ایکنا

IQNA

الفتح في منظور القرآن هو كل حدث يهيئ الأسباب لانتشار الحق

14:18 - July 22, 2026
رمز الخبر: 3505630
بيروت ـ إکنا: إن الفتح في المنظور القرآني هو كل حدث يهيئ الأسباب لانتشار الحق وتمكينه، وهذا هو السر في أن الله سَمّى صلح الحديبية فتحًا مبينًا قبل أن تُفتح مكة بعامين، لأن الله ينظر إلى الحقائق والمآلات، بينما ينظر الناس غالبًا إلى اللحظة الراهنة.
الفتح في المنظور القرآني هو كل حدث يهيئ الأسباب لانتشار الحقوقال الله سبحانه وتعالى: "إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا ﴿الفتح: 1﴾".
 
بهذا القطع والجزم افتتح الله تعالى سورة الفتح، وحين يكون القائل هو الله فهذا يعني بالضرورة أن الفتح حقيقي، وواقعي، وناجِزٌ، وإن كان الحديث عن الفتح سابقٌ لتحقُّقه في الواقع الخارجي، لأن الله تعالى يعلم ما كان وما هو كائن وما يكون، ولا حدَّ لعلمه، فما يكون في علم الله فهو كائن قطعًا.
 
فمن المعلوم أن سورة الفتح قد نزلت بعد صلح الحديبية الذي وقع في العام السادس للهجرة، والفتح الذي تمثل في فتح مكة قد حدث في العام الثامن للهجرة بعد نقض قريش ذلك الصلح، وقد كان فتح مكَّة من أعظم الأحداث في التاريخ الإسلامي إذ ترتب عليه، إنهاء سيطرة قريش الوثنية على مكة حاضرة التوحيد، وتطهير الكعبة المشرفة، وهي البيت العتيق الذي وُضِعَ للناس، من الأصنام والأوثان، ودخول أعداد كبيرة من أهل مكة في الإسلام، وانتقال المشروع النبوي الإسلامي إلى مرحلة جديدة من القوة والتمكين، وتمهيد الطريق لدخول القبائل العربية في عموم الجزيرة في الإسلام.
 
لقد مثَّل صلح الحديبية فرصة مهمة وضرورية لما ذكرته توًّا، ذلك الصلح الذي لم يتقبله بعض المسلمين لقصور في فهمهم لما رضي به النبي (ص) من قبوله الرجوع إلى المدينة، وعدم إكمال مسيره إلى مكة لأداء مناسك العمرة فيها، وتنازله عن أمور شكلية، وتفضيله الصلح والمهادنة، وقوله: "لَا تَدْعُونِي قُرَيْشٌ الْيَوْمَ إِلَى خُطَّةٍ يَسْأَلُونَنِي فِيهَا صِلَةَ الرَّحِمِ إِلَّا أَعْطَيْتُهُمْ إِيَّاهَا". وقد بلغ الأمر بعمر بن الخطاب أن يعترض على رسول الله (ص) فيقول له: فلم نعطي الدنية في ديننا؟ فيجيبه (ص): "أَنَا عَبْدُ اللهِ ورَسُولُهُ لَنْ أُخَالِفَ أَمْرَهُ ولَنْ يُضَيِّعَني".
 
نعم لقد كان الفتح الذي بدأ بالتحقق بعد عودة رسول الله (ص) إلى المدينة حيث تفرَّغ للدعوة إلى الله، وترسيخ دعائم الدولة الإسلامية، ومكاتبة الملوك والأباطرة ودعوتهم إلى الله تعالى، والتمهيد للدخول إلى مكة بعد عامين فقط، وهذا ما لم يفهمه المسلمون قاصرو الفهم، أو الذين شغلتهم اللحظة عن المستقبل فاستعجلوا الحكم، وحسبوا أن ما وافق عليه رسول الله كان هزيمة ورضوخًا لإرادة الأعداء، لكن الله العليم الخبير أعلن أن تلك اللحظة كانت فتحًا باعتبار ما سينتج عنها من تحوّل تاريخي غير متوقَّع.
 
في حكمة الله تعالى، وحُسن تدبيره، كثيرًا ما تأتي الأمور على خلاف ما يتوقع الإنسان، أو ما يشتهي، لأن الإنسان محدود العلم، قصير النظر، لا يدرك من الأحداث إلا ظاهرها، ولا يدرك من نتائجها إلا ما يراه الآن لا ما سيراه في المستقبل، أما ما وراء ذلك من المآلات، وما يتولَّد عنها من آثار بعيدة، فذلك مِمّا استأثر الله بعلمه، ولهذا قد يحزن الإنسان لأمر هو عين الخير له، ويفرح بأمر هو منشأ شقائه، كما قال سبحانه: وَعَسَىٰ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَىٰ أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴿البقرة: 216﴾. فليس كل ما يبدو تراجعًا يكون هزيمة، ولا كل ما يبدو انتصارًا يكون فتحًا، وإنما العبرة بما تؤول إليه الأمور، لا بما تبدو عليه في لحظتها الأولى.
 
ومن هنا كان المؤمن مأمورًا بألّا يجعل حكمه على الوقائع تابعًا لمشاعره الحاضرة، أو لما تدركه حواسه القاصرة، وإنما يربطه بوعد الله، وثقته بحكمته، وأن يوقن أن لله في تدبيره من اللُّطف الخَفِيِّ، ومن تهيئة الأسباب، ما لا تدركه الأبصار عند أول النظر، فقد يكون المنع عين العطاء، وقد يكون التأخير هو عين التعجيل، وقد يكون الصلح الذي يراه الناس تنازلًا هو الطريق الأقرب إلى النصر، كما كان صلح الحديبية مفتاح فتح مكة، ومدخل انتشار الإسلام في الجزيرة العربية.
 
وهكذا يعلِّمنا القرآن أن نقيس الأحداث بنتائجها، وأن نزنها بميزان السنن الإلهية، فكم من مِحنة كانت في باطنها مِنحَة، وكم من إغلاق لباب كان فتحًا لأبواب، وكم من تأخر ظاهري كان في حقيقته تقدمًا عظيمًا، ولكن أكثر الناس يستعجلون، والله سبحانه لا يعجل بعجلة عباده، لأنه يدبِّر الأمر بعلمٍ محيط، وحكمةٍ بالغة، ورحمةٍ لا يحدها حد.
 
فـالفتح في المنظور القرآني هو كل حدث يهيئ الأسباب لانتشار الحق وتمكينه، وهذا هو السر في أن الله سَمّى صلح الحديبية فتحًا مبينًا قبل أن تُفتح مكة بعامين، لأن الله ينظر إلى الحقائق والمآلات، بينما ينظر الناس غالبًا إلى اللحظة الراهنة.

بقلم الباحث اللبناني في الشؤون الدينية السيد بلال وهبي
captcha