بقلم الباحث اللبناني في الشؤون الدينية السيد بلال وهبي
قال الله تعالى: وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ...﴿الحُجُرات: 7﴾
من أعظم نعم الله على الأمة -أيَّ أمَّة- أن تكون لها قيادة ربانية، تقودها ببصيرة وحكمة، ومعرفة ورحمة، ولطف ورأفة ولين، متوخية رضا الله في قراراتها، تقود الناس إلى حيث تقتضي مصلحتهم الدنيوية والأخروية، ولا تقودهم إلى حيث يشتهون، لا تنظر إلى رضا الناس في اللحظة الراهنة بقدر ما تنظر إلى مصلحتهم الواقعية في الحاضر والمستقبل، وها ما كانت عليه قيادة
الرسول الأعظم (ص) والأئمة الأطهار (ع) والقادة الربانيين الذين ساروا على منهاجهم الرشيد، فلقد كان (ص) أرحم بالمؤمنين من أنفسهم، لأنه لم يكن يستجيب لما يرضيهم دائمًا، وإنما لما يصلحهم دائمًا.
الآية الكريمة التي بين أيدينا جاءت مباشرة بعد الآية التي أمرت المؤمنين بوجوب التثبُّت من الأخبار، كي لا يُصيبوا قومًا بجهالة فيصبحوا على ما فعلوا نادمين. فأرست بذلك قاعدة عظيمة في التعامل مع الأخبار، ثم جاءت الآية الحاضرة لإرساء قاعدة أخرى لا تقل أهمية عن سابقتها في بناء المجتمع المؤمن، وهي أن الخبر الصحيح وحده لا يكفي لصناعة القرار الصحيح، ما لم يوجد من يُحسِن قراءته، ويضعه في موضعه، ويربطه بالمصلحة العامة، ويُقَدِّر عواقبه، ولهذا جاء الخطاب الإلهي: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ﴾، ليذكِّر المؤمنين بأن بينهم قيادةً ليست كسائر القيادات، وإنما قيادة مؤيدة بالوحي، ترى من حقائق الأمور ما لا يراه غيرها، وتدرك من العواقب ما تقصر عنه أنظار الناس.
إن هذا النداء لا يقتصر على الإخبار بوجود النبي (ص) بين أصحابه، وإنما يحمل في طياته دعوةً إلى استحضار حقيقة عظيمة، وهي أن وجود القيادة الربانية في الأمة نعمة لا تدانيها نعمة، لأنها تمثِّل صلة الأرض بالسماء، وتجسِّد إرادة الله في توجيه الأمة وحفظها من مزالق الهوى، وسوء التقدير، والاستجابة للانفعالات العابرة، فما دام الوحي حاضرًا، فلا معنى لأن تتقدم الآراء البشرية عليه، أو أن يُطلب من الرسول أن يجعل قراراته تابعةً لما يراه جمهور الناس.
ثم يكشف الخطاب القرآني عن علة هذا التوجيه بقوله: ﴿لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾. ولم يقل: لو أطاعكم في كل الأمر، بل قال: ﴿فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ﴾، لأن الناس قد يصيبون أحيانًا، ولكنهم كثيرًا ما ينظرون إلى الأحداث من زاوية اللحظة الحاضرة، أو يكونوا مدفوعين في الحكم عليها بدوافع ذاتية أو عاطفية، بينما تنظر القيادة الربانية إلى الصورة الكاملة، وإلى النتائج البعيدة.
ولقد أثبتت الوقائع التي عاشها المسلمون مع رسول الله (ص) صدق هذا المبدأ، فعندما جاء خبر بني المصطلق، اندفع بعض المسلمين يطالبون بقتالهم قبل التثبت من حقيقة الأمر، ولو استجاب النبي لهذا الاندفاع لوقع ظلم عظيم، ولَسُفِكت دماء قوم أبرياء، ولكن رسول الله (ص) لم يتحرَّك وفق انفعال الناس، وإنما وفق ميزان الحقيقة، حتى ظهر أن الخبر كان كاذبًا.
وهذا يكشف عن حقيقة تتكرر في حياة الأمم كلها، وهي أن الجماهير – مهما خلصت نياتها – قد تتحرك بدافع الحماسة، أو الخوف، أو الغضب، أو تحت تأثير ما يُبث في أوساطها من شائعات ودعايات، فتضغط على القيادة لتتخذ قرارًا سريعًا يوافق مشاعرها، مع أن المصلحة الحقيقية قد تكون في خلاف ذلك تمامًا. فالناس لا يملكون دائمًا الصورة الكاملة، ولا يحيطون بكل المعطيات، ولا يدركون جميع الاحتمالات، ولذلك فإن القرارات المصيرية لا ينبغي أن تُبنى على الانفعال الجماهيري، بل على الحكمة، والبصيرة، وحسن تقدير العواقب.
ولعل هذه الحقيقة تبدو أشد وضوحًا في عصرنا، حيث أصبحت الحرب الإعلامية جزءًا أساسيًا من إدارة الصراعات، فلم يعد العدو يعتمد على السلاح وحده، بل يعمل على صناعة الأخبار، وتوجيه الرأي العام، وإثارة الضغوط النفسية، وبثِّ الإشاعات، حتى يدفع الجماهير إلى المطالبة بقرارات تخدم أهدافه، وهو لا يحتاج بعد ذلك إلا إلى أن تستجيب القيادة لهذا الضغط حتى يحقِّق ما عجز عن تحقيقه في ميدان المواجهة.
ومن هنا فإن من أخطر ما يمكن أن تقع فيه الأمة أن تتحول القيادة في قراراتها إلى صدىً لما تريده الجماهير، أو أن تفقد استقلالها في التقدير، فتنقاد للضجيج الإعلامي، أو للمطالب الشعبية المتسرِّعة، أو للغضب العام، دون أن تزِنَ الأمور بميزان العقل والحكمة، إن القيادة التي لا تملك شجاعة مخالفة الانفعال الجماهيري حين يكون مخالفًا للمصلحة، ليست قيادةً حقيقية، وإنما هي تابعٌ للمزاج العام، ولو أدى ذلك إلى إعنات الأمة وإيقاعها في الضرر.
ولهذا عبّر القرآن بكلمة بليغة هي ﴿لَعَنِتُّمْ﴾، والعَنَت هو الوقوع في المشقة والضرر الذي يجلب على الإنسان العناء والندم. فكأن الآية تقول: إن استجابة القيادة لكل ما يطلبه الناس ليست رحمةً بهم، بل قد تكون سببًا لشقائهم، فكم من قرارٍ صفَّقت له الجماهير ساعة صدوره، ثم دفعت ثمنه سنوات طويلة، لأنها كانت ترى بعين العاطفة، بينما كانت الحكمة تقتضي غير ما أرادت.