وأفادت وكالة الأنباء القرآنية الدولية(ايكنا) انه تساءل قاسم "ما الذي ينتظره هذا الشعب؟"، وأجاب "الشعب لا ينتظر حواراً خدعةً كما يسمِّيه البعض، ولا حواراً جادَّاً كما يسمِّيه البعض الآخر، ولا يهمُّه أنْ يسمع كلاماً قليلاً أو كثيراً بشأن الحوار، ولا يعطي للحوار أيَّ قيمةٍ في نفسه، هذا الشعب المغبون الذي يعاني من سياسة التهميش، والعزل، والتمييز، والحرمان، لا يتنظر غير إصلاحٍ يشهده على أرض الواقع، له اعتباره، ويعترف برأيه وحقِّه، ويقرُّ له بسيادته، ولا يبقي بقيَّةً من ظلمٍ أو اضطهاد، ولا تهميشٍ أو تمييزٍ كيفيّ، أو إقصاءٍ كيديّ، أو تسيُّدٍ قهري، ولا سجيناً من سجناء الرأي السياسيّ، ولا خوف خائفٍ من أنْ يعود إلى وطنه، ولا مظلوماً لا يجد من ينتصف لظلمه، ولا رأياً سياسيَّاً تضطرُّ صاحبهُ الملاحقةُ الأمنيَّةُ والقضائيَّةُ الجائرة إلى كبته".
وأشار الشيخ عيسى قاسم إلى أن "الإصلاحُ هو الذي حرَّك الشعبَ وطلبهُ من أوَّلِ يومٍ في حراكه، وكلَّ عمر حراكه، ولا زال ينشده ويصرُّ عليه، وقد بذل ولا زال يبذل الكثير والغاليَ من أجله. أعْطَى على طريقه من أمنه وراحته وماله ودمه، أعْطَى شهداء من رجالٍ ونساء، أعْطَى ألوفاً من السجناء، عاش لياليَ وأيَّاماً طويلةً في منازله وغرف النوم تحت رحمة السحب من الغازات الخانقة، وعلى الطريق نفسه هُدمت المساجد والحُسَيْنِيَّات والمنازل ومسَّ الأسى والسوءُ والقلق والفزعُ والأذى والضررُ مئاتِ الألوف من المواطنين، وتشرَّد من تشرَّد، وتعذَّب من تعذَّب، وارتفع عدد الجرحى والمعلولين، وفُقِئَت العيون، وشُلَّ مَنْ شُلّ، وأُزْهِقَت أنفسٌ بريئةٌ في السجون وتحت وطأة التعذيب، وفُصِلَ من فُصِلَ من عمله ووظيفته ودراسته، ونالت العقوبات المعنويَّةُ الغليظةُ والاتهامات الظالمةُ العديدَ من الشخصيَّات بقصدِ تحطيم السمعة، والقضاء على المعنويَّة، وإسكات الصوت، وإجهاض الدور، واستتمرَّت محنة المعانات والألم والجراحات لما يقرُبُ من السنتين لحدِّ الآن".
وتحدث الشيخ عيسى قاسم عن الحوار، قائلاً :"لا زالت تصريحاتُ المسئولين الرسميِّين تصرُّ على أنَّ الخلاف بين عددٍ من الجمعيَّات السياسيَّة أو بين طائفتين، وأنَّ موقعها الطبيعيَّ في الصراع القائم أنْ تكون حكماً بين الطرفين وهي ترى لنفسها العدالة والنزاهة والموضعيَّة الكافية التي يتطلَّبها هذا الموقع، ويساعدُ على ذلك مع كون الصراع بعيداً كلَّ البعد عن منفعهتها ومضرَّتها أنَّ الطرفين يقفان موقفاً واحداً في كلِّ ما تأخذ به سياستها، وألا ميل من هذه الجمعيَّات أو تلك على الإطلاق لدعم السياسية".
وأضاف "هذا يعني أنَّ قوَّات أمنٍ تابعةً لقسمٍ من الجمعيَّات السياسيَّة أو متسلِّلةً من الخارج هي التي تقمع المتظاهرين في شوارع البحرين مِمَّن يطالبون بالإصلاح بالطريقة السلميَّة، وبسلاحها يسقط من يسقط من الشهداء، وجُرِحَ مَنْ جُرِح، وعلى يدها امتلأت السجون من المعتقلين والموقوفين، وأنَّ لها سجوناً ومحقِّقين ومُعَذِّبين، ولها محاكمُ تصدِّر أحكامها القاسية على الأعداد الكبيرة من الجمعيَّات المتقابلة وجماهيرها التي تطالب بالحقوق، ولا يقول هذا الرأي إلا معتوه".
وبين قاسم أن "المسئولين الرسميُّين يحددون نتيجة الحوار في توصياتٍ ينتهي إليها الخصماء من جمعيَّاتٍ سياسيَّةٍ ومستقلَّة لتنفِّذها المؤسَّسات الدستوريَّة والقانونيَّة للدولة على حدِّ ما كان عليه الأمر بالنسبة لتوصيات ما يُسَمَّى بالتوافق الوطنيِّ السابق، أمَّا الضمان لتنفيذ هذه التوصيات فهو الشعبُ كما يقول التصريح الرسميّ. ووسيلة الشعب في الضغط لصالح التنفيذ لأيِّ توصيةٍ يراها تنصبُّ في مصلحة الوطن هي وسيلته في المطالبة بالإصلاح".
وتساءل قاسم "ماذا عند الشعب من وسيلة ضغط؟ نفس الوسيلة التي يستعملها في المطالبة بالإصلاح، وهي مسيراته واعتصماته، واحتجاجاته السلميَّة، والتي يتلقَّى جزاءها قتلاً وجرحاً وسجناً وويلاتٍ وتعذيبا؟، فهل هذه هي الضمانة التي يقترحها الجانب الرسميّ لتنفيذ وصايا الحوار؟ وبعد الاحتياطات المُتَخَذَّة لعدم خروجها على التوجُّه الرسميّ وتجاوزها لمشتهياته وإملاءاته؟، هذه وسيلة ممنوعة أيضاً، تُقَابَل برصاص الشوزن وبالغازات الخانقة، وهذه هي وسيلة الضمان؟ ومع ذلك استمرار الاعتصامات؟ واستمرار المسيرات؟، وإذا كان التوافق الوطنيُّ المطلوب للحوار هو من جنس سابقه، وسقفه سقفه، ومستوى نتائجه مستوى التوصيات، فلماذا هذه الجولة الثانية وتكرار التجربة والبحث من جديدٍ عن نتائج لا تمثِّل حلاً للمُشْكِلْ ولا ترقى للطموح العادل للشعب ولا تحقِّق مهمَّاً واحداً من مطالبه؟".
وشدد قاسم على أنه "لا منظور للشعب غيرُ الإصلاح الحقيقيّ، ووضع العلاقة بين الشعب والحكومة في نصابٍ صحيحٍ يتسِّم بالعدل، ويقدِّر للشعب وزنه وكلمته في الشأن العامّ الذي ترتبط به مصالح دينه ودنياه وآخرته، ولا أقلَّ من ضمانة دستورٍ متَوافَقٍ عليه بين طرفين، هما طرف الحكم وطرف الشعب، وكما لا ينيب عن الحكومة أحدٌ فيما تريد إلا بإذنها فكذلك لا يمكن أنْ يقرِّر عن الشعب فيا يريده إلا هو ولا يمكن لأحدٍ أنْ ينيب عنه رغماً على أنفه، وكيفَ يُغَيَّبُ مُغَيَّبون، مُغَيَّبُ السجون ومُغَيَّبُ الخارج، عن حوارٍ هم مِن أولى أهل الأولويَّة بشأنه ونتائجه، ومن أشفق أهل الشفقة على مصلحة الوطن، وأصدق أهل الصدق، وحملة الراية في الدفاع عن حقوقه والمطالة بحريَّته؟".
وتحت عنوان "إذاً لِتَخْلُو شوارعنا"، قال قاسم: "مئات الألوف من أبناء هذا الشعب استفادوا من الميثاق، وحتَّى من الدستور المُخْتَلَفِ عليه، ومِمَّا عرفوه من المواثيق الدوليَّة وحقوق الإنسان وحريَّة التعبير، أنَّ من حقِّهم أنْ يشاركوا في المسيرات والاعتصمات السياسيَّة السلميَّة، ثمَّ إنَّ العاصمة جزءٌ من هذا الوطن، وهي عاصمة الجميع، ولا يصحُّ حرمانهم من التعبير عن رأيهم السياسيّ وبالطريقة السلميَّة، المنضبطة، الحضاريَّة ،الراقية، الشرعيَّة ، على أرض العاصمة، فإذا كان الأمر كذلك وكان الجزاء للمشاركة في مسيرةٍ مُخْطَرٍ عنها في العاصمة أو غيرها اقتيادُ المشاركين في صورةٍ مهينةٍ للتوقيف لمدَّة خمسةٍ وأربعين يوماً، ويحتاج أمر المشاركة إلى التحقيق طوال هذه المدَّة ؛ فإذاً لِتَخْلُو الشوارع و لِتَخْلُو البيوت في البحرين من مئات الألوف من مواطنيها لجرم المشاركة في المطالبة بالحقوق والإصلاح بالأسلوب الملتزم بالسلميَّة".
وقال قاسم: "الأمَّة التي تريد أنْ يستمرَّ لها وجودٌ، أنْ يكون لها بقاء، لا تسمح لنفسها بالتمزُّقات، والأمَّة التي تتوق للنهضة والسبق والريادة لا بُدَّ لها من الحفاظ على وحدتها، تكون الأمَّة قد اختارت ألَّا تكون لها نهضة، وألَّا يكون تقدُّمٌ ولا سبق، بل ولا بقاء، إذا اختارت طريق الانشطار والتمزُّق والتشظُّيات".
ورأى أن "مسألة وحدة الأمَّة وعدمها مسألة تقدمٍ أو انتكاس، بل قضيَّة استمرارٍ أو انتهاء، والأمَّة الإسلاميَّة ليست مستثناةً من هذا الأمر، فهي محكومةٌ بما يحكم كلَّ الأمم، وبقاء هذا الأمَّة بصفتها الدينيَّة الإسلاميَّة غير منفصلٍ بحالٍ عن الأحوال عن استمساكها بدينها وانشداد كلِّ واقعها إليه. والإسلام في ظهوره العمليّ، وفي امتداد وجوده في الأرض وغلبته، محتاجٌ هو الآخر إلى وحدة الأمَّة التي آمنت به، وحملت أمانته، وفي ضعفها ضعفه، وفي تفتُّتها تفتُّته، وفي ذهابها ذهابه، وكلَّما زاد الانقسام على الإسلام، وتعدَّدت رؤى الأمَّة حول مرتكزاتٍ من مرتكزاته، كلَّما كان ذلك سبباً رئيساً لانقساماتها وتشظِّيها، وليس أدْعَى إلى ذلك من أنْ يتصدَّى إلى بيان الرأي في مسائل كبرى من مسائل الإسلام من لا أهليَّة له علماً أو رعا فيُسْمَع لرأيه ويُؤْخَذ به، فعلى الأمَّة ألَّا تسمح لهذه الآراء القاصرة أو الفاجرة أنْ تجد لها موقعاً في حياتها، أمَّا لو توقَّفت وحدة الأمَّة على أنْ تتوحَّد آراء مجتهديها كلِّهم في كلِّ المسائل، حين لا يمكن أنْ تتوحَّد الآراء الاجتهاديَّة في إطار المذهب الواحد، لكان عليها أنْ تكون مئة أمَّة، وألف أمَّة، وأنْ تتمزَّق كلَّ مُمَزَّق. إذا انتظرنا لوحدتنا الإسلاميَّة الكبرى أن نتفِّق داخل المذهب الواحد -فضلاً عن كلِّ المذاهب- على كلِّ الآراء الاجتهاديَّة فبينننا وبين تلك الوحدة ما لا يمكن أن يُقْطَع".
وأضاف "ليس أسعد لأعداء الأمَّة جميعاً من أنْ ينحطَّ مستوى مجتهديها علماً وتقوى، وتتفرَّق بهم الأراء فيما لا يصحُّ الاختلاف عليه من أمر الإسلام، ويتكثَّر علماء السلاطين مِمَّن يبيعون دينهم بالأدنى، والطامحون من القاصرين علماً وديناً في الزعامات الدنيويَّة، فلا يهمُّهم أنْ تتوزَّع الأمَّة أشتاتا، وتفقد وحدتها، وأنْ يسعوا إلى ذلك عن قصدٍ وسبقٍ وإصرارٍ مادام طريقهم إلى الدنيا هو الإختلاف ودعم السياسات الظالمة، وما دام تقاضي الأجور والمكافآت الماديَّة الضخمة، والحصول على الألقاب المغرية، والشهرة الزائفة، يتطلَّبُ ثمناً من الدين، ومن وحدة الأمَّة، ولا يحصل إلَّا بتفتيت كيانها".
وقال: "على الأمَّة حفاظاً على ما تبقَّى من وحدتها، وطلباً لصون هذه الوحدة ومتانتها، واشتدادها، وتأبِّيها على التفتُّت والذوبان، وقدرتها على أنْ تنهض بمستوى الأمَّة وتبلغ بها مبالغ لا تطالهُ الأمم، أنْ تزيد من فهمها للإسلام، وتحاول أنْ تقترب بفهمها من فهمه، وبواقعها من واقعه، وخلقها من خلقه، وأهدافها من أهدافه، وأفقها من أفقه، وتتمحور في كلِّ حركتها حول التوحيد، وهي إذا أرادت ذلك لا بُدَّ أنْ تتمحور كلَّ حركتها حول الرسول والرسالة ؛ لتأتي الأمَّة الوسطَ بحقّ، وأوْعَى أمَّة، وأهْدَى أمَّة، وأقْوَم أمَّة، وأعْلَمَ أمَّة، وأَنْتَجَ أمَّة، وأكثر الأمم سبقاً في كلِّ مجدٍ وعزٍّ وخيرٍ وكرامة".
المصدر: موقع "صوت المنامة"