ایکنا

IQNA

خطيب وأستاذ جامعي عراقي في حوار لـ"إکنا":

المحطات القرآنية في الزيارة الأربعينية مشروع لبناء الإنسان معرفیاً وروحياً

9:59 - August 01, 2026
رمز الخبر: 3505748
النجف الأشرف ـ إکنا: قال الخطيب الحسيني وأستاذ الفكر السياسي بجامعة الامام الصادق(ع) في العراق "الشيخ الدكتور حيدر الشمري" إن هذه المحطات القرآنية تثبت أن زيارة الأربعين ليست مجرد تجمع جماهيري، بل هي مشروع لبناء الإنسان معرفياً وروحياً، مصرحاً أن مسيرة الأربعين تقدّم صورة مشرقة عن الإسلام بوصفه دين الرحمة والتكافل والكرامة الإنسانية.
المحطات القرآنية في الزيارة الأربعينية مشروع لبناء الإنسان معرفیاً وروحياًتكشف زيارة الأربعين الحسيني عن جانب من تجليات عظمة شخصية الإمام الحسين(ع)  ومقامه الشامخ، وموقعيته في الوجدان الشعبي عند الناس، إذ تزحف الملايين المؤمنة من كل حدب وصوب مشياً على الأقدام نحو قبر الإمام الحسين(ع) لزيارته في ذكرى الأربعين من كل عام.

وفي كل زيارة للإمام الحسين(ع) يتجلى جزء من عظمته، وسرّ من أسراره، وفي كل عام يزداد عشاق الإمام الحسين(ع) ومحبيه لتشكل (زيارة الأربعين) ذروة الزحف نحو حرمه الطاهر ومشهده الزاهر؛ ليكونوا بالقرب من روحه ونهجه وشعاعه المبارك، كي يستلهموا منه قيم العدل والإصلاح والحق، وقيم التضحية والبذل والإيثار والإخلاص والمسؤولية.

وتثبت زيارة الأربعين جاذبية الإمام الحسين(ع)، فلايمكن لأحد أن يجمع هذه الملايين من البشر، وبقناعة وحماس منقطع النظير، وفي وقت واحد، ومكان واحد؛ كما جمعهم الإمام الحسين (ع) في يوم الأربعين، والمصادف للعشرين من شهر صفر من كل عام.

وتتجلى في زيارة الأربعين للإمام الحسين(ع) الأجواء الروحانية والإيمانية العميقة، ويستمد المؤمنون منها طاقة معنوية هائلة، مملؤة بلذة العبادة، وحلاوة الإيمان، وتزكية النفس وتهذيبها؛ من خلال المشي لا عن قلة راحلة وإنما من أجل جهاد النفس، وهو الجهاد الأكبر كما سمّاه رسول الله(ص).
 
ولتسلیط الضوء على فلسفة مسيرة الأربعين الحسيني، ودور وأهمية هذه الشعيرة في التقريب بين المذاهب ووحدة الأمة الاسلامية، أجرت وكالة الأنباء القرآنية الدولية(إکنا) حواراً مع الخطيب الحسيني والأستاذ في الحوزة العلمية، وأستاذ الفكر السياسي بجامعة الامام الصادق(ع) في العراق "الشيخ الدكتور حيدر الشمري".
 
فيما يلي نصّ الحوار: 
 
ما هي فلسفة وأهمية مسيرة الأربعين الحسيني؟
 
أنا اعتقد أن مسيرة الأربعين الحسيني تمثّل أكبر تجمع بشري سنوي طوعي في العالم، وهي ليست مجرد مناسبة لإحياء ذكرى تاريخية، بل هي مشروع حضاري متكامل يجسّد استمرار رسالة الإمام الحسين (عليه السلام). فالأربعين يؤكد أن القيم التي استشهد من أجلها الإمام الحسين(ع)، كإقامة العدل، وصيانة الكرامة الإنسانية، ومقاومة الظلم، لا تزال حية في وجدان الأمة.

كما أنها تعكس عمق الارتباط الروحي بأهل البيت (عليهم السلام)، وتترجم مفهوم الولاء من مجرد عاطفة إلى سلوك عملي قائم على التضحية، والإيثار، وخدمة الإنسان.

أما من الناحية الاجتماعية، فإنها تبني رأس مال اجتماعي هائلٍ يقوم على التعاون والتكافل والعمل التطوعي، بينما تؤكد سياسياً أن الشعوب القادرة على حفظ ذاكرتها الحضارية هي الأقدر على حماية مستقبلها.
المحطات القرآنية في الزيارة الأربعينية مشروع لبناء الإنسان معرفیاً وروحياً
ما هي أهم العادات والتوصيات الأخلاقية والروحية للزائرين خلال زيارة الأربعين؟
 
إن زيارة الأربعين تمثل مدرسة أخلاقية قبل أن تكون رحلة جسدية، ولذلك ينبغي للزائر أن يستحضر مجموعة من الآداب، أهمها:

 الإخلاص لله تعالى في النية.
 استثمار الطريق في ذكر الله وتلاوة القرآن والدعاء.
 التحلي بالصبر وحسن الخلق واحترام الآخرين.
 المحافظة على الصلاة في أول وقتها.
 رعاية النظافة العامة واحترام الممتلكات.
 تجنب الإسراف والمظاهر التي لا تنسجم مع قدسية الزيارة.
 خدمة الآخرين والتواضع لهم، لأن خدمة زوار الحسين (عليه السلام) من أعظم القربات.

إستحضار أهداف نهضة الإمام الحسين (عليه السلام) وثورته المباركة، بغية ان تكون الزيارة محطة لتغيير السلوك لا مجرد أداء شعيرة. ولذا فان نؤكد دائماً على ان نجاح الزيارة يقاس بمدى انعكاسها على أخلاق الإنسان بعد عودته إلى حياته اليومية.
المحطات القرآنية في الزيارة الأربعينية مشروع لبناء الإنسان معرفیاً وروحياً
 
كيف تقيّمون أهمية تعلّم القراءة الصحيحة لآيات وسور القرآن والأحكام الإسلامية خلال المحطات القرآنية التي تقام في مسيرة الأربعين؟
 
يمكن القول إن هذه المبادرات تعدّ من أهم الإنجازات الثقافية لمسيرة الأربعين، لأنها تحول الطريق إلى جامعة قرآنية مفتوحة.

فالقرآن الكريم هو الأساس الفكري لنهضة الإمام الحسين (عليه السلام)، وقد أعلن بنفسه أن هدفه الإصلاح في أمة جده، وهو هدف قرآني بامتياز. ولذلك فإن تعليم القراءة الصحيحة للقرآن، وأحكام التلاوة، وأساسيات الفقه والعقيدة، يربط الشعيرة الحسينية بجذورها القرآنية.

إن هذه المحطات القرآنية تثبت أن زيارة الأربعين ليست مجرد تجمع جماهيري، بل هي مشروع لبناء الإنسان معرفياً وروحياً، وتمنح ملايين الزائرين فرصة للتعلم في أجواء إيمانية يصعب تكرارها في غيرها من المناسبات.
 
ما هي مكانة مراسم الأربعين الحسيني في مجال التقريب بين المذاهب الإسلامية ووحدة الأمة الإسلامية؟
 
ان لمراسم الأربعين الحسيني قدرة إستثنائية على جمع المسلمين حول القيم المشتركة، لأن الإمام الحسين (عليه السلام) يمثّل رمزاً إسلامياً تتفق على تعظيمه مختلف المدارس الإسلامية.

فهذه المناسبة تؤكد أن وحدة الأمة لاتعني إلغاء التنوع المذهبي، وإنما تعني التعاون على المشتركات الكبرى، وفي مقدمتها العدل والإنصاف، وكرامة الإنسان، ومواجهة الظلم، والدفاع عن المقدسات.

كما أن الحضور المتنوع للزائرين من مختلف الدول والمذاهب يخلق مساحة حقيقية للحوار والتعارف، ويكسر الكثير من الصور النمطية التي صنعتها النزاعات السياسية أو الخطابات المتشددة.
المحطات القرآنية في الزيارة الأربعينية مشروع لبناء الإنسان معرفیاً وروحياً
برأيكم، ما هي الرسالة الأهم والدرس الرئيسي لهذه الحركة الروحية، وما تأثيراتها الثقافية والاجتماعية على الرأي العام العالمي؟
 
أعتقد أن الرسالة الكبرى للأربعين الحسيني هي أن القيم الأخلاقية قادرة على صناعة حركة جماهيرية عالمية دون إكراه أو مصالح مادية.

فالعالم يشاهد ملايين البشر يسيرون مئات الكيلومترات بدافع الإيمان والمحبة، ويتكفل ملايين آخرون بخدمتهم مجاناً، وهو نموذج نادر في التاريخ الإنساني.

أما ثقافياً فان مسيرة الأربعين تقدّم صورة مشرقة عن الإسلام بوصفه دين الرحمة والتكافل والكرامة الإنسانية. أما إجتماعياً، فإن هذا المسير يعزز ثقافة العمل التطوعي، والتعاون، والإيثار، والمسؤولية الاجتماعية.

أما على مستوى الرأي العام العالمي، فإنه يكسر الكثير من الصور السلبية عن الإسلام، ويقدّم نموذجاً عملياً لحضارة تقوم على العطاء لا على الصراع.
 
كيف يمكن لمشاركة أتباع الديانات الأخرى في مسيرة الأربعين أن توفّر منصة للحوار والتفاهم بين الأديان؟
 
يمكن القول إن مشاركة أتباع الديانات المختلفة تعكس عالمية القيم التي نهض من أجلها الإمام الحسين (عليه السلام)، فالعدل، والحرية، ورفض الظلم ليست قيماً خاصة بالمسلمين، وإنما هي قيم إنسانية مشتركة.

وعندما يشارك المسيحي أو الصابئي أو غيرهم في خدمة الزائرين أو حضور المسيرة، فإن ذلك يفتح باباً للحوار العملي القائم على الاحترام المتبادل، بعيداً عن الجدل النظري. من هنا فإننا نؤكد على أن الحوار الحقيقي يبدأ عندما يتعاون الناس في خدمة الإنسان، وهذا ما تحققه الأربعين بصورة متميزة.
 
هل يمكن اعتبار حضور أتباع الديانات والجنسيات المختلفة في الأربعين بمثابة نوع من (الدبلوماسية العامة) لنشر ثقافة السلام في العالم؟
 
بلا شك، يمكن النظر إلى الأربعين بوصفه أحد أبرز نماذج الدبلوماسية الشعبية أو الدبلوماسية العامة. فالمشاركون سيما أنهم من بلدانٍ متعددة  ينقلون إلى بلدانهم تجربة عاشوها بأنفسهم، بعيداً عن الروايات الإعلامية والسياسية.

وهذه التجربة تبني جسور الثقة بين الشعوب، وتقدم صورة واقعية عن العراق، وعن الإسلام، وعن مدرسة أهل البيت (عليهم السلام)، باعتبارها مدرسة تدعو إلى الرحمة والعدالة وخدمة الإنسان.

ومن هنا فإن تأثير الأربعين يتجاوز الحدود الدينية ليصبح رسالة عالمية في بناء السلام القائم على العدالة والاحترام المتبادل.
المحطات القرآنية في الزيارة الأربعينية مشروع لبناء الإنسان معرفیاً وروحياً
كيف يمكن لتجربة تقديم الخدمات للزوار في المواكب الحسينية بمشاركة أتباع مختلف الديانات والمذاهب أن تقدّم نموذجاً جديداً للتضامن الاجتماعي؟
 
المواكب الحسينية تقدّم نموذجاً فريداً للتضامن الإنساني، لأنها تقوم على العمل التطوعي الخالص، دون تمييز بين جنسية أو مذهب أو دين.

فالخدمة في الأربعين لا تُقدَّم على أساس الهوية، وإنما على أساس إنسانية الإنسان، وهذا يرسّخ مفهوم المواطنة الأخلاقية، ويؤكد أن الاختلاف الديني لا يمنع التعاون في خدمة الخير العام.

إن هذا النموذج يمكن أن يكون محل دراسة من قبل المؤسسات الاجتماعية والإنسانية في العالم، لأنه يثبت أن المجتمعات قادرة على إنتاج شبكات واسعة من التكافل والتعاون عندما تكون القيم الأخلاقية هي المحرك الأساسي.

وفي تقديري، فإن تجربة المواكب الحسينية تمثّل واحدة من أنجح صور التضامن الاجتماعي المعاصر، وهي تقدّم للعالم درساً عملياً في الإيثار، والتعايش، وبناء الثقة بين الناس، وهي قيم أصبحت البشرية بأمسّ الحاجة إليها في ظل ما يشهده العالم من صراعات واستقطابات.
captcha