ایکنا

IQNA

20:25 - August 12, 2026
رمز الخبر: 3505902

القرآن هو كتاب الهداية والشريعة

القرآن هو كتاب الهداية والشريعة
بقلم الباحث اللبناني في الشؤون الدينية السيد بلال وهبي

قال الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَٰئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ ﴿سورة المجادلة: 20﴾.
 
هذه سُنَّة ربانية جارية في حركة الإنسان والمجتمعات، مفادها أن من يقف في مواجهة الحق الذي جاء به الله ورسوله، ويختار العناد والتمرد بدل التسليم والهداية، فإن مصيره لا يكون إلا إلى الذل، مهما بدا قويًا ومتماسكًا، فالقرآن الكريم لا ينظر إلى القوة بمنظار العدد والمال والنفوذ، وإنما بمنظار الصلة بالله، لأن العزة الحقيقية له وحده، ومنه تُستَمّد، قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (سورة المنافقون: 8).
 
المُحادَّة لغة مأخوذة من الحدّ، لأن كل طرف من المتخاصمين يكون في حدّ مقابل للآخر. ومن هنا كانت المحادة لله ورسوله تعني: أن يجعل الإنسان نفسه في جهة مقابلة لأمر الله ورسوله، فيعاند الحق، ويرفض الهداية، ويختار طريق المخالفة والاستكبار.
 
وليست المُحادَّة مجرد وقوع الإنسان في خطأ أو تقصير عابر، فالإنسان يضعف ويخطئ، وباب التوبة مفتوح، وإنما المُحادَّة هي أن يتحول الخطأ إلى موقف، والمعصية إلى تحدٍّ، والرفض إلى عناد، بحيث يقف الإنسان في مواجهة ما أراده الله لعباده من هدى وعدل وصلاح.
 
ومن مظاهر المحادة: ردّ أوامر الله ونواهيه، أو الاستهزاء بها. وتقديم الهوى والمصلحة الشخصية على حكم الله. ومعارضة رسالة الرسول الأعظم(ص) وما جاء به من هداية. والوقوف ضد المؤمنين، وإيذاؤهم، وإضعاف جماعتهم، ونشر الفتن بينهم. واتخاذ الباطل وأهله أولياء في مواجهة الحق وأهله. ولهذا فإن المحادة موقف فكري يتحول إلى سلوك وآثار في حياة الإنسان والمجتمع.
 
ولما كانت عاقبة المحادَّة لله ورسوله وخيمة جاء التعبير القرآني عن ذلك بقوله تعالى: ﴿أُولَٰئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ﴾. إن هذا التعبير يحمل معنى عميقًا، فهو لا يشير فقط إلى وقوع الذل عليهم، بل إلى أنهم أصبحوا داخل زمرة الذين كُتِبَ الله عليهم الذُّلُ والهَوان. فهم ليسوا أصحاب ذِلَّة عارضة تزول بزوال ظرف معين، وإنما هم في صفٍّ اختار طريقًا يقوده إلى فقدان العزة، لأن من حارب مصدر العزة فقد حُرم منها.
 
لقد نزلت الآية الكريمة في سياق مواجهة المشركين المعاندين لله ورسوله، لكنها لا تقتصر على ذلك الظرف الذي نزلت فيه، وتلك الجماعة التي نزلت فيهم، فالقرآن ليس كتابًا يجمد في زمان خاص وإنما هو كتاب هداية وشريعة ممتدة. فكل زمان يوجد فيه من يحادد الله ورسوله، تجري فيه هذه السُّنَّة الربانية. وكل من يختار طريق الظلم، والاستكبار، والعدوان، وإفساد حياة الناس، ومحاربة قيم الإيمان والعدل، فهو داخل في معنى المُحادَّة بقدر ما يحمل من هذه الصفات.
 
مع الإشارة إلى أن المُحادَّة قد لا تكون دائمًا في صورة إعلان الحرب على الدين، فقد تكون أحيانًا في صورة تشويه الحق، أو إضعاف المؤمنين، أو إشاعة اليأس بينهم، أو تمزيق وحدتهم، أو جعل الأهواء والمصالح مقدمة على أوامر الله.
 
فالقرآن يريد أن يربي المؤمنين على إدراك حقيقة مهمة: أن الصراع بين الحق والباطل صراع بين طريقين: طريق يرتبط بالله فيمنحه العزة، وطريق ينفصل عن الله فينتهي إلى الذل.
 
ولهذا يختم القرآن هذا المعنى بقوله تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (سورة المجادلة: 21). فالغلبة النهائية ليست لمن يملك أدوات القوة في لحظة معينة، وإنما لمن يرتبط بالقوي العزيز الذي لا يغلبه غالب.
 
captcha