علي الرغم من أن هذه الجولة تأتي في سياق مواصلة المحاولات الأميركية الهادفة إلي إستئناف محادثات التسوية بين قادة الكيان الصهيوني والسلطة الوطنية الفلسطينية من أجل حل الأزمة العريقة في الشرق الأوسط، لكن يبدو أن هناك أهداف أوسع نطاقا تكمن وراء المحاولات الأميركية بحيث أن محادثات التسوية تشكل جزءا صغيرا من هذه المحاولات.
في الحقيقة أن جولة جون كيري ليست غيرمرتبطة بالجولات المكثفة والمتتالية التي قام بها قادة ومسؤولوا دول المنطقة بما في ذلك الدول العربية وتركيا مع الرئيس الأميركي باراك أوباما في واشنطن خلال شهر أو شهرين ماضيين. تم في هذه الجولات التركيز علي التوصل إلي حل للأزمات الراهنة خصوصا أزمتين رئيسيتين هما: الأزمة الفلسطينية والأزمة النووية الإيرانية اللتين يعتبرهما هؤلاء المسؤولون أساس حل الأزمات الأخري مثل الأزمة السورية وأفغانستان والبحرين ولبنان، هذا وبالإضافة إلي أنه يقال بأن أميركا تحاول تخفيف أعباء أزمات الشرق الأوسط علي جهازها الدبلوماسي، والتركيز علي منطقة شرق آسيا والمنافسة المريرة مع الصين بإعتبارها ماردا ناشئا.
وأعلنت المصادر الخبرية الأميركية أنه سيلتقي جون كيري في هذه الجولة مجددا بقادة الدول العربية المطلة علي الجزء الجنوبي من الخليج الفارسي خصوصا السعودية، وتركيا، والاردن، ولبنان، وافغانستان، والكيان الصهيوني.
لكن في الحقيقة أن هذه المحاولات والمناقشات المعلنة والمخفية تهدف أولا إلي إنشاء نظام إقليمي جديد يركز علي تلبية مصالح أميركا وإسرائيل والأنظمة الحليفة لواشنطن، وثانيا إلي فرض الحصار علي ايران وحلفاءها في محور المقاومة سياسيا وإقتصاديا وأمنيا وعسكريا. فالهدف الرئيسي من جولة جون كيري إلي الشرق الأوسط هو تشكيل إئتلاف مناهض لإيران والمقاومة علي مستوي المنطقة.
تحظي هذه القضية بالمزيد من الأهمية بالنسبة إلي واشنطن وحلفاءها خصوصا إذا نظرنا في التطورات الحاصلة في سوريا، وتغيير توازن القوة العسكرية لصالح النظام السوري، وإحتمال عودة سوريا إلي مكانتها السابقة كبلد مؤثر علي مستوي المنطقة، ومبادرتها إلي إتخاذ موقف مختلف عن السابق تجاه الدول الداعمة للإرهاب والإرهابيين ولاسيما الدول الدينية مثل السعودية وقطر وتركيا والأردن والإتحاد الأوروبي.
وعلي الرغم من أن المحاولة الأميركية لإنشاء "منظومة أمنية جديدة" للمنطقة يبدو بأنها هجومية لكن تعتبر في الحقيقة نوعا من المحاولة التدافعية أمام الوضع الإقليمي الجديد وتزايد قوة محور المقاومة بزعامة إيران مجددا.
إلا أن واشنطن تحاول وضع مسؤولية وتكاليف هذه الخطة الجديدة علي عاتق دول المنطقة خصوصا الأنظمة والدول المطلة علي الخليج الفارسي، والتي لديها عائدات نفطية ضخمة، ولذلك يعلب وزير الخارجية الأميركي في نفس الوقت دور وزير الدفاع فيحاول إنشاء "منظومة أمنية جديدة" علي مستوي المنطقة، والإشراف علي عملية بيع المعدات العسكرية والأدوات والأنظمة الإلكترونية والصاروخية لدول المنطقة.
كما أن هذه القضية تشير في نفس الوقت إلي أن أميركا وحلفاءها لاتزال تنظر إلي المنطقة بنظرة تقليدية تركّز علي الإمكانيات والأدوات، وربما الهدف من هذا الموقف هو الإهتمام بالبعد التجاري له، ونهب الثروات المادية العالمية عبر عصابات بيع الأسلحة ولوبيات الأسلحة المتواجدة في السلطات الأميركية، والتصدي لإستخدام هذه الثروات للإزدهار الإقتصادي لدي البلدان الإسلامية لاسيما في عصر الصحوة، والتصدي لعودة هذه الدول إلي هويتها الدينية ومبادرتها إلي تحديث إقتصادها الوطني والداخلي.