ایکنا

IQNA

11:21 - March 29, 2021
رمز الخبر: 3480610
كربلاء المقدسة ـ إکنا: احتلت زيارة البابا إلى العراق مكاناً كبيراً في الأوساط الدينية والإعلامية والسياسية ومن بين أهم الفقرات التي تضمنت برامج الزيارة هي تلاوة القرآن خلال زيارة البابا إلى مدينة "أور" التأريخية، واختيار آيات من سورة إبراهيم تلاها القارئ "الحاج أسامة الكربلائي".

واحتلت زيارة البابا إلى العراق مكاناً كبيراً في الأوساط الدينية والإعلامية والسياسية؛ كونها الزيارة الأولى من نوعها، ولأنها لا تخلو من مصالح مختلفة، أو مغازٍ دينية، لما تشعر به الأديان العالمية من حقٍّ تأريخيٍّ في شخصية أبي الأنبياء إبراهيم عليه السلام، ونحن لاننطلق في ذلك من نظرة ضيقة للزيارة فنبخس بها حق الضيف، أو نبالغ في تعظيمه، وقد عكست بعض السلوكيات في استقباله ثقافة بعض السياسيين المستوردة، كما حدث باستقباله في المطار، في الوقت الذي كانت سلوكيات أخرى تظهر وعياً تأريخياً، وسلوكاً دقيقاً لما يجب أن يكون على الصعيدين الدبلوماسي والأخلاقي، فبقيت تلك السلوكيات محافظة على توازنها بعيداً عن منهجي البخس والمبالغة.

وقد أخذ البعض يتساءل عن تفاصيل برنامج زيارة الضيف إلى معقل حضاري ومعلم ديني يقصده أبناء الديانات الكبرى على نحو الاستذكار أو الطقوس، فكان من الطبيعي أن يحيط  هذه الخطوة اهتمام كبير وتأويلات كثيرة، فمدينة "أور" تعود إلى العصر البابلي القديم، وبحسب المصادر التأريخية، ومنها ما ورد في التوراة أنَّ النبي إبراهيم عليه السلام ولد فيها عام 1900 قبل الميلاد، واختلفت الروايات في ذلك، وعلى العموم أنها تنحصر بين 2324-1850 قبل الميلاد.

وقد اتسمت فقرات برنامج زيارة "أور" بالشمولية، حيث عكست الحقوق التأريخية لممثلي الأديان، بغض النظر عن حقيقتها أو مشروعيتها أو نسخها بالشريعة الخاتمة، فهي بالنتيجة أديان لهم عمق تأريخي، ولها أتباع وطقوس وحقوق.
 
ومن بين أهم الفقرات التي تضمنت براامج الزيارة هي تلاوة القرآن الكريم خلال زيارة البابا فرنسيس إلى مدينة "أور" التأريخية، واختيار آيات من سورة إبراهيم، تلاها القارئ "الحاج أسامة الكربلائي".
 
كان وقع تلك الآيات يحكي واقعاً تاريخياً مقدساً بكل المعايير، يدلُّ على أنَّ القرآن غضٌ لايبليه الزمن، صورت مشهداً حياً بمعاني ورمزيات مقدسة، يتحدث عن فتى غضٍ مسددٍ من السماء، ينطق عن وحي لايخطأ في كلمة أو موقف أو حركة، ينطلق بكلمته سائحاً على وجه البسيطة، يُسمع كلَّ من دبَّ عليها بحنجرة بشرية، ولكن تردد صداها ملائكة السماء وحيتان البحر، ليصل بعد عدة رحلات إلى وادٍ غير ذي زرع ليبني فيه بيتاً يكون حرماً آمناً وقبلة للمؤمنين، ويضع له مناسك ليس فيها من مظاهر الشرك المعلن أو الخفي، ليضم الطائفين والعاكفين والركع السجود، رسم فيها للبراءة والطهارة معالمهما في التطبيق، وما أن فرغ من بناء البيت أمره الله سبحانه أن يؤذِّن في الناس بالحجّ، فقال يارب ما يبلغ صوتي، فقال الله تعالى: عليك الأذان وعليَّ البلاغ، فأذَّن بالحجّ فلبَّى لله كل شيء في أطراف الأرض ومن تحت البحور ومن أصلاب الرجال وأرحام النساء، ليقولوا "لبيك اللهم لبيك" فجعل ذلك للكعبة قيمومية تكوينية وجاذبية تستقطب الأرواح قبل الأبدان، كما جعل منها ـ ليست رمزاً فقط ـ بل مصدر إشعاع يطوف في دائرته المقدَّسون، يأتي إليها آدم عليه السلام حاجًّا فتقبل توبته ليبدأ بعدها حركة الحياة والتكليف بروحية جديدة، ويبدأ إبراهيم عليه السلام حركته التوحيدية فيصلُ نداؤه إلى كلِّ الأسماع، ويطلق خاتم الأنبياء والرسل صلى الله عليه وآله -من حجر جده إسماعيل- كلمة الخلاص "قولوا لإله إلا الله تفلحوا" ومنها انطلق الإمام الحسين عليه السلام في ثورته التصحيحية متوجهاً نحو كربلاء، وسينطلق منها الإمام المهدي عليه السلام في ثورته الكونية ليحقق عدالة السماء.
 
ماذا تلا القارئ من آيات في زيارة البابا للعراق؟
 
واستهل القارئ تلاوته بقوله تعالى: "ربَّنا إنَّك تعلم مانُخفي ومانُعلن" حكى فيها إبراهيم عليه السلام عن الخفاء والإعلان في حركته الرسالية، وهو يعلم أنه كما لايستغني عن اللطف الإلهي، فهو لايغيب عن الرقابة الإلهية التي تسدد خطواته، ليقول: إنك تعلم أننا لانريد إلّا وجهك الكريم، وذلك قمة التوحيد، ثم تلا: "إنَّ الله لايخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء" ليعرف كلُّ ذي سمع، وعلى طول الأزمان إنَّ الله من وراء القصد، ثم يحمد الله تعالى أنْ وهب له أسباب الامتداد في دعوته، فقال: "الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل واسحق إنَّ ربي لسميع الدعاء" ليضمِّن دعاءه المستجاب أن يقيم الصلاة التي تصعد إلى الله على وجهها الأكمل والأتم، فقال: "ربِّ اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي ربنا وتقبل دعاء" ولكي يبلغ هو وابنه إسماعيل مبلغ الكمال والذوبان في الطاعة الإلهية يأتيه الوحي في المنام آمراً فيُعبِّر: "قال يابني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى" فيجيب الابن دون تردد: "قال يأبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين" فيصطفيه الله تعالى من بين الخلق بعد أن يكون مُسلِّماً للأمر الإلهي: "ولقد اصطفيناه في الدنيا وإنَّه في الآخرة لمن الصالحين إذ قال له ربه أسلم قال أسلمتُ لربِّ العالمين" فكان أبو الإسلام: "هو سمّاكم المسلمين من قبل" وأول المسلمين: "ماكان إبراهيم يهودياً ولانصرانياً ولكن كان حنيفاً مسلماً" ولتكون أجيال الموحدين أبناءه: "ملّة أبيكم إبراهيم" ويكفي عزاً وكرامة أن يسلِّم عليه ربُّ العزة والجلالة سلاماً أبدياً: "سلامٌ على إبراهيم". 

كانت تلاوة تلك الآيات أهم فقرة من بين الفقرات، تدلُّ على أن هناك حناجر شجيَّة تحسن توظيف الأداء لمحتوى النصوص بالشكل المطلوب.

بقلم الباحث القرآني العراقي: علي الراضي الخفاجي
الاسم:
البرید الإلکتروني:
* رأیکم:
* captcha: