في مثل هذا اليوم، أغمض
رسول الله محمد(ص) عينيه عن دنيا الناس، بعد أن فتح أعينهم على الله، وغادر الجسدُ الطاهر هذه الحياة، ولكن الرسالة التي حملها بقيت حيّةً في ضمير الإنسانية، وبقي صوته يتردد في أسماع الأجيال: صوتًا يدعو إلى التوحيد، والعدل، والرحمة، والكرامة، ومكارم الأخلاق.
وحين نحيي ذكرى رحيله، فإننا لا نقف أمام سيرة رجل عاش ثم مضى، وإنما نقف أمام مدرسة كاملة في صناعة الإنسان وبناء الأمة وقيادة الحياة؛ فقد اختصر رسول الله صلى الله عليه وآله في سيرته أسمى ما يمكن أن يبلغه الإنسان من كمال، حتى جعله القرآن المثال الأعلى للمؤمنين فقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: 21].
لقد بدأ النبي(صلى الله عليه وآله) رحلته في مجتمع أثقلته الوثنية والعصبية والظلم والتفاوت الاجتماعي، فوقف وحيدًا يحمل كلمة واحدة: لا إله إلا الله. لكنها لم تكن كلمة تقال باللسان فحسب، بل كانت ثورةً على كل عبودية لغير الله؛ فلا إنسان يعبد إنسانًا، ولا قوي يستعبد ضعيفًا، ولا مال يشتري الكرامة، ولا قبيلة تمنح الإنسان قيمته. ومن التوحيد بدأت عملية تحرير الإنسان.
ثم جاءت سنوات مكة القاسية، فكان النبي فيها درسًا خالدًا في الثبات على المبدأ. أوذي، وحوصر، وسُخر منه، وفقد عمه أبا طالب وزوجه خديجة عليهما السلام، وضُيّق عليه وعلى أصحابه، ولكنه لم يساوم على رسالته، ولم يجعل قسوة الطريق ذريعةً للتراجع عن الحق.
ومن مكة المكرمة إلى المدينة المنورة بدأت محطة أخرى؛ فلم يعد محمد(صلى الله عليه وآله) داعيةً إلى القيم فحسب، وإنما أصبح قائد أمة ومؤسس مجتمع. وهنا تجلت عظمته بصورة أوسع؛ لأن السلطة لم تغيّره، والقوة لم تسلبه تواضعه، والانتصار لم يحوله إلى طالب انتقام.
كان يجلس بين أصحابه كواحد منهم، ويعيش عيشة البسطاء، ويعود المريض، ويواسي الحزين، ويحنو على الصغير، ويكرم الكبير، ويقضي حاجة المحتاج. وكان يستطيع أن يعيش عيش الملوك، ولكنه اختار أن يعيش قريبًا من الناس، يحمل همومهم، ويسمع شكواهم، ويشاركهم آلامهم.
وكانت الرحمة من أبرز ملامح شخصيته، حتى جعلها القرآن عنوان رسالته كلها: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107].
ولم تكن رحمته ضعفًا؛ فقد كان حازمًا حين يحتاج الحق إلى الحزم، شجاعًا حين تتراجع النفوس، ثابتًا حين تضطرب الصفوف، ولكنه لم يسمح للقوة أن تتحول إلى ظلم، ولا للنصر أن يتحول إلى انتقام.
ولعل يوم فتح مكة من أعظم الشواهد على ذلك. فقد عاد إلى البلد الذي أُخرج منه، ودخل منتصرًا بعدما أصبح خصوم الأمس تحت قدرته، وكان بإمكانه أن يجعل ذلك اليوم يوم تصفية للحسابات، ولكنه أراد أن يعلّم البشرية أن المنتصر الحقيقي هو الذي ينتصر على رغبة الانتقام في نفسه قبل أن ينتصر على خصمه؛ فكان العفو عنوان ذلك اليوم.
أما في الأخلاق، فقد كان صلى الله عليه وآله القرآن يمشي بين الناس، حتى خاطبه ربه بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: 4].
كان صادقًا قبل البعثة وبعدها، أمينًا مع أوليائه وخصومه، وفيًّا، متواضعًا، صبورًا، رفيقًا. ولم يكن يدعو الناس إلى فضيلة ثم يكون بعيدًا عنها، بل كان يبدأ بنفسه، ولذلك دخل إلى القلوب قبل أن تدخل كلماته إلى العقول.
ومن هنا ينبغي أن نسأل أنفسنا في ذكرى رحيله: كيف نكون أوفياء لرسول الله؟
ليس الوفاء له بكثرة الحديث عن سيرته وحدها، ولا بالبكاء على رحيله مع هجر أخلاقه، وإنما يكون الوفاء حين يعود النبي(صلى الله عليه وآله) إلى بيوتنا في صورة الرحمة، وإلى أسواقنا في صورة الأمانة، وإلى مجالسنا في صورة الصدق، وإلى خلافاتنا في صورة الإنصاف، وإلى مواقع المسؤولية في صورة العدل، وإلى تعاملنا مع الضعفاء في صورة الكرامة.
إن أمتنا اليوم أحوج ما تكون إلى أن تستعيد محمد الإنسان، ومحمد المربي، ومحمد القائد، ومحمد صاحب الخلق العظيم.
نحتاج أن نتعلم منه أن الاختلاف لا يبرر الظلم، وأن القوة لا تمنح صاحبها حق الاستعلاء، وأن القيادة خدمة وليست امتيازًا، وأن التدين الذي لا يجعل الإنسان أصدق لسانًا، وأرحم قلبًا، وأنظف يدًا، وأعدل موقفًا، يحتاج إلى مراجعة عميقة.
وفي أيامه الأخيرة، وبعد رحلة طويلة من الجهاد والتربية وبناء الأمة، كان همه مستقبل الرسالة التي أفنى عمره من أجلها. ومن هنا كانت وصاياه وتوجيهاته الأخيرة امتدادًا لذلك الحرص النبوي على ألا تضيع الأمة بعد نبيها، وأن تبقى مرتبطةً بمصادر هدايتها.
ثم جاءت اللحظة التي لم يكن المسلمون يتصورون ثقلها؛ رحل رسول الله صلى الله عليه وآله، وترك عليًا وفاطمة وأهل بيته عليهم السلام، وترك أمةً كانت بالأمس تسمع صوته، وتصلي خلفه، وتراه يمشي في طرقات المدينة.
رحل الجسد، ولكن النبي محمد(صلى الله عليه وآله) لم يغب عن الحياة.
بقي في القرآن الذي بلّغه، وفي القيم التي غرسها، وفي أهل بيته الذين كانوا الامتداد الأصيل لمدرسته، وفي كل يد تمسح دمعة يتيم، وفي كل كلمة حق تقال في وجه الظلم، وفي كل عالم يحمل العلم بأمانة، وفي كل إنسان يعفو وهو قادر، ويرحم وهو قوي، ويصدق حين يكون الكذب أسهل عليه.
وفي ذكرى رحيله، لعل السؤال الذي ينبغي أن يبقى معنا ليس: كم نحب رسول الله؟
فالحب يسهل ادعاؤه.
بل السؤال الأشد صدقًا هو:
كم يشبه سلوكنا رسول الله؟
فإذا أردنا أن نجدد العهد معه، فلنبدأ من هنا؛ أن يكون في أخلاقنا شيء من أخلاقه، وفي رحمتنا شيء من رحمته، وفي عدلنا شيء من عدله، وفي صبرنا شيء من صبره، وفي تعاملنا مع الناس أثر من ذلك النبي الذي وصفه الله تعالى بقوله: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: 128].
فسلامٌ عليه يوم وُلد، ويوم بُعث رحمةً للعالمين، ويوم ارتحل إلى الرفيق الأعلى، ويوم يقوم شاهدًا على أمته.
اللهم ارزقنا صدق الاقتداء به، والثبات على نهجه، والوفاء لرسالته، والحشر معه ومع أهل بيته الطاهرين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.