ایکنا

IQNA

القرآن يقرِّر أن مكر أهل الباطل يرجع عليهم

21:18 - August 05, 2026
رمز الخبر: 3505815
القرآن يقرِّر أن مكر أهل الباطل يرجع عليهمبقلم الكاتب اللبناني في الدراسات الاسلامية السيد بلال وهبي

قال الله تعالى: أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ ﴿سورة الطور: 42﴾.
 
هذه الآية الكريمة إعلان عن سُنَّةٍ إلهية ثابتة تحكم حركة الصراع بين الحق والباطل في كل زمان، فالطغاة لا يكتفون برفض الحق، بل يتجاوزون ذلك إلى الكيد له، والتخطيط لإسقاطه، والتآمر على أهله، ظنًّا منهم أن المستقبل تصنعه المؤامرات، وأن الغلبة تكون لمن يملك الحيلة الأكبر والقوة الأعظم، غير أن القرآن يقلب هذه المعادلة كلها بكلمات قليلة جامعة: ﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ﴾.
 
والكيد في اللغة العربية يعني التدبير الخفي بقصد إيقاع الضرر بالآخر، ولهذا فإن أهل الباطل يلجؤون إليه حين يعجزون عن مواجهة الحق مواجهةً صريحة، فيستخدمون التشويه الإعلامي، والحرب النفسية، والإشاعات، والاختراق الأمني، والضغوط الاقتصادية، والتحالفات السياسية، والاغتيالات، وسائر صور المكر التي يظنُّون أنها كفيلة بإطفاء نور الله. وهذا ما فعله مشركو مكة، فقد اتهموا الرسول الأعظم (ص) بالسحر، وبالكَهانة، وبالشعر، ثم اجتمعوا في دار الندوة ليدبِّروا قتله، معتقدين أن الدعوة ستنتهي إذا انتهت حياته الشريفة.
 
لكنهم غفلوا عن حقيقة كبرى، وهي أن رسول الله (ص) ليس وحده في هذا الصراع، وإنما معه رب العالمين، وأن من كان الله ناصره فلا يغلبه كيد البشر مهما بلغ إحكامه، ولهذا لم يكتفِ الله بإبطال كيدهم، بل جعل الكيد نفسه يرتد عليهم، وحوَّل خططهم إلى أسباب هلاكهم، فكانوا هم ضحايا المؤامرة التي صنعوها بأيديهم.
 
وهذه سُنَّة ربانية تتكرَّر مع كل كيد يكيده الطغاة بالمؤمنين، قال تعالى: وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا ﴿سورة فاطر: 43﴾، وقال: وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ ﴿سورة الأنعام: 123﴾. فالقرآن الكريم يقرِّر أن مكر أهل الباطل يرجع عليهم، وأنهم يحفرون الحفرة التي يسقطون فيها، ويصنعون بأيديهم الأسباب التي تعجل بزوالهم.
 
ومن يتأمل التاريخ يرى هذه السُّنة ماثلة أمامه في كل عصر. فما أكثر الجبابرة الذين ظنوا أن ملكهم لا يزول، وأن جيوشهم لا تُقهر، وأن أجهزتهم الأمنية قادرة على إخضاع الشعوب إلى الأبد، ثم لم تمض السنون حتى أصبحوا خبرًا من الأخبار، بينما بقي أهل الحق، وبقيت مبادئهم، بل صاروا وهي أكثر قوة وأكثر حضورًا وتأثيرًا. وليس ذلك لأن أهل الحق يملكون دائمًا قوةً ماديةً أكبر، وإنما لأن الباطل يحمل في داخله أسباب فنائه، ولأن الظلم إذا بلغ غايته بدأ العد التنازلي لسقوطه.
 
ما سبق لا يعني أن المؤمنين يُعفَون من الأخذ بالأسباب، أو أن النصر ينزل عليهم من دون جهاد، بل عليهم أن يُعِدوا ما استطاعوا من قوة، وأن يحسِنوا التخطيط، وأن يتجنَّبوا مواطن الضعف، غير أنهم في الوقت نفسه لا يعقدون ثقتهم بالأسباب وحدها، بل بالله الذي بيده الأسباب جميعًا. فهم يعلمون أن كيد البشر محدود، أما تدبير الله فلا يحده حد، وأنه سبحانه قد يمهل الظالم، لكنه لا يهمله، وقد يؤخر العقوبة حتى تكتمل أسبابها، فإذا جاءت لم يردها شيء.
 
ولهذا فإن أخطر ما يريده الطغاة من المؤمنين ليس إيقاع الهزيمة العسكرية بهم وحسب، بل هزيمتهم نفسيًا، أن يفقدوا الثقة بوعد الله، وأن يصدقوا أن مكر الظالمين لا يُغلَب، وأن مؤامراتهم لا تُرد. فإذا تمكن هذا الشعور من القلوب، فقد حقَّق أهل الباطل انتصارهم. أما إذا بقي المؤمنون واثقين بأن الله يدبِّر الأمر، وأن المكر السيئ لا بد أن يعود على صاحبه، فإنهم يمتلكون بذلك أعظم عناصر الثبات، ولو كانوا في أشد لحظات الاستضعاف.
 
ومن هنا فإن هذه الآية الكريمة تدعونا إلى أمرين متلازمين: أن نأخذ بكل أسباب القوة التي نستطيعها، وألّا نهاب كيدًا يظن أصحابه أنه خارج عن سلطان الله. فكل مؤامرة تجري في الأرض فالله محيط بها، ولا يمكن لكيد أن يسبق إرادته، أو يعطِّل حكمته، أو يفلت من عدله.
 
وهكذا يعلِّمنا القرآن أن الصراع بين الحق والباطل يجري تحت سلطان الله وتدبيره. ولذلك قد يبدو أهل الباطل في لحظة من اللحظات أكثر تنظيمًا، وأشد بأسًا، وأعظم عدةً، لكن النهاية لا يحددها حجم الكيد، وإنما تحددها سُنَنُ الله. فإذا أصر الظالمون على ظلمهم، ومضوا في مكرهم، فإنهم يظنون أنهم يُحكِمون الطوق على أهل الحق، بينما هم في الحقيقة يحكمونه حول رقابهم، مصداقًا لقوله سبحانه: ﴿أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ﴾.
captcha