بعد أن اضطلع بأدوارٍ مرفوضةٍ في الملفين السوري واللبناني، ولفظه الشرفاء في تلك البلاد. وهو اليوم يمارس دور المفوّض الأعلى، فيلتقي بأعلى المستويات السياسية في العراق، ويملي الشروط، ويصدر التوجيهات التي تُنفَّذ وكأنها أوامر سماوية.
وهذا يؤكد أن الإدارة الأمريكية لم تعد تكتفي بذراعها الرسمي المتمثل بالسفارة، بل أسست لقنوات خلفية للنفوذ المباشر في قرار رئيس الوزراء وأعضاء حكومته، إمعاناً في فرض الإرادة القاهرة على إرادة شعبٍ بأكمله.
ثالثاً: السراب الاقتصادي... والتباهي بجريمة اغتيال الأبطال
يحاول أعضاء الوفد الزائر تغليف رحلتهم بعناوين الاستحقاق الاقتصادي، زاعمين أنهم سعوا لمعالجة أزمةٍ ماليةٍ خانقة، لكن الحقيقة الأفدح هي أن ترامب لم يعبأ يوماً بسعرِ الصرفِ أو الموازنة، بل كان في قمةِ غروره يتشدّق بدماء قادة المقاومة الأطهار. فقد تحدّث -بكل وقاحة واستعلاء شيطاني- عن اغتيال قادة النصر الذين أطلق المرجع الأعلى في العراق على مآثرهم وصفَ "النصر" الخالد، قائلاً بجرأةٍ أمام الوفد العراقي: "لقد مهدتُ لكم الطريق إلى السلطة حين قضيتُ على هؤلاء القادة". هذه الكلمات ليست سوى قمة الغطرسة والإذلال، لكنها -للأسف الشديد- قوبلت بصمتٍ مطبقٍ من الجانب العراقي، وكأنها حقائق مسلّم بها.
رابعاً: انفعال رئيس الوزراء أمام قاتل شهداء الأمة
ها هو رئيس الوزراء العراقي، الذي شارك بأحشائه الممزقة في التشييع المليوني للقائد الشهيد للثورة الإسلامية، الإمام السيد علي الحسيني الخامنئي -أعلى الله مقامه- في النجف وكربلاء، وذرف الدموع على جثمانه الطاهر، يقف اليوم في البيت الأبيض أمام قاتل ذلك الشهيد العظيم؛ فإذا هو مشدوهٌ حائر، لا يملك من الجواب إلا الارتباك. لقد كان الأجدر بمن بكى ذلك القائد أن يجد في نفسه غضباً، لا صمتاً مهيناً.
إن الرد المتلعثم الذي صدر عنه لم يكن في حقيقته سوى إقرار ضمني بالجريمة، وتجسيد حي لمشهد الذلّ السياسي الذي يخرق كل المبادئ. إن هذا الانفعال المأساوي يكشف عن تحوّل "التقية" -التي شُرّعت لحفظ النفس والكرامة- إلى وسيلةٍ دنيئةٍ للحفاظ على كرسي السلطة وتأمين المنافع الشخصية.
خامساً: أهي تقيةٌ شرعيةٌ أم سكوتٌ على دماء الأبرار؟
يحاول بعض المحللين تبرير هذا الصمت تحت غطاء "التقية" الدينية، لكنهم يتناسون أن التقية في الشريعة الغراء لا تُشرع إلا لحقن دماء المؤمنين، لا لحماية عروش الباطل أو الحفاظ على المصالح الفئوية. فحين يتباهى ترامب بقتل قادة النصر، فإن صمت المخاطبين لا يُفهم إلا بوصفه توقيعاً بالحبر الأحمر على تلك الجريمة النكراء. هذه ليست تقيةً تنبع من خشية الله، بل هي ثمرة التعلق بحطام الدنيا والتشبث بكراسي السلطة الزائلة، وهي هزيمةٌ نفسيةٌ تسبق الهزيمة السياسية.
الخاتمة
في الوقت الذي تخضبت فيه يدا ترامب بدماء أبناء العراق وقادة المقاومة، فإن إثارة الحديث عن الملف الاقتصادي في مواجهة تلك الجرائم البشعة لا تعدو كونها تهرباً من المسؤولية، وخيانةً لدماء الشهداء، وإهانةً لكرامة الوطن. إن المشكلة الجوهرية ليست في ضعف الأداء الدبلوماسي، بل في استباحة الضمير الإنساني وإجهاض الالتزام الثوري في سبيل البقاء في مواقع السلطة.
كان الأجدر بقافلة زائري البيت الأبيض أن تتوجه إلى قبور الشهداء في النجف وكربلاء، وأن تردّ على ترامب باستحضار عظمة قادة النصر، وأن تعلن موقفاً واضحاً حازماً يصدح بـ "لا" بكل عزةٍ وكرامة. لقد آن الأوان لهذه القافلة أن تتوب من هذا الحج الغير مبارك، وتعود إلى أحضان شعبها الأبي؛ فإن العزة لا تُنال بالسجود على أعتاب الطاغوت، بل بالثبات في وجهه صفاً واحداً، وكلُّ تساهلٍ مع الشيطان الأكبر هو عينُ الخسران والعار.