بقلم الباحث اللبناني في الشؤون الدينية "السيد بلال وهبي"
قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ ﴿الحُجُرات: 6﴾.
لعل هذه الآية الكريمة من أكثر آيات
القرآن الكريم حضورًا في واقعنا المعاصر، لأننا نعيش عصرًا أصبح فيه الخبر سلاحًا فتّاكًا، يصيب العقول، ويفتك في النفوس، ويصنع قناعات ويزيل أخرى، ويأخذ المجتمعات يمينًا ويسارًا، ويضعفها، ويحملها على موالاة أعدائها، ومعاداة أوليائها، ويثير الخوف والقلق، ويزرع الشكوك والشبهات، لا سيَّما مع وفرة وسائل التواصل التي تنقل الأخبار في لحظات، فتنتشر قبل أن تُفحص، ويُعاد نشرها آلاف المرّات قبل أن يُسأل عن مصدرها، وقبل أن يتم التفكُّر فيها والتدبُّر في عواقبها.
إن كثيرًا من الحروب اليوم تبدأ بإطلاق الشائعات، وكثيرًا من الهزائم لا تصنعها القوة العسكرية وحدها، وإنما يصنعها الخبر الكاذب الذي يريد أن يفُتَّ في عَضُد المؤمنين، ويزرع اليأس في نفوسهم، أو يدفعهم إلى اتخاذ مواقف تخدم خصومهم من حيث لا يشعرون، ولهذا أصبحت صناعة الأخبار الكاذبة، والتضليل الإعلامي، والعبث بالوعي، من أخطر أدوات الصراع في العصر الحديث.
هذه الآية الكريمة تعلِّم المؤمنين كيفية تعاملهم مع الأخبار، لما لها من تأثير خطير على علاقة أفراد المجتمع مع بعضهم البعض، ومن تأثير خطير أيضًا على قضية الحق والباطل، فإن كثيرًا من الصراعات والخصومات والأزمات تبدأ بخبر ينشره شخص، فيتلقَّاه الناس بالقَبول من دون تثبُّت وتمحيص، ومن دون تأكُّدٍ من مصدره، ومن دون تدبُّر في مقاصده، ثم يتحوَّل هذا الخبر إلى موقف، ثم إلى قرار، ثم إلى ظلم، ثم إلى ندم لا ينفع بعد وقوعه.
ولذلك لم تخاطب الآية المؤمنين بوصفهم أفرادًا، وإنما خاطبتهم بوصفهم جماعة مسؤولة، لأن الخبر في حياة المجتمع ليس قضية شخصية، بل هو عنصر مؤثر في صناعة القرار، وفي تشكيل المواقف، وفي رسم العلاقات بين الناس، ومن هنا كان التثبت من الأخبار واجبًا شرعيًا، قبل أن يكون قاعدة أخلاقية اجتماعية.
الآية الكريمة تُلفِتُ أنظارنا إلى وجوب التثبت من صحة الخبر الوارد إلينا، وذلك يقتضي أن نتثبَّت من الجهة أو الشخص الذي ينقله، هل هو شخص موثوق به أم لا، فإن كان فاسقًا فذلك يعني أنه غير مأمون في نقله، فكيف إذا كان عدوًا؟! لذلك قال تعالى: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ﴾. لقد نهت الآية عن قبول خبر الفاسق، ولم تنهَ عن قبول الخبر ابتداءً، وإنما أمرت بالتبَيُّن، لأن الإسلام لا يدعو إلى إغلاق باب الأخبار، ولا إلى الشك المطلق الذي يشلُّ حركة المجتمع، وإنما يدعو إلى التثبُّت والتأكُّد من صحة الخبر، فالأصل في المجتمع المؤمن أن تقوم العلاقات على الثقة، وأن يكون الصدق هو السِّمَة الغالبة، ولكن إذا وُجدت أمارات الريبة، أو كان ناقل الخبر مِمَّن لا يوثق بدينه أو أمانته أو صدقه، فإن الواجب هو التثبت والتحقيق.
ثم يكشف القرآن عن العلة التي من أجلها أمر بالتَّبَيُّن، فيقول: ﴿أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ﴾. والجهالة هنا هي كل تصرف يفتقد إلى البصيرة، ولو صدر عن حُسْنِ نية، فقد يكون الإنسان مخلصًا، لكنه يظلم غيره لأنه بنى حكمه على معلومة غير صحيحة، ولذلك فإن الإسلام لا يكتفي بسلامة النية، بل يشترط معها صحة المعرفة، لأن النيات الحَسَنة لا تمنع وقوع الظلم إذا قامت على أخبار كاذبة أو مُضلِّلَة.
ولهذا ختمت الآية بقوله تعالى: ﴿فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾. فالندم هنا هو نتيجة حتمية لكل قرار اتُّخذ قبل استكمال المعرفة، فالإنسان قد يستطيع أن يعتذر بعد كلمة قالها، لكنه قد لا يستطيع أن يعيد حياةً أُزْهِقَت، أو سُمعةً شُوِّهَت، أو مجتمعًا مزَّقته شائعة، أو ثقةً انهارت بسبب خبر كاذب.
ومن اللافت أن سبب نزول الآية – على ما ذكره المفسرون – يرتبط بخبر نقله الفاسق الوليد بن عقبة بن أبي معيط، حين بعثه رسول الله (ص) ليتسلَّم صدقات بني المصطلق، فتلَقَّوه بالصدقة، فرجع فقال لرسول الله (ص): إن بني المصطلق قد جمعت لك لتقاتلك، وزاد بعض الرواة في الرواية: أن الوليد أخبر النبي (ص) أن بني المصطلق قد ارتدوا عن الإسلام.
هذا الخبر كاد أن يُفضي إلى قتال طائفة من المسلمين لولا أن النبي (ص) لم يبنِ قراره على خبر ذلك الفاسق، بل أرسل من يتحقق من الأمر، فظهر أن الخبر غير مطابق للواقع. وقد أراد القرآن من خلال هذه الحادثة أن يقرر مبدأً عامًا يتجاوز الواقعة نفسها، لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. فكل خبر يترتب عليه حكم أو موقف أو إجراء يمس الناس، لا يجوز أن يكون أساسه الظنون، أو الانفعالات، أو الأخبار غير الموثقة.
ومن هنا تتجلّى عظمة التوجيه القرآني، حيث يضع لنا منهجًا في التعامل مع كل معلومة يُراد أن تُبنى عليها مواقف أو أحكام، فليس كل ما يُنشر حقيقة، وليس كل ما يُتداول واقعًا، وليس كل ما يُصاغ بلغة واثقة يستحق أن يُصدَّق، إن المؤمن مسؤول عن الكلمة التي يسمعها كما هو مسؤول عن الكلمة التي يقولها، ومسؤول عن الخبر الذي ينقله كما هو مسؤول عن الفعل الذي يقوم به.
ولذلك فإن التثبت من الأخبار واجب ديني وأخلاقي، يحفظ المجتمعات من الانخداع، ويصون وحدة الأمة، ويحمي الحقوق، ويمنع الظلم، ويقطع الطريق على الذين يجعلون من الإعلام وسيلة لإثارة الفتن، أو صناعة الكراهية، أو توجيه الجماهير حيث يريدون.