ایکنا

IQNA

16:05 - May 01, 2021
رمز الخبر: 3481028
کربلاء المقدسة ـ إکنا: في ليلة القدر المباركة تقدر أرزاق العباد المادية والمعنوية، لذا يقول تعالى "فيها يُفرقُ كلُّ أمرٍ حكيمٍ" وهو بيان واضح في إحكام تقديره سبحانه لكل أحداث السنة من حرب وسلم وموت وحياة وبؤس وشقاء، وكأنَّ الله أراد بـ(يفرق)ما بين أن يكون مصيره دائراً بين المحو والإثبات، فـ(أُفرق)ليتحدد بشكل نهائي.

وليلةٌ يحيط بها المقدسُ من كلِّ جانب، تتحددُ فيها الأقدارُ والأمورُ والمصائرُ؛ لتكون موضع التنفيذ، ليلةٌ تُسلِّمُ فيها الملائكة على الصائمين والقائمين، سلاماً تسمو به الروح إلى الملكوت، ليلةٌ تُتيحُ للناس أن يستنزلوا الرزق بالدعاء والتضرع إلى من بيده مقاديرُ كلِّ شيء؛ ليحقق لهم كلَّ ما يحلمون ويتأمَّلون، وقد شاء سبحانه -وهو الذي لا يُغلق بابه- أن يفتحهُ بنحوٍ يريد به أن يجتهد الطالبُ، ليبلغ قمَّة وعيه في العبادة، ليس فقط في إطارها الشكلي، إنما من خلال استعراض ماضيه ليعتبر، والوقوف عند حاضره متأمِّلاً؛ ليضع خطة عملٍ لمستقبله بالشكل الذي يرتقي به إلى الأكمل.

ولعلَّ سائلاً يسأل: هل أنها ليلة مستمرة أو فقط كانت في ليلة نزول القرآن الكريم؟ ولماذا عطف سبحانه الروح على الملائكة، ومن هو الروح؟ وما شأنُ إخفائها في العشر الأخيرة؟

ويقول تعالى في معرض إنزال كتابه الكريم: "إنا أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا منذرين فيها يفرق كل أمر حكيم" الدخان/3-4 وهي ليلة القدر لقوله تعالى: "إنا أنزلناه في ليلة القدر" القدر/1 فقد نزل دفعة واحدة من اللوح المحفوظ إلى البيت المعمور في السماء الرابعة تمهيداً لإنزاله نجوماً وحسب المناسبات طيلة سني الرسالة، ولأنها ليست ليلة عادية، بل هي ليلة مباركة في ذاتها، حيث يقول تعالى في تعظيمها: "وما أدراك ما ليلة القدر" وهي إشارة واضحة إلى تميزها المطلق على الليالي والأوقات، أضاف إليها مفهوماً تأريخياً ذكروياً، جمع لشرفها شرفاً آخر خصَّ به خاتم رسله بنزول القرآن فيها.

وفي هذه الليلة تقدر أرزاق العباد المادية والمعنوية، لذا يقول تعالى "فيها يُفرقُ كلُّ أمرٍ حكيمٍ" وهو بيان واضح في إحكام تقديره سبحانه لكل أحداث السنة من حرب وسلم وموت وحياة وبؤس وشقاء، وكأنَّ الله أراد بـ(يفرق)ما بين أن يكون مصيره دائراً بين المحو والإثبات، فـ(أُفرق)ليتحدد بشكل نهائي.

وعلى الرغم مما تحمله هذه الليلة من شرفية الزمان، فلو تقرب الإنسان إلى الله سبحانه وتعالى وانقطع إليه بقلب صادق ونية خالصة فسوف يحصل على ما يريد، ويكون مصداقاً للقول "إنَّ لكلِّ إنسانٍ ليلة قدر" حتى يعبر البعض عن استقامة الحال وراحة البال مستبشراً بقوله "تلك الليلة من عمري ليلة قدري" لذا ورد عنه صلى الله عليه وآله "ليلة القدر مستمرة إلى يوم القيامة" فهي لا تختص بالليلة التي نزل فيها القرآن الكريم.

وقد عطف سبحانه وتعالى (الروح) على (الملائكة) في قوله تعالى "تنزلُ الملائكةُ والرُّوحُ فيها.." وإفراد الروح لابد أن تكون فيه إشارة كبيرة إلى إنزال خلق عظيم ميَّزه سبحانه وتعالى بمميزات وقدرات تفوق خصائص الملائكة، وهو شأنه سبحانه في مخلوقاته، فهو الخالق للكون والموجودات، و له القدرة على أن يمنحها قيمتها ويميزها عن بعضها.

كما يوحي لك (الرُّوح) بهبوب نسائم سماوية حرة تُحرك فكرك، وتُحيي قلبك، وتُنشط روحك، وتبعث فيك طاقة خفية لاتجدها في بقية الأوقات، تتنفس عبيرها من فوقك إلى عنان السماء، وتجعلك ترمي بنظرك إلى الأعلى لتلمس أثراً، ولو كان ومضة نور تشعرك بأنك قد ارتقيت عن عالمك السفلي إلى عالم الملكوت.

وجعل هذا الليلة في العشر الأخيرة فيه حكمة إلهية، فالعشرتين الأولتين يصل فيهما الإنسان إلى درجة عالية من الصفاء والخلوص يمكنه من التخطيط لمستقبله في العشر الأخيرة، فالصوم يحرر الإنسان من الأغلال، وتدريجاً يؤهله لمراجعة مواقفه بوعي، خصوصاً إذا تدبر في آيات القرآن الكريم، ولايعني كون هذه الليلة في العشر الأخيرة أنها مرددة واقعاً، بل أخفيت لغرض تربوي، فهي تحمل عظمة وأسراراً، لذا نبَّه عليها سبحانه بقوله "وما أدراك ما ليلة القدر" والخفاء في بعض الأمور يزيد المخفي شرفاً، وهو أشبه بالرزق المدخر المرتقب حصوله أو أشبه بالجمال المحجب الذي يزداد جلالاً بخفائه، ويجعلك تجتهد في طلبه، وتتهجد بالدعاء والتوسل لنيله. 

وكل هذا الخفاء يجعل الإنسان منتظراً ومترقباً لما يأمله، والانتظار من العبادات، وقد ذكرت الروايات مصاديق متعددة له، منها انتظار الرحمة والفرج أو انتظار القائم "الذي هو أوسع مصاديق الانتظار بعد هذه المسيرة البشرية". 
 
وانتظار الفرج حاجة طبيعية للإنسان، كحاجته للإيمان بالغيب وانتظاره للمدد الغيبي، ولولاه لضعفت حرارة الإيمان في داخله، فالأمل والانتظار يجعل الإنسان مستمراً في السير نحو التكامل.

وقد وظف المعصوم هذا الجانب التربوي، كما يفهم من الرواية إنَّ رجلاً سأل الإمام عن ليلة القدر فأجاب جواباً عرف منه السائل إنها إحدى ليلتين إما الحادية والعشرون أو الثالثة والعشرون من شهر رمضان المبارك، فسأل الرجل من الإمام عليه السلام تحديدها في ليلة فقال الإمام "وما ضرُّك أنْ تعبدَ اللهَ في ليلتين"، فالإنسان لو عرفها على وجه التحديد يترك سائر الليالي، وقد تفوته ولايوفق لاستثمارها إذا كانت معينة.

فلا يخسر الإنسان شيئاً لو أحياها في العشر الأواخر، فهي ليلة سلام الروح وروحية السلام، وشاء خفيُّ الألطاف جلَّ وعلا أن تكون برداً وسلاماً على قلوب الجميع "سلامٌ هيَ حتى مطلعِ الفجر" وماذا بعد الفجر إلا انفلاق الصبح عن يوم جديد وعطاء جديد، يكون منطلقاً من تلك الليلة العظيمة القدر والشرف.

بقلم: الإعلامي والناشط القرآني العراقي الأستاذ علي الخفاجي
الاسم:
البرید الإلکتروني:
* رأیکم:
* captcha: