ایکنا

IQNA

13:40 - May 11, 2020
رمز الخبر: 3476541
الرباط ـ إکنا: هناك انعدام وعيّ بتاريخ الأفكار المؤسسة للسياسات التي بها نحيى، ومع كورونا التي تزامنت مع ذروة الإمبريالية بات واضحا أنّ تسييس الوباء انتهى بتكميم الجنس البشري وبداية التحكّم بالهواء.

وأجد من الضروري بسط أرضية منهجية ونظرية لما سنخوض فيه ونحن في ذروة الجائحة التي تجتاح القرية الكونية الملتهبة، ظُهر العولمة المستحيلة. أهمّ قضية وجب التذكير بها هنا هو ما نصادفه عادة من تفاعل سلبي مع المقاربة المفاهيمية لأزمة النظام الدّولي كتلك التي تعتبر المقاربة الفلسفية للسياسة الدّولية ضربا من المُثل التي لا تلامس الواقع، وذلك ما يؤكّد أنّ هناك انعدام وعيّ بتاريخ الأفكار المؤسسة للسياسات التي بها نحيى، ومع كورونا التي تزامنت مع ذروة الإمبريالية بات واضحا أنّ تسييس الوباء انتهى بتكميم الجنس البشري وبداية التحكّم بالهواء، وباعتبار أنّ الواقعية والبراغماتية باتت لها طبقات ومستويات في التخاطب وكلاهما ثمرة لتاريخ مديد من الأفكار يمتدّ في العصر الحديث إلى ميكيافيل وتوماس هوبز مرورا بجون ديوي وبيرس ووليام جيمس وصولا إلى ليو ستراوس وألان بلوم ورتشارد رورتي، هنا نتحدّث عن تأسيس أيديولوجي سرعان ما تحوّل إلى برنامج مهيمن على الفلسفة السياسية للمركز الذي يدير النظام العالمي وعلى أساس ذلك تقوم نظرية الألعاب الدولية. لن نفهم شيئا إن كنّا نبتدئ التحليل من آخر برغيّ في جهاز التطبيق للبرنامج السياسي، هاهنا تقع مشكلة الحداثة التي اختزلها ليو ستراوس في أزمة الفلسفة السياسية الحديثة. إنّ مشكلتنا هي حين نختزل المسلسل الدرامي في إيماءات الممثّل وننسى المؤلّف والسيناريست، حتما لن نفهم شيئا إن لم نقف على مخاضات ميلاد الفكرة المؤسسة. إنّنا تعلّمنا مرارا أنّ السياسة إن لم تمارسها فستُمارس عليك كما تعلّمنا أنّ القانون لا يحمي المُغفّلين، وكذلك علينا أن ندرك بأنّ المفاهيم إن لم نقف على مداميكها لن يتفهّمنا الغالبون، وبالمختصر المفيد فإنّ ما يطبّق على هذه المساحة الكبرى من الكوكب هو نسق فكري معدّل تحوّل بفعل التّمكين إلى برنامج، فالمعالجة في صميم المفاهيم المؤسسة للسياسات هي عين الواقعية وأنّ أي محاولة لفهم الواقع من خلال توصيف السياسات هي شرود وتحليق خارج الواقع نفسه، فالواقع يموج بالأفكار والبرامج وليس حقلا للتفاعل الساذج مع الأفكار والأحداث. لكم يبدو لنا أنّ الهائمين في سوء الفهم الكبير لتاريخ الأفكار في وضع يدعو للشفقة، فالمرء لا يعذر لجهله القانون وكذلك لا يعذر لجهله المفاهيم وتاريخ الذّهنيات.

وهذه الإشارة تحيلنا إلى معضلة أخرى لها صلة بالمشكلة الأولى، فحينما نهرول كالبُله على طريق سيّار من المفاهيم نتجاهله ولا نأبه بأهميته، فإنّنا سنلوذ كالأعمى بنظرية المؤامرة ، لأنّ أي صفعة على القفا ستعتبر مؤامرة، مع أنّ المؤامرة لا تكون كذلك حتى تكون في عداد اللاّمفكّر فيه، لكن البرنامج الذي يطبّق هو خطاب معلن وخاضع لسلّم حجاجي متكامل، لا شيء يخفى. وعليه، فإنّ الاستناد على نظرية المؤامرة في التحليل يقتضي الكثير من التّأمّل والتهذيب، إنها بالأحرى عقيدة وليس نظرية، لأنه لا يصار إلى النظرية إلاّ بدليل، لكن ما هي أدلّتنا؟ أعتبر أنّ غياب الاجتهاد يجعلنا نتشبّث أكثر بالمؤامرة كنظرية ونموذج للتفسير بينما مقتضى التحقيق يقتضي أن نتحدّث عن المؤامرة كفرضية. وبين الفرضية والاستنتاج مسافة برهانية قلّما نقف عليها. وسوف يتضح ذلك في سياق الجائحة حينما تمّ الرّبط السريع بين الجائحة ونظرية مالتوس السّكانية، إنّ تفكيك محاولة مالتوس تضعنا أمام مفارقة في النظر والعمل، وعلى أساس المالتوسية نفسها سنقف على حقيقة أخرى  وهي أنّ كورونا لا تكفي لتحقيق المطلب المالتوسي الذي له قصة أخرى أسيئ فهمها في الخطاب الاقتصاد السياسي شديد الميل للاختزال. 

وثمة ميل ساذج للتفسير، لكن في مثل هذا الوضع كما سنرى لاحقا قد يتحول الاعتقاد بنظرية المؤامرة إلى الإستغلال من قبل مراكز الهيمنة في العالم عبر ضخّ سرديات تناقضية تسلب المصداقية من أي تفسير ولا تمنحه الجدّية الكافية، سنكتشف ذلك حين ندرس فلسفة واستراتيجيا الكذب الدّولي، ولكن سأعطي مثالا بعلاقة المالتوسية بالمؤامرة المفترضة للوباء لكي نقف ليس على ضحالة الرؤية والإستيعاب للأفكار المؤسسة بل أيضا لإعطاء نموذج عن دور الاختزال في جعلنا في أكثر معتقداتنا بنظرية المؤامرة نصبح ضحية لأسوئها.
 
المالتوسية وكوفيد 19 أية علاقة؟

وسأؤكد من خلال هذا التحليل على أنّ المالتوسية لم تفكك بما فيه الكفاية، وأمّا في المجال العربي فإنني على يقين بأنّ محاولة مالتوس لم تُقرأ كما ينبغي، وفي دحض هذه السردية نكون قد أخذنا فكرة عن هشاشة نظرية المؤامرة حين تصبح عقيدة لا فرضية.

من النّاحية النظرية يعطينا كورونا فكرة كاملة عن نظرية سابقة في الاقتصاد السياسي الكلاسيكي: المالتوسية، لم يكن أحد يدرك أي معنى لحلّ معضلة علاقة الإنتاج بالديمغرافيا من خلال نفض ملايين البشر عبر آليات الحرب، لكن الحرب اليوم قائمة وهي لا تقلّ فتكا عن الحرب النووية، إنها تستطيع وفي صمت تقويض ملايين البشر.

لقد كانت الديمغرافيا ولا زالت واحدة من معضلات المستقبل البشري، لكن الصين خطّأت هذا العلع الديمغرافي وقدمت نموذجا مختلفا، ولم ينظر ماو للكائن كمستهلك فقط بل نظرت إليه كمنتج لغذائه، وستصبح الديمغرافيا إشكالية حقيقية بالنسبة لنمط الإنتاج الرأسمالي الذي ينتج البطالة والعزل والصراع الطبقي، فالأمة التي تضمّ ما يقارب سُبع البشرية تمتلك أفضل وسيلة للإنتاج والتوزيع، ولا وجود للمجاعة في الصين ولا شرائح تحت خطّ الفقر، ولذلك كانت الصين هي أقوى اقتصاد يدبّ على الأرض بينما ازداد فيها أمل الحياة، وستسجل مستشفيات الصين نجاة امرأة مسنة تبلغ 103 عاما من الإصابة بكورونا في ذروة الجائحة. ثمّة ملاحظات كثيرة على فكرة مالتوس التي عبّر عنها بأسلوب بلاغي في أطروحته التي وصفت بالكئيبة حول مبدأ السكان، قسم خطّأه التّاريخ حيث تضاعف السكان في دول ليبرالية مثل الولايات المتحدة الأمريكية وازداد مع ذلك الإنتاج، وقسم يتعلّق بمفارقات النظام الرأسمالي حيث تراجع الإنجاب وحتى الزواج – كما جاء في توصيات مالتوس – ولكن مالتوس لم يتوقّع ارتفاع في معدّل الشيخوخة مقارنة بالشباب في المجتمعات الرأسمالية. فالتوصيات التي قدمها مالتوس من شأنها أن تنشئ مجتمعا داروينيا بامتياز، ولهذا أمكننا اعتبارها إحدى وجوه الداروينية الاجتماعية التي ساهمت في التمهيد للفكرة الداروينية، فلقد أوصى بكل ما يعزز النظام الرأسمالي والتضييق على الشّغيلة، باختصار إن كنا نريد أن نفهم مالتوس بعيدا عن بلاغاته التي منحها مصطلحا رياضيا، فإنّه كان يرمي لتفقير المجتمع بكيفية ممنهجة حتى لا يقوده النمو إلى حالة العودة إلى الفقر. الحلول المالتوسية ذات بعد طبقي بامتياز، وجب على شريحة من المجتمع أن تتأخر في الزواج ووجب أيضا أن لا يكون هناك زيادة في الأجور، على المجتمع أن الطبقات الشعبية أن لا تدخل في دورة الإستهلاك، عليها أن تجوع وتُحشر في مواجهة الحاجات لكي لا تفكّر في الزواج والتكاثر. انظر كيف يتحدّث عن توصيات تتعلّق بفئة من المجتمع . لم يقرأ مالتوس مسار الاقتصاد السياسي إلاّ في ضوء معضلة إنجلترا يومئذ. ستشهد أوربا نضالا عمّاليا وثورات للشّغيلة، واستمرت في وضع من الرفاهية والتكاثر إلى حدّ ما. لا أريد أن أتوسع أكثر في مناقشة أطروحة مالتوس حول السكان بشكل كامل ولكن لا بدّ من تفكيك الخطاب لندرك أنّ النزعة القدرية الكامنة هنا، ليس فيما يتعلّق بمخالفته للخطاب الدّيني الذي طالما نظر للإنجاب ومؤسسة الزواج كما تحدث عنها مالتوس كثيرا بازدراء بوصفها من النعم، بل يوجد في نزعته القدرية الكئيبة بالفعل، ما يوحي  بوجود استنتاج مسبق ألا وهو عدم الجدوى من التّنمية، وعلينا أن لا نخالف غايات الطبيعة من محاولة تحسين معيش الطبقات الفقيرة . إنها إحدى التعبيرات المنسجمة مع خطاب كو كلوكس كلان، حين نبيد العنصر البشري ونكرس وضعيته الاجتماعية، تصبح التنمية مجرد حصار اجتماعي لكي لا يفكّر المجتمع في التّطوّر خارج حدود ما فرضته الطبيعة بالمفهوم الدّارويني الذي يمنح القويّ كل الحقّ في احتكار الحياة الأفضل، ففي عمق المالتوسية نكتشف الأفق الجديد لنظام عبودي لا يمنح العبيد الحق في تحسين أوضاعهم، وكل ذلك يتمّ بناء على الفضيلة والطبيعة والإعتقاد، لنتذكّر أنّه في مقاطع من أطروحته اعتبر التكاثر مخالف للأمر الإلهي. قلت لا بدّ من الوقوف عند المالتوسية لأنها هي نفسها تمّ اختزالها وقراءتها قراءة سيّئة ومبتورة ككل الأفكار الكلاسيكية التي يتمّ قراءتها في العالم العربي باختزال.
مصير القرية الكونية على هامش مفاعيل جائحة كورونا
ونكاد لا نلمح في محاولة مالتوس سوى الدعوى المتكررة لضبط الطبّقة الفقيرة – خلافا للعليا والمتوسطة - ولكي نحقق تراجعا سريعا في معدّل الولادات والانفجار الديمغرافي كان على الطبقة الفقيرة أن تدفع الثّمن، وحدها المسؤولة عن هذه المأساة، بل هي حين تكون فقيرة وتحرس أن تتكاثر بسبب ما أودعته الطبيعة في الكائن الحيّ سيكون الفقير الذي يعلم بمآله، أي ينجب دون أن يكون قادرا على إعالة أبنائه، بمثابة كائن لا أخلاقي. لم يكن مالتوس صاحب خطاب اختزالي يجعل كل محاولات تحسين حياة الفقراء من دون جدوى فحسب بل كان حفار قبور يبحث إحصائيا وأيضا استشرافيا في أفضل طريقة لتصحيح التدفق الديمغرافي، تمجيدا للحرب والطاعون اللذين كان لهما كبير دور في كبح جماح هذا النمو السكاني، إنّه تمجيد طبقيّ للموت.

في مقدمته الجديدة التي يشرح فيها الدافع وراء محاولته تلك يذكّر بأنّه كان متأثرا ببعض الكتب التي تناولت موضوع السكان من أمثال السيد غودوان واعتمادا على ما كان بين يديه في إقامته بإحدى الضيعات من كتب لكل من هيوم ووالاس وآدام سميت ود. برايس. وهذا يعني أن مالتوس التقط جانبا واحدا من أسباب الفقر ليحولها إلى السبب الرئيسي الذي لا مفرّ من معالجته بتدبير ممنهج إلى حد تعديل قوانين تحسين أوضاع الفقراء. غير أنه سرعان ما سيبين بأن تحسّن أوضاع الفقراء سيكون هو السبب الأساسي للنمو السكاني، وهذا ما أسمّيه بالمفارقة المالتوسية، وهي مفارقة تجعل ادعاء المقدّمة ينتهك مضمون البحث في المبدأ السّكاني، حيث أصبحنا أمام سؤال إشكالي من شقين:

-هل إن الفقر سببه النمو السكاني؟

- هل إنّ تحسن أوضاع الفقراء هو سبب النمو السكاني؟
 
 وإذن:

- هل يجب أن نقلل من النمو السكاني لنقضي على الفقر؟

- هل يجب أن نحاصر الفقراء لكي لا تتحسن أوضاعهم فيفكرون في الزواج والتكاثر؟

نستطيع صياغة مفارقة مالتوس التي تنتهي إلى خُلف منطقي - وفق الأورغانون الأرسطي نفسه الذي استند إليه كواحد ممن لفتوا إلى معضلة التدفق السكاني- على الصورة الآتية:

"لكي لا نكون فقراء علينا أن لا نتناسل، لكي لا نتناسل علينا أن نبقى فقراء".

وعند تفكيك الخطاب المالتوسي سنجد أنّ المستهف في هذا البرنامج هم الفقراء وشريحتهم، يجب أن يخضعوا لإجراءات تستهدف وجودهم عبر أساليب الحصار الطّبقي وكبح تطلّعهم إلى تحسين أوضاعهم حيث هناك مكمن الخطر في النمو الديمغرافي. فالنمو السكاني في نظره ينتج الفقر والبؤس بالنسبة للطبقات السُّفلى، ومن هنا حاول تفسير أسباب فشل الجهود المبذولة من قبل الطبقات العليا لإنقاذ الطبقة الفقيرة. 

ولم يخف مالتوس غايته من تكرار الكثير من الأمثلة لأنّ الغرض كان هو التأثير على القدر الأكبر من القراء ، باعتبار أن فكرة الخطر السكاني في نظره مما تناوله فلاسفة من قبله كأفلاطون وأرسطو وآخرون مثل فرانكلين وسير جيمس ستيوارت وأرتور يونغ الخ، لكن هذه الإشارات مرت من دون أن يلتفت إليها الرأي العام . يلجأ مالتوس إلى مغالطة الاختزال والتضخيم، ذلك لأنّ المعضلة السكانية لم تكن يوما في أولويات برنامج تحسين الوضع الاقتصادي ولا نظر لها أولئك على أنّها جوهر المشكلة الاقتصادية، وهكذا سيتجاهل مالتوس كل العوامل الأخرى سواء ما يتعلق بتحسين الأوضاع الاجتماعية أو ما يتعلق بوسائل احتواء الديمغرافية على الرغم من أنه قلّل من قيمة قدرة العوامل الطبيعية الدورية كالوباء أو حتى الحرب على كبح جماح التكاثر.

تكمن مغالطة أخرى عند مالتوس في مقارنة هجينة بين النبات والحيوان والإنسان، فلئن كان النبات والحيوان يخضعان للغريزة ولا يخضعان لأي مخطط للمستقبل، فالنبات إذا تجاوز الحدّ الطبيعي تنبت محله نباتات أخرى بعد أن تقوم بتدميره، كما أن الحيوانات تتآكل فيما بينها. مُماثلة أخرى يجريها بين بريطانيا والعالم، حتى أنّه يقفز من الحديث عن بريطانيا إلى الحديث عن الكوكب برمّته، وكأنّ البشر الموزعون على الأرض استغرقوها بالكامل، دون استحضار شروط كل البلدان من حيث المسافة وشروط الإنتاج؛ وحينما نقيم مماثلة من دون الأخذ بعين الاعتبار الفروق بين المتماثلين نكون قد فتحنا بابا للمغالطة. ولا يخفف من هذا العطب المماثلاتي التمييز بين الوتيرتين الحسابية والهندسية في وصف النمو السكاني والنمو الغذائي، لأنّ التمييز الأساسي يجب أن يحضر في جريان المماثلة، ومن هنا أعتبر أنّ مالتوس لم يغالط مرة واحدة في إقامة مماثلة هجينة بين حيّز جغرافيّ ضيق وبين الكوكب فحسب بل غالطنا حين تجاهل الفروق في المماثلة الأولى لكي يستحضر الفرق بين وتيرتين في النموّ وكأنّه ملتفت للفروق فقط في المثال الثاني، إنّه يغالطنا بلغة الرياضيات. 
 
تعيدنا واقعية مالتوس لخيبة أمل من نوع آخر، فالحروب تتراجع بسبب التحضّر – وهي حكاية أخرى حيث لم يشهد الحرب العالمية الأولى والثانية - إلاّ أنّ الحضارة قضت على ذلك الشكل من الهمجية كما يصفها مالتوس بخصوص المجتمعات البدائية – يقصد السكان الأمريكيين الأصليين – حيث إن الضراوة التي نلاحظها عند هؤلاء لا يعني أنهم يقاتلون لينتصروا ولا ليدمروا ولكن من خلال موت العدو يستطيع المنتصر أن يؤمّن حياته. فالإروكوا يعبّر عن الغاية من خوض الحرب بعبارة:" هيّا بنا لنأكل أولئك القوم".  

ويؤكد مالتوس بأنّ في قلب الهمجي يقترن حبّ الحياة بحب المجتمع الذي ينتمي إليه حيث تمثل قبيلته الضامن الوحيد لوجوده. وهذا الشعور يلازمه حتى أنه يستبعد أفكار الشرف والشجاعة التي تألفها المجتمعات المتحضّرة.

لا يكفي الجوائح في تدمير زوائد الديمغرافيا وفق المنظور المالتوسي، وهو لهذا يريد تحقيق احتواء تدميريّ للديمغرافيا قائم على مخطط منهجي وكجزء من برنامج طويل الأمد، وهذا ما يجعله يخفف من أهمية الجوائح التي كانت تضرب أوربا مرة أو مرتين في القرن وتذهب بربع من في البلاد أحيانا نظير ما حصل في بروسيا وليتوانيا 1692سنة حتى عام 1757، ما يعني أنّ ما يحدث اليوم بفعل وباء كورونا لا يمثّل أي أهمية في المنظور المالتوسي، فالأعداد مهما بدت كبيرة فهي ليست كافية لكبح الديمغرافيا.

لا يوجد أي نمو حقيقي للثروة يستطيع تحسين مصير الفقراء، هكذا يرى مالتوس، فمهما تحسنت الأجور فهذا لا يعني شيئا إذا لم يواكب ذلك تطور في كمية الكفاف، بل لا يشكل في نظره سوى ارتفاع شكلي، لأنه سرعان ما سيصاحبه ارتفاع في ثمن المعيشة، ففي نهاية الأمر تظل وضعة الفقراء ثابتة .  

مالتوسيا، يجب أن لا ننزعج من الأمراض فهي إنذار تقدمه الطبيعة ضدّ الفقر والكسل والوساخة، مثل الطاعون الذي ضرب قسطنطينية ومدن الشرق، فالجسد البشري في نظر مالتوس لا يتحمل درجة فائقة من الوساخة والكسل، بل هذا مخالف للسعادة والفضيلة. وحتى هنا يكون الحديث مبدئيا لا إشكال عليه، لكن في تطبيقه على المجموعات البشرية فإنّ القذارة والكسل والمرض والفقر الذي يعتبره مالتوس مخالفا للطبيعة والفضيلة هو أنّ هذه الشرائح لم تعد تستحق الحياة، لكن في نهاية المطاف وجب أن تقوم الطبقة العليا بتنفيذ هذا القرار الطبيعي ضدّ الفقراء، أليس كذلك؟ تلك هي نتيجة مفارقة مالتوس. لقد ساهم الطاعون الذي ضرب لندن في 1666 في نظر مالتوس في تحسين سلوك الأجداد حيث انعكس على العمران وتشييد الطرق والسكن الواسعين والابتعاد عن مصدر العدوى، ذلك لأن مالتوس يعتبر أن تاريخ الأوبئة يؤكد بأن معظم الضحايا يلتقون في الطبقات السفلى للشعب والتي لا تتمتع بتغذية جيدة وتعيش حالة الازدحام في مناطق ضيقة ووسخة. يعود مالتوس ليتحاكم إلى الطبيعة، لكنه في الوقت نفسه لا يقدم حلاّ للفقراء سوى بتدمير منخولي لفائض الديمغرافيا.

قد يفهم الكثير من الباحثين وباختزال شديد أن مالتوس يقترح الحروب لإيقاع النمو السكاني، هذا ليس هو لبّ المالتوسية لأنها اعتبرت الحروب لا تكفي كما اعتبرت الأوبئة مجرد إنذار، لكن مالتوس يراهن على مخطط منهجي بعيد الأمد، التدمير المستدام للديمغرافيا. وقد تجد الحروب الجرثومية والأساليب الإمبريالية في إدارة الصناعة الدوائية وهيمنة الحسابات التجارية على الأهداف الإنسانية وسيلة لتفكيك ما أنتجه النموّ من ارتفاع في أمل الحياة، لكن هذا النوع من الحروب الجرثومية غير عمليّ لأنّه يطرح إشكالية السيطرة، إنه لن يوقف تدفق الديمغرافيا بل يستطيع إبادة الجنس البشري، ذلك لأنّ الفايروس لا يملك كودا طبقيا للقضاء على الفقراء دون أن يصيب اليوم سائر الشرائح الاجتماعية، فلقد اتحد مصير كل الفئات أمام تحدّي الوباء.

إنّ ما أسميه نقيضة مالتوس تؤكّد أن القاعدة المالتوسية واسعة الانتشار حول تضارب النمو السكاني بوتيرة هندسية والنمو الغذائي بوتيرة حسابية قد تصبح حسب تحليل المحاولة الملتوسية إلى صيغة أخرى، ذلك لأننا إذا سلّمنا مالتوسيا بأنّ النمو الغذائي يظل ثابتا فإنّ المعادلة تظلّ ثابتة حتى لو اعتبرنا النمو السكاني يجري بوتيرة حسابية أيضا مقارنة بثبات الإنتاج الغذائي. كما أنّ هذه النقيضة هي من شقّين: الأوّل يتعلّق بالمغالطة النظرية التي ذكرناها سابقا والثاني يتعلّق بالشق العملي، أي أنّ قرار تدبير الديمغرافيا يثير إشكالية قيمية ترتبط بمفهوم العدالة وتناقض مفهوم العقد وتجعلنا أمام شكل يفوق حتى فكرة عقود الإذعان، وهو ما يجعل المالتوسية جزء من برنامج الأخلاق البراغماتية.

عود على بد

انظر كم من سردية تغذّيها نظرية المؤامرة تمّ تفكيكها، وبتنا أمام تضارب أنساق مؤامراتية تواجه دائما نقائض حجاجية. ولكن هذا كلّه لا يعني أنّنا نستبعد المؤامرة من المسرح الدّولي ، بل إننا ندعوا لتهذيب الجدل حول نظرية المؤامرة، أي ندعو إلى أفضل توصيف وتحليل لعالم مأزوم ليست المؤامرة فيه مجرد خداع اعتباطي تقدحه روح شريرة فحسب بل هو برنامج معقّد تنتج بنية النظام الدولي بموجبه هذا النوع من الصّراع، إنّها لعبة أمم معلنة ومفكّر فيها فلا مجال للمفاجأة، وإلاّ سنكون أمام تدبير سيّئ لمخاطر عُصاب الصّدمة.

لا نستبعد المؤامرة بل نستبعد المنهجية الخاطئة لاستيعاب أمرين منها: الأوّل يتعلّق بميلادها من رحم عُصاب الصّدمات، والثاني يتعلّق بتطوّرها وتعديلها من رحم تاريخ الأفكار. دعنا نضع المشكلة في سياقها، ولنتحدّث عن العلاقات الدولية كمسرح للصراع التّاريخي المنظّم ولكنه نظام غير مساواتي وغير سويّ. لنترك كونه غير مساواتي إلى حين الحديث عن العدالة الدولية ونقف عند فكرة كونه غير سويّ. فبالعودة إلى برتراند بادي في آخر أعماله نقف على معنى اللاّسواء في العلاقات الدولية، ذلك قائم على شكل من الإذلال، تحيلنا إلى بيئة دولية موبوءة: "زمن المذلولين: باثولوجيا العلاقات الدولية". جاءت جائحة كورونا في سياق – إن لم نقل ذروة – نظام دولي يعاني أزمة في العلاقات والمؤسسات والسياسات، علاقات دولية مأزومة. الفكرة الأساسية هنا تتعلّق بالمضمون نفسه الذي ينطوي عليه خطاب الإهانة، وهو خطاب ثالثي بامتياز عبر عنه برتراند بادي بأسلوب آخر، خطاب يعيدنا إلى فرانز فانون ومعذبي الأرض، إلى مهدي المنجرة في كتابه "الإهانة" و"الذّلقراطية". إن نظاما مأزوما وباثولوجيا لن ننتظر منه سوى نزعات داروينية. حين ينقضّ الأسد على الغزال فلن نتحدّث عن مؤامرة بل عن نظام صراعي قائم على استراتيجيا السيطرة. عن هذا الصّراع الذي قلت قبل قليل بأنه ولد من رحم عٌصاب الصدمة أو الفشل في تدبير الجزع، ولكنه تعدّل في بيئة الأفكار التّاريخية. إنّ معضلتنا تكمن هنا، حين تجاهلنا منطق التعديل الذي يطرأ على الأفكار النابعة من عُصاب الصدمة، عن الفجوة، والأخذ بالقطيعة التي باتت تؤدّي دور المُغالطة التّاريخية لأننا نعجز عن الإمساك بالسير الجينيالوجي القهقري للقبض على خميرة التأسيس. في هذا المسار التراكمي الذي يبلغ بنا إلى مرسى الهيغلية لكي يتفرّع في نوبة أخرى حيث كلّ غرف غرفة بيده وكل علم مشربة، حتى باتت الهيغلية في جدلها الكبير تؤمّن للعالم الأطروحة ونقيضها، وباتت ظاهرية الروح حمّالة وجوه. هذا المنبع التناقضي الذي تولّد منه يمين ويسار كلّ يلهج هيغليا والكلّ ينفي الآخر هيغليّا، لقد دخل التاريخ دورة الالتباس، وأمّا الحسم فقد توزّع على طرفي الميراث الهيغلي. ستتطور الليبرالية ليس كنقيض للهيغلية بل ستجعل من فلسفة التاريخ الهيغلي وجدل السيطرة والاعتراف روايتها منذ كوجيف حتى فرنسيس فوكوياما الذي تصرّف كأبله. وفي هذا التشبيك الذي نقف عليه بين رواد الفلسفة السياسية للمحافظين الجدد، سندرك المنبع والنشأة والتطور والعلاقة. كم سيكون غريبا حين نمسك بجينيالوجيا هذه الفلسفة التي راكمت تصوراتها منذ الحدث الألماني والحرب العالمية الثانية الذي تولّد عنه عُصاب الصدمة. في سيرة ليو ستراوس التي تحيلنا إلى أكثر من بعد لهذه الصدمة، في هذا التشبيك الذي يصل ليو ستراوس ببول كراوس زوج أخته: كرواس الذي سيقدم أطروحة تحت إشراف ماسينيون عن جابر بن حيان.

وعن مسار آخر حيث التلميذ النجيب لليو ستراوس ألا وهو ألان بلوم، همزة وصل أخرى بين كوجيف وليوستراوس الذي تدخل للأول لأجل أن يستكمل بلوم دروسه في باريس. لكن بلوم سيكون هو من سينقل فكرة نهاية التاريخ إلى فوكوياما في دائرة المحافظين والبيئة التعليمية نفسها التي ربطتهم ببول وولفوويتس. تكتمل الدورة وسنقف على فكرة الكذبة النبيلة في التفكير البراغماتي، لعل ليوستراوس حسب فوكوياما أخذها من الفلسفة السياسية للفارابي. هنا يكمن الجهل المفبرك – حتى لا أقول الجهل المركب – لأنّ مفهوم نسبية الصدق في المدرسة العدلية والحكماء تنهض على فكرة الحسن والقبح العقليين ، لكن الكذبة النبيلة تقوم على برنامج قيمي في المدرسة البراغماتية المعدلة، سنجد لها مثالا في الذريعة لغزو العراق ودور بول ووفوويتس، فالعدل هنا يمكن أن يبرر، تخريب شعب من أجل المصلحة العامة للمركز الذي ينطلق من عدالة الصراع بين السيد والعبد في سردية هيغلية أخرى بواسطة كوجيف. هذا تشبيك معقّد: عُصاب الصدمة وانفصام الهيغلية التي باتت مرجعا مبتورا لكل الأفكار الداروينية السياسية للمحافظين الجدد، العالم اليوم يستقبل جائحة كورنا بشقّ مبتور من الهيغلية التي فقدت أفقها الدياليكتيكي وانتهكت نفسها حين أطاحت بالنقيض ولا يمكن أن يتحقق الاعتراف والنهاية إلاّ بتواجدهما، لأنّ في تواجدهما يتحقق الدياليكتيك ويتولّد التركيب الخلاق. ففي سَوْرة الإفناء الإمبريالي للنقيض يكون قد أسس لمشروع صراع، وهي العملية الإرجاعية أو العود الأبدي الذي يقوّض التركيب الدياليكتيكي. أقول ذلك لأنّنا ندرك أنّ آخر شراح هيغل وهو كوجيف قرأ التاريخ من منظور النهاية لكن التحريف هنا ليس كوجيفيا فقط بل التحريف سيتوسل مع فوكوياما خدعة المصداق، وذلك حين جعل الهيغلية عبر كوجيف تقدم شهادة زور لدعم النيوليبرالية التي لا تؤمن حتى بالدياليكتيك، لأنّها تؤسس بالأحرى إلى الخيار الأكثر فورية في إفناء النقيض حيث نهاية التاريخ تتحقق بالتركيب لا بالإفناء. هنا تصبح عملية إخلاء المجال التاريخي من النقيض واجثتاته عامل تدمير ذاتي حيث الأنا لا يقوم إلى بهذا الاشتباك التاريخي، الاعتراف الكوجيفي الذي يحرك التاريخي هو بمعنى هيغلي أدقّ هو لحظة خروج الأقصى والأقصى النقيض من العلاقة الطردية إلى التكاملية والتركيب. لقد نزع فوكوياما عن فكرة النهاية مضمونها الدياليكتيكي وجعلها فكرة جرداء وكذلك حمقاء ومع ذلك فهو يحمل اعتقادا أبلها بأنّ مثل هذا الوضع لا يؤسس للصراع، ويتحدّث عن أشكال العنف الوظيفي للجماعات كضمادة لإخفاء مخرجات ذروة الإمبريالية النيوليبرالية. ولن يكون من الفضيلة أن نحدث جلبة بأطروحة وحينما تنقلب النظرية على أعقابها نهرب إلى بدائل تحت ذريعة تغيير الرؤية في الوقت بدل الضائع أو اتهام العالم بأنّه لم يفهم محتوى الفكرة: الفكرة التي اكتمل معناها عند كوجيف ولم يفعل الخبير الأمريكي سوى أن أدخلها في واحدة من التطبيقات التداولية باعتبار أنّ الفكر هو خبرة تداولية في التفكير البراغماتي الأمريكي. هذا اللون من السطحية قديم، وهو أبعد من أن يكون غباء شخصيا بل هو نابع من تراكم الميل الجمعي خارج النظرة العقلانية البعيدة المدى.
مصير القرية الكونية على هامش مفاعيل جائحة كورونا
وجب قراءة أيديولوجيا الصدام والنهايات في هذا السياق الملتبس حيث تلبّس عصاب الصدمة بأيديولوجيا هيغلية مبتورة غير مكتملة، وعلينا أن نقف عند كل أطروحة من تلك الأطروحتين عشية سقوط الاتحاد السوفياتي، لنبدأ بفكرة نهاية التّاريخ ونثنّي بفكرة الصدام الحضاري ونقرأ ذلك أيضا في سياق هذه التوطئة.
فوكوياما ونهاية التاريخ:

لن أكرّر الكثير من الملاحظات التي تناولت من خلالها فكرة نهاية التاريخ للمفكّر الأمريكي فرنسيس فوكوياما منذ بداية الجدل الذي جرى عشية سقوط الاتحاد السوفياتي، وسأكرر فكرة عُصاب الصدمة، هذا الأخير وبالمعنى الفرويدي أمر بالغ التعقيد حتى أنّه اعتبر التحليل النفسي عاجزا عن فهم تجلّياته. إنّ تجليات عصاب الصدمة يفوق في تعقيده تجليات الهستيريا نفسها، وربما قارنه بلمنخوليا أو الهجاس السوداوي، إن هذا الداء في نظر فرويد قد يصيب البعض دون وجود صدمة آلية خطيرة، ويميز فرويد بين الفزع والخوف والجزع  ويرفض القول بترادفها، فالجزع مثلا يدل على حالة معينة من توقع الخطر والتأهب له سواء، بخلاف الفرع. الجزع لا يقود إلى عصاب الصدمة بل هو يقي من الفزع الذي هو تعرض لخطر غير متوقّع . 

نؤسس على هذه الإحالة فكرة عما جرى وهو أنّ إزاء سقوط الاتحاد السوفياتي بدأت موجة من التوّقعات تتجاوز هُجّاس ملأ الفراغ، وفيها اختلط الجزع بالفزع فأنتج من بدائل الأفكار ما جعل مرحلة ما بعد سقوط الإتحاد السوفياتي إلى الآن فترة الفوضى والإلتباس حيث عادت السيادة النظرية للمُغالطة. بالنسبة إلى فوكوياما الذي اهتدى إلى فكرة النهاية من خلال التفسير الكوجيفي الذي انحدر إليه من أستاذه ألان بلوم التلميذ النجيب لليو ستراوس. حاول فوكوياما أن ينزل فكرة النهايات الهيغلية في سياق تاريخي غير مكتمل، كان العالم يعيش على صدى صدمة الاتحاد السوفياتي، غير أنّ فوكوياما لم يستحضر مكر التّاريخ الهيغلي ويقرؤه في ضوء بدائل تقرأ في تاريخ مديد، لم يستفد فوكوياما من الآنال أنّ مثل هذا المكر لا يمكن أن يقرأ في الموجات القصيرة والترددية للتاريخ، سأعود إلى هذه الفكرة حين أتحدث عن هنتنغتون أي حين أوكّد على أنّ سقوط الإتحاد السوفياتي كان بداية لحدث أشمل وأكبر، تبدو لنا ملامحه اليوم بصورة أكبر. لكن يمكن القول أنّ فوكوياما وقد تراجع عن كثير مما قاله حينئذ، كان يصف أحداث برسم الموجات الصغيرة. لقد فهم من كوجيف أنّ التّاريخ هو مجال صراع حاد يقوم على المخاطرة – خاصية الإنسان التي تميزه عن الحيوان من حيث الرّغبة – وهو مسلسل صراع لا ينتهي بين السيد والعبد ولا يوقفه سوى الاعتراف. غير أن فوكوياما استعجل التّاريخ حيث لم يتحقق الإعتراف لسبب بسيط وهي أنّ النيوليبرالية ناقضت حتى المعيارية القيمية لآباء المحافظين الجدد وباتت تتجه نحو نفي النقيض. المفارقة كامنة هنا في أنّ نفي النقيض يقتضي بحثا عن النقيض قبل اكتمال دورة التركيب، وفي هذا المسلسل التاريخي للنفي الأبدي للنيوليبرالية للنقيض تتسع فجوة التاريخ ونكون حقّا ليس أمام نهاية للتاريخ بل أمام بدايته. لقد كان فوكوياما سيّئ القراءة للهيغلية وحتى لكوجيف واستعجل النهايات، لأنّ الوضع الدولي كان يتهاوى على طريق الاستقطاب المنفرد، لأنّ سقوط الاتحاد السوفياتي لم يكن حلاّ هيغليّا، لأنّ النقيض حين ينهار فذلك انقلاب على الدياليكتيك. لقد دفعت الولايات المتحدة الأمريكية الاتحاد السوفياتي للتفكك عبر سباق التسلح الذي بلغ ذروة الذّهان مما أدى إلى هدر الموازنة والانهيار الاقتصادي. لم يتحقق الاعتراف المتبادل بل كانت السياسة تتجه نحو النفي وليس التركيب. والفكرة التي أريد التأكيد عليها هو أنّ فوكوياما سمّى ما كان بداية استئنافية للتاريخ نهاية وهو نقيضة وإساءة لمفهوم نهاية التاريخ الهيغلي. لم يكن سقوط الاتحاد السوفياتي فرصة للولايات المتحدة الأمريكية بل كان ورطة تاريخية، وهاهنا يكمن الجزع. الجزع بمعنى محاولة تفادّي المتوقّع، فلقد أدركت الولايات المتحدة الأمريكية أنّ التاريخ يعانق البدايات لا النهايات وبأنّها على عتبة تحوّل كبير من الأمبراطورية إلى الدولة، وهذا الشكل من السقوط يتطلّب عناية وتفكيرا وكذلك يتسم بشكل من الفوضى والإضطراب في التفكير، لكن تدبير التحول من الأمبراطورية إلى الدولة يستدعي صورة نيرون والعزف على حرائق روما.

ربما يكمن الشيطان في التعريف، وفي تعريف كوجيف للسلطة تكمن دلالة النهايات، بل تنهض واقعية جدل الصّراع الذي اختزل في ثنائية السيد والعبد. لا تتحقق السلطة إلاّ بوجود آمر وممتثل، وسيكون السيد على تمام الاستعداد للمخاطرة حدّ الموت لانتزاع الاعتراف، وعلى المغلوب إن أراد الحفاظ على الحياة أن يستجيب لإرادة الغالب، قصّة العبودية الكامنة في جدلية الصراع التّاريخي، وهو شكل من الصراع يؤكّد أنّ عصر العبودية ونمطها التّاريخي مستمرّ حدّ النهاية ومندمج في برامج تاريخية معدّلة.

هنتنغتون وصدام الحضارت

يستند هنتنغتون وهو من داخل الدائرة نفسها حيث تشظّت البلااغماتية الأمريكية وباتت لها أجنحة ما بين نزوع كوني وانكماش على الوطنية. ولقد كان هنتنغتون داعية الانكماش على النموذج الأمريكي، وعلينا حينئذ أن نعود إلى الفكرة التي باتت اليوم أوضح من ذي قبل، أي حين علّقت على وصول دونالد ترامب إلى البيت الأبيض بأنّه ينفذ رؤية هنتنغتونية بامتياز. كان هنتنغتون يبحث عن ملأ الفراغ بعد سقوط الاتحاد السوفياتي، قدّم وصفة للتحليل السياسي تقوم على تغيير نموذج التفسير من الحرب الباردة إلى النموذج الحضاراتي. كان الهاجس هو ملأ الفراغ، لكنه كنظيره فوكوياما استعجل التّاريخ. صحيح أن هنتنغتون لا يعتقد أنّ النموذج الحضاراتي هو النموذج الأخير بل اعتبره نموذجا بديلا حتى ذلك الحين. غير أنّنا أمام ظاهرة "التفضيل الفوري" وهو غالب على التفكير البراغماتي الأمريكي. إنّ تحوّل فكرة ما إلى باراديغم يعني توفرها على شروط يمكن أن نحددها في الآتي:

- أن تترك آثار بعيدة المدى على العلاقات الدولية

- إعادة نظم النظام الدولي وفق شروطه

- تحولات مفهومية وعلائقية مصاحبة لا رجعة فيها

- لن يكون ما بعده كما كان قبله

- يملك مقومات وشروط ملأ الفراغ وتقويض النموذج السّابق

- يكتسب قدرة تفسيرية ناجعة للأحداث

حاول هينتنغتون التذرّع بأنه بصدد عمل ذي طابع أكاديمي يخصّ التحليل السياسي للوقائع الدّولية، وبأنّه كان بصدد ملأ الفراغ الذي تركته الحرب الباردة فاختار النموذج الحضاراتي بديلا. وبما أنّ التفضيل الفوري هو ميزة فارقة في الفكر الأمريكي، فإنّ هنتنغتون حاول ملأ الفراغ حتى في الفترة التي لا زالت مرتهنة لمفاعيل سقوط الاتحاد السوفياتي واستمرار الحرب الباردة بوسائل أخرى، لقد كانت العجلة ميزة بين هنتنغتون وفوكوياما لاستنتاجات فورية كان الغرض منها في الوقت نفسه تدبير ما هو أبعد من تغذية مشاعر الانتصار بل يتعلق بكيفية تدبير الفراغ الدولي. لم يكن هنتنغتون يأبه لأي فكرة كونية أو مؤسسة كونية، هو هنا مختلف تماما حسب جواب فوكوياما عن سؤال سابق واجهته به، إنّ فوكوياما يؤمن بفكرة كونية جديرة بأن تعزز الاعتراف وكذلك بمؤسسة دولية، غير أن هنتنغتون حذّر مرارا من فكرة الهيمنة القطبية على العالم، إنّه كان يهدف إلى تعزيز الجزيرة الأمريكية بهوية أنغلوساكسونية صُلبة تتوجّس من الهويات الثقافية. نستطيع رؤية مخرجات فكرة صدام الحضارات واضحا في برنامج ترامب: بناء سور لمنع تدفق الهجرة، جلب المال والثروة وتعزيز البنية المالية الافتراضية بثروات الأمم الحقيقية، الاستهتار بأي فكرة لدمقرطة العالم حدّ التفاوض مع طالبان، الاستهتار بالتزاماته تجاه المنظمات الدّولية. بالنسبة لمن يقرأ مآلات الأحداث وتهجّي السياسة الدولية من خلال الأحداث والمواقف المتقلبة والكوميدية لدونالد ترامب يبدو له الأمر بالغ الغرابة، لكن بالنسبة لمن ينظر إلى السياسات كبرامج يستطيع أن يقرأ كل سلوك ترامب وتياره في منهجية هنتنغتون. لم تكن فكرة الحرب الحضارية جديدة، على الأقل كان الخبير المغربي المستقبلاتي د. مهدي المنجرة قد استعمل عبارة الحرب الحضارية الأولى عشية غزو العراق، وقد أبرز الفرق بينه وبين هنتنغتون، هو أنّه كمستقبلي يرصد الحدث في مداه البعيد هو وقائي بينما هنتنغتون يرى أن الخطر آتي من العالم غير اليهودي- المسيحي. ولقد بادر مهدي المنجرة للحديث عن حرب حضارية ثانية، وكرر أنّ موقفه وقائي أي إن كنا نريد تفادي صدام الحضارات فعلينا بحوار الحضارات. وسأتجنّب الحديث عن مرجعية فكرة صدام الحضارات لأنّها أقدم في التداول حتى من كتاب: الحرب الحضارية الأولى، لكن ما هو إشكالي في مقاربة مهدي المنجرة هو استشكاله على الأساس المعرفي الذي تقوم عليه المواقف والقرارات الدولية مثل كذبة امتلاك العراق لأسلحة الدمار الشامل. يعبر عن دهشته وهو المعني بالأفكار والثقافات والمستقبل من أن تكون الإشاعة أساسا لاتخاذ قرارات كبرى، ففي نظره لازال جورج بوش الثاني لم يقدم دليلا قاطعا على تورط بن لادن في تلك الأحداث .

إن كان المنجرة ينتظر دليلا قاطعا فهو إذن لم يفهم مفهوم الكذبة النبيلة في برنامج المحافظين الجدد والفلسفة السياسية لتاريخ من البراغماتية المعدّلة، هذه الدهشة تعني أنّ المستقبلي لم يدرك تاريخ تطوّر مفهوم العدالة وكيفية اشغال برنامج الكذب على امتداد المسرح الدّولي.

الكذبة النبيلة

لا نريد الدخول في تفريع آخر يقودنا إلى قصّة العدالة، المفهوم الذي بات خلوا من معيارية قائمة بذاتها غير ما يمكن حسب المدرسة الذرائعية من تحقيقه من منفعة، المقياس الذي تأسس في الخطاب المبكر لميكيافيل، النواة الأساسية للفكر البراغماتي والذي ستتوضح فكرته بشكل تأصيلي مع بنثام وجون ستيوارت ميل. لم تعد القيم مشتركة بل في البرنامج البراغماتي افترقت الطّرق، لنتذكّر مقال تروتسكي: أخلاقكم وأخلاقنا، وهو يرصد الفوارق الأخلاقية بين الإشتراكية والليبرالية، ولنتذكّر أيضا مناقشة جون ديوي لهذا المقال وفيه يبرز بأن الغاية إذ تبرر الوسيلة فهي نفسها تحتاج إى تبرير ، لكنه يرى أنه من الناحية الماركسية هي مبررة بالغايات نفسها التي هي وسائل لها أيضا، وذلك باعتبار أن بعض الغايات هي في حدّ ذاتها ليست سوى وسائل. إن ديوي يؤمن بأنّ الأخلاق تحددها الغايات ككل ذرائعي ويرفض أي معيار مطلق للقيم . الكذبة النبيلة تعيدنا إلى هذا التيار في منظور آبائه المؤسسين، مثل ليو ستراوس والفكرة نفسها ستحرّك أحد خريجي ذات التيار وهو بول وولفويتس الذي تابع تحصيله العلمي في الوسط الجامعي نفسه الذي ضمّ هذا الرعيل. ما الذي تغيّر لنبدي الدّهشة كالبُله؟ لقد تمّ بحث الكذب، ولكن على أصول علم كلام براغماتي، الكذب غدا بفعل هيمنة السياسة إلى حالة فائقة، بالنسبة لحنه أرندت فالكذب بلغ أوجه في عصرنا، بات كذبا كلّيانيا، وسيكون الكذب موضوعا إشكاليا في الفلسفة السياسية الحديثة. لنترك كل الذين تحدثوا عن الكذب وتاريخه، وننصت إلى ألكسندر كويري الذي يؤكّد على أنّنا "لم نكذب قط بالقدر الذي نكذبه اليوم. كما أننا لم نكذب بهذا النحو السفيه والنسقي والراسخ كما نكذب اليوم" . شهادة من رجل العلم والفلسفة الذي كان له الفضل في تمكين ألكسندر كوجيف من ملأ كرسيه الشاغر بالمدرسة التطبيقية للتعليم العالي بفرنسا، الفرصة التاريخية لإعادة إنتاج فكرة النهايات الهيغلية بمزاج أكثر تشاؤميّا كما وصفه المتأخرون.
مصير القرية الكونية على هامش مفاعيل جائحة كورونا
الكذبة النبيلة هي عنوان الأخلاق النفعية، هي بهذا المعنى فضيلة. ومع ن ليوستراوس درس الفلسفة السياسية منذ أفلاطون ومرورا بالفارابي فهو مثل كوجيف قرأ موقف الفارابي في سياق هذه الذرائعية دون الرجوع إلى الأصول المفارقة لتعليل فلسفة الصدق في الفلسفة الإسلامية. إنّ حضّنا من البراغماتية ثابت ولكنها يجري مجرى العدالة والقيم أي الجري حسب الظّنّ بالقيم. استطاع الشيخ الأنصاري في زمن مبكّر أن يتحدّث عن المصلحة السلوكية أي حينما تكون المصلحة ثابتة بمقتضى الجري العملي نفسه، لأنّ الأصولي في مورد جريان الأصول آخذ بالظّن الخاص وغير آبه بالواقع بعد أن غدا مستحيلا إذ مجرد استدعاء الأصول تأكيد على عدم الإنشغال بالواقع بقدر الانشغال بالوظيفة في مقام العمل. وسنقف على رؤية مستحدثة في أصول المدرسة العدلية مع السيد باقر الصدر في عدم أخذه بأولوية البراءة العقلية إلا بما هي ممضاة من الشارع – البراءة الشرعية – لأنّه ارتقى بالاحتياط إلى ما كان محصولا للمدارك العقلية المقررة. فالذرائعية هنا لها فلسفة أخرى تجعلها نقيضا للبراغماتية المستحدثة، نفعية تحتاط في تعزيز القيم بوصفها هي نفسها غاية تتحقق مع وجودها المنفعة .

سيشهد مفهوم الصدق والسعادة والرغبة معاني كثيرة، وسوف يتم انتداب خبراء قادرين على تحديد معنى السعادة عبر تطبيقات تغيير الأذواق والرغبات نفسها، وهو ما سيجعل المصلحة موضوعا للفوضى وجزء من تعويض تقني لليد الخفية التي تلاشى مفهومها الذي وضعه آدام سميث لاستقرار الأسواق، هنا ومنذ منحت الكينيزية ترياقا للرأسمالية عشية الخميس الأسود منحها سبعة أرواح إضافية، حدث تحوّل في السياسة والذهنيات والرغبات ومفهوم السعادة.

وحتى لا نخرج عن المطلب فإنّ غاية هنتنغتون هي بناء أمريكا بهوية أنغلوساكسونية صُلبة وحتى ذلك الوقت لا بدّ من استرجاع القيم المادية من العالم، فلكي تنسحب أمريكا إلى حدودها الطبيعية يتطلب لأمر تحويل كلّ قيمها الرمزية لمرحلة الهيمنة إلى قيم حقيقية، الشيء الذي يقوم به ترامب بشكل واضح، فهو في صراع مع الفكرة الكونية، وبأنّ الأمر هنا لم يعد يتعلّق بمل فراغ، بل بتوقع السقوط الوشيك حيث الاتحاد السوفياتي لم يتفكّك دون أن يترك أسباب تفكك قريب لغريمه، إنّها لوحة تلخص المشهد، غريمان تشابكا، سقط أحدهما بينما الثاني لم يلتفت إلى أنّه ابتلع السّم الذي قدمه غريمه. تتوفر الرأسمالية على مناعة أقوى تتيح لها أن تستمر على امتداد يُتيحه قانون القصور الذّاتي، لكن هذا التفكك لن يكون إلاّ تحوّل من الأمباطورية المهيمنة إلى دولة. لقد نبه هنتنغتون إلى أنّ أمريكا لن تستطيع أن تهيمن على العالم إلى الأبد، كما أنّه أكد على عدم ثقته بولاء الأوربيين باستثناء بريطانيا. لا شيء تغيّر، فلقد تراجع فوكوياما عن رؤيته، بينما حصد ترامب نجاحات ضدّ خصومه بمن فيهم تيار جوزف ناي الذي تحدث مرارا عن تحولات مفهوم القوة إلا أنه لم يقبل حتى الآن بالتحول الذي يشهده العالم اليوم على مستوى القوة.

الفكرة التي نريد التأكيد عليها هنا هي أنّ برنامجا كاملا سقط، الفكرة الكونية والرسالة الحضارية التي وجدت في فكر النهايات فرصة لتعزيز أيديلوجيتها، نتحدث اليوم عن باراديم مخرجات انهيار المعسكر الشرقي والتحول الوشيك من حالة الهيمنة الآحادية إلى الدولة. هذه الدولة تخشى اليوم الفراغ واستحقاق التحول لذا سيكون من مصلحتها إحراق كل الوثائق والمؤسسات الدولية تحسبا لعالم يقتضي تفاعلا مختلفا. ستلعب الصين دورا أساسيا في احتواء هذا التحول كما فعلت تقريبا إبان سقوط الاتحاد السوفياتي، لقد كان لها دور تاريخي حال دون انهيار أعظم للعالم عشية سقوط الاتحاد السوفياتي. حالما تستنفذ الولايات المتحدة الأمريكية ما أمكن من القيم المالية من الخارج وتفعيل المنشآت الوطنية ستعود إلى عزلة. وسيكون التحدّي الحقيقي: هل ستكون الأقطاب الجديدة قادرة على ملأ الفراغ وتدبير شكل من العلاقات خارج ما أسماء برتراند بادي بباثولوجيا العلاقات الدولية وعصر الإذلال؟
 
بقلم  الكاتب والباحث المغربي الدكتور ادريس هاني
الاسم:
البرید الإلکتروني:
* رأیکم:
* captcha: