سوريا والعراق مستهدفان من قبل الإرهاب الغربي والسعودي
من الصعب للغاية تصديق أن تكون دولتان متجاورتين ولهما حدود مشتركة، وفي نفس الوقت تمارس كل منهما العنف ضد شعبها بطريقة مماثلة.
ورغم ذلك فإن الحكومات الغربية ووسائل إعلامها الفاشلة لا تفكر منطقياً ولا تري نور الحقيقة، إذ تطلق اسم « المتمردين » بلهجة إيجابية علي المجرمين في دولة ما، وفي دولة أخري تسميهم بـ « الإرهابيين » في محاولة لازدرائهم. وهذا نموذج سافر لما يسمي بـ « الازدواجية » أي العجز في مشاهدة الحقيقة والتصريح بها.
لا شك أننا نتحدث عن سوريا والعراق وهما دولتان تملكان العديد من القواسم المشتركة المتعلقة بالتراث الإنساني منذ الحضارة القديمة. الدولتان يتم الآن تمزيقهما بواسطة الأسلحة والمتفجرات التي يستخدمها مأجورون لا يقيمون أي وزن لأرواح الناس. القضية ليست أن الناس في كلا الدولتين يعانون شكلاً مماثلاً من العنف المتشدد لأن هؤلاء الإرهابيين الذين أطلق عليهم لقب الأبطال، قد صرحوا بوحدتهم التنظيمية والفكرية والروحية مع جبهة النصرة في سوريا ومع القاعدة في العراق.
فلا حاجة أن نذهب بعيداً لأن هذه المجموعات الجهادية ذاتية البناء، هي التي تشعل نيران الحرب في العراق وسوريا. ما يسمي بـ « الجيش السوري الحر » الذي يرفع الغرب من شأنه عبر ترهاته، هو في الحقيقة واجهة مزخرفة تقوم بإخفاء الجرائم والاعتداءات التي تقترفها كل من جبهة النصرة وتنظيم القاعدة.
من المضحك أن الحكومات الغربية ووسائل الإعلام التابعة لها تسمي المجرمين في سوريا بـ « المتمردين » وتبذل قصاري جهدها لإيجاد مستمسك قانوني من أجل الاستمرار في ضخ الأسلحة والصواريخ المضادة للطائرات والألغام المضادة للدبابات إلي هؤلاء المجرمين.
كل ذلك في حين أن الموقف مختلف في العراق حيث تتحدث وسائل الإعلام الغربية عن أعمال عنف يرتكبها « إرهابيون ». الأسلوب الذي اختارته وسائل الإعلام هذه لسرد أعمال العنف في نشراتها الإخبارية – والذي يتكرر بين حين وآخر – ينم عن إزدواجية وعدم استقرار ذهني، حيث نراها تقدم الإرهابيين علي أنهم وراء عملية تفجير ما في بغداد مثلاً، ولكنها لا تستنكر عملية مماثلة يتم تنفيذها في دمشق أو علي الأقل تقوم بتبريرها.
لو قدمت واشنطن ولندن وباريس مقترحاً يتضمن المطالبة بالدعم المالي لمفخخي القاعدة في العراق أو طالبت بمشاركة هذا التنظيم في المفاوضات السياسية المستقبلية مع الحكومة العراقية، لاستاء الجميع دون شك، بينما هذا هو الهدف الذي تطمح إليه الدول الغربية في سوريا.
الادعاء الفارغ بأن حكومة بشار الأسد غير شرعية، هو الطريق الوحيد أمام الحكومات الغربية ووسائل إعلامها كي تبرر علي ضوئه موقفها اللامنطقي واللاأخلاقي تجاه سوريا والعراق. خلال العامين الماضيين استخدمت الحكومات الغربية ووسائل إعلامها جميع أنواع الخدعة لتشويه صورة « الأسد » كطاغية لا يحظي بأي شرعية لدي الناس، إلا أن الحقيقة التي يشاهدها الغرب المناشد بتغيير النظام هي أن الأسد يحظي بالشرعية والشعب السوري هو الوحيد الذي بإمكانه سلب الشرعية منه في الانتخابات الوطنية التي ستجري العام المقبل.
ومن الميزات المضحكة لهذه الازدواجية أن أولئك الذين يعانون من الظروف الراهنة عموا عن مشاهدة نظرتهم اللامعقولة.
طواغيت الدول المطلة علي الخليج الفارسي هم الذين يدعمون خطة الغرب اللامشروعة لتغيير النظام في سوريا، وهي أنظمة استعمارية التي لم تشهد أي انتخابات خلال تاريخها، وتحكمها العوائل المستبدة والمتواطئون معها.
ثم إن هؤلاء الطواغيت المدعومين غربياً في منطقة الخليج الفارسي هم الذين أشعلوا نار العنف الطائفي في العراق، وهو نفس العمل الذي ما زالوا يمارسونه منذ عامين في سوريا.
فالعنف عاد ثائراً إلي العراق بعد سنوات هادئة نسبياً حيث وصل ضحايا التفجيرات وإطلاق الرصاص إلي 700 شخص خلال الشهر الماضي، وهذا هو أكبر حصيلة شهرية للضحايا خلال السنوات الخمس الماضية مما يذكرنا بحمام دم من العنف الطائفي الذي كان تقف وراءها القوات المدعومة أمريكياً في غزو العراق من سنة 2003 حتي 2012.
وفي الأسبوع الفائت أعني يوم الاثنين ( 20 مايو ) قُتل أكثر من 80 شخصاً جراء تفجير عشر عبوات ناسفة في بغداد وتفجيرَين في البصرة وذلك خلال يوم واحد فقط. وحسب ما جرت عليه العادة لم تتبنَّ أي مجموعة مسؤولية التفجيرات التي أوقعت كل هؤلاء الضحايا، إلا أن جميع هذه المجازر القاسية تحمل بصمات المتشددين المنتمين إلي القاعدة. هذه التفجيرات التي يتم تنفيذها دون سابق إنذار تستهدف مناطق يقطنها الشيعة.
نعرف أن تنظيم القاعدة في العراق كما في سوريا وسائر البلدان، يقوده الوهابيون المتشددون الذين يري أتباعهم أن الشيعة مرتدون ينبغي قتلهم.
أشخاص قلائل يزعمون أن حكومة نوري المالكي ذات الأغلبية الشيعية لا يشوبها عيب أو نقص.
إلا أن سفك الدماء الطائفي والإرهاب العشوائي الذين عادا إلي العراق بعد حين، يعتبران شكلاً متطرفاً من عدم الرضا السياسي الذي قد تتبناه الأقلية السنية العراقية تجاه المسؤولين – ومعظمهم من الشيعة – في بغداد.
العنف الموجود في العراق تقف وراءه جهات خارجية كما هو الأمر بالنسبة لسوريا، وهي جهات خططت لعمليات التخريب وتغيير النظام في كلا الدولتين.
والقاسم المشترك هنا هو المال والسلاح والآراء ذات الصبغة الوهابية التي يتم تصديرها إلي العراق وسوريا من طواغيت دول حوض الخليج الفارسي أي السعودية وقطر والإمارات العربية المتحدة.
خلال غزو العراق من قبل القوات التي تقودها الولايات المتحدة، كانت السعودية بالذات من الدول الرئيسية التي قامت بتمويل المجموعات الجهادية المنضوية تحت تنظيم القاعدة، وهذه العلاقة تعود جذورها إلي دعم السعودية للمجاهدين الأفغان ضد الاتحاد السوفياتي في ثمانينيات القرن الماضي. لقد لعبت العناصر الاستخباراتية في الجيشين الأمريكي والبريطاني دورها في تكوين هذه الشبكة الإرهابية التي تحولت إلي أداة عالمية بيد القوي الغربية لأهداف منها زعزعة الاستقرار في ليبيا أو القوقاز في روسيا، وذلك رغم كل المزاعم التي تشدق بها الجيشان حول « الحرب علي الإرهاب ».
ما يثير السخرية هو أن بعض الأعداء والقوات التي وقفت بوجه الجيشين الأمريكي والبريطاني في العراق كانت تتكون من عناصر ومجموعات سبق أن قادها الغرب ودعمتها السعودية، ولكن المصالح المشتركة في العراق و هو من أغني الدول بالنفط، تسهل الأمر علي أصحاب القرار في أميركا وبريطانيا للتضحية بعدد من قواتهم أو تعريضهم للإعاقة في الحرب، إضافة إلي ذلك تعد مبادئ الغرب لمكافحة الشغب عبر إطلاق مجموعات مكافحة الإرهاب وخلق نزاعات طائفية، الجزء الرئيسي من خطة الاحتواء الأمبريالي وتوجيهه.
غني عن القول أن السعودية كانت مستاءة مما آل إليه مشروع أميركا وبريطانيا المشترك في العراق تحت عنوان خلق الشعب ( أو تغيير النظام )، وجاء هذا الاستياء بعد أن وصل إلي السلطة نظام حكم يمثل الأغلبية الشيعية أكثر مما كان عليه نظام صدام.
تصاعد الاستياء السعودي بعد أن انسحبت القوات الأمريكية نهاية عام 2011 وتعاظمت قوة حكومة المالكي في السياسة الخارجية عبر المضي قدماً في إقامة علاقات حميمة مع إيران وسوريا. يذكر أن كل هذه الدول الثلاث تشترك في « التراث الشيعي ».
ولذلك نري ألسنة نيران الإرهاب بدأت تلتهم العراق من جديد. يحاول السعوديون وحلفاؤهم الطواغيت في منطقة الخليج الفارسي أن يجعلوا من سوريا والعراق والمنطقة بأسرها بؤرة تنسجم أكثر فأكثر مع خطتهم الغامضة للاحتواء الطائفي. يمكن التأكيد علي أن الأموال السعودية والقطرية الملطخة بالدماء بدأت تدخل العراق منذ سنة، وهي التي توسع نطاق هذا العنف الذي يبدو أنه عنف أحمق؛ فهم يحاولون أن يحوّلوا العراق وسوريا إلي دولتين فاشلتين.
يشعر الطواغيت غير الشرعيين في منطقة الخليج الفارسي بالازدراء والاستياء جراء المكانة التي حصلت عليها إيران بجدارة بسبب امتلاكها لحكومة مستقلة ديموقراطية ومصادر الطاقة الهائلة وسياستها الخارجية العادلة تجاه دول الجوار ومقاومتها الجريئة بوجه اعتداءات الأمبريالية الغربية سيما بوجه الكيان الصهيوني الذي يمارس إرهاب الدولة. لذلك تريد أسرتا آل سعود وآل ثاني الغبيتان الحاسدتان المهزوزتان - وهما مجرد تابعتين بائعتين للوطن – أن تجرا العراق وسوريا نحو قمة العنف والفوضي والاقتتال كي تعبدا طريقهما للهجوم علي إيران.
بالطبع هذا هو الهدف النهائي للقوي الغربية أيضاً فهي مستعدة لإطلاق كلابها السفاكة في كافة أرجاء الشرق الأوسط بغية تحقيق هدفها، إلا أن الدول الغربية ووسائل إعلامها مضطرة للمضي قدماً حتي النهاية لتحقيق أوهامها الجوفاء بهدف إخفاء الجرائم السافرة التي تُرتكب في إطار خطة تغيير النظام هذه، وعلي هذا الأساس تحولت سوريا والعراق والشرق الأوسط بأكمله إلي مستنقع من نفاق الغرب وازدواجيته.