بیروت ـ إکنا: بعث رئيس مركز حوار الأديان والثقافات في لبنان، "الدكتور الدسي علي السيد قاسم" برسالة مفتوحة على ضوء اللقاء الجامع بين الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي الكُلي الطوبى وقيادة حزب الله في بكركي وفيها توصيات.

وبعث رئيس مركز حوار الأديان والثقافات في لبنان وعضو الهيئة الحبرية العالمية الاسلامية المسيحية في الفاتيكان السيد الدكتور علي السيد قاسم برسالة مفتوحة إلى الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي الكُلي الطوبى وقيادة حزب الله ومن خلالهما إلى جميع المكونات في لبنان محذرًا رجال الدين من كل الطوائف والمذاهب من الخطاب الطائفي المقيت ولغة التقسيم داعيًا إلى الحوار الهادىء واحترام المُختلف.
"بسم الله الرحمن الرحيم
خَلق الله سُبحانه وتعالى النّاس مُختلفين في ألوانهم وأجناسهم وكذلك في تفكيرهم واعتقاداتهم، وبِسبب هذه الاختلافات كان لا بُدّ من وجود الحِوار بينهم.
القرآن الكريم والانجيل المقدس قائِمان على الحِوار؛ فقد علّمنا الله سُبحانه وتعالى الحِوار، وذلك بِحواره مع الملائِكة في خَلق الإنسان، قال تعالى: "وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً ، قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ".
وحاور الله المُتعال الملائكة لِيُعلّمنا أساس الحِوار، ولم يَقتصِر بِحواره مع الملائِكة وإنّما شَمِل ذلك إبليس أيضاً، فقد حَاور إبليس عندما أمَره بالسّجود لِآدم فأبى واستكبر.
ونجد أن الحوار هو لغة السيد المسيح(عليه السلام) كان يستخدمها مع الأفراد: مثل السامرية، ونيقوديموس، ونثنائيل، ومريم ومرثا.. ومع جماعة التلاميذ ومع جموع اليهود، حين تحدث معهم عن الجسد والدم وعن الحرية.
والحوار هو لغة الحكماء.. فقد قيل عن سقراط أنه حينما رأى أحد التلاميذ لا يحاوره ولا يتحدث إطلاقاً، قال له: "تكلم يا ابني حتى أراك".
فالحوار يكشف مكامن النفس واحتياجات وتساؤلات ومشكلات الإنسان، كما أنه يصل بالإنسان إلى معرفة الرد والحلول، والاقتناع بذلك، والتنفيذ فى حياته.
والحوار أيضاً هو لغة العصر.. إذ تتجمع المعلومات، وتطرح الأفكار للحوار على مستوى جماعات العمل الصغيرة لنصل إلى الرأى السديد… بل أحيانًا تطرح القضايا الهامة على الشعب كله من خلال وسائل الإعلام المختلفة، ليدور حولها حوار، بغية الوصول إلى رؤيا أوضح للمستقبل، وحلول أفضل لمشاكل الوطن.
وعليه نقول الحوار هو لغة التواصل.. فالحديث من جانب واحد هو “إملاء والحِكمة من ذلك أنْ يُعلّمنا الله كيف نُحاوِر وكيف تجلى الحِوار في حياة الأنبياء والرُسل في مُحاورتِهم لِأقوامهم خِلال ممارستهم الدّعوة بِأسلوبٍ سَلِس وليّن، وبِتحلّيهم بالصبر على ذلك.
إنّ النّفس البشريّة تَميل بِفطرتها إلى الحِوار، أو الجِدال في حياتِها وبعد موتِها إلى يوم الحِساب، قال تعالى: (وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَٰذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٍ ۚ وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا) وقال أيضاً: (يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَن نَّفْسِهَا وَتُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ) كما أنّ المؤمن في الرسالات السماوية يُحاور خالِقَه في صلاتِه المسجدية أو الكَنسية حيث تُعدّ الصّلاة من أرقى الحِوارات الخاضِعة لِلأدب، ويُحاوِره في دعائِه أيضاً، قال تعالى: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۖ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ).
وقد أكدت مدارس فن الحوار على أصول الحِوار التي ينبغي السّير على خُطاها وهي دعوتنا التي نتوجه بها إلى المتحاورين بما يلي:
١_ الالتزام بِالطّرق العلميّة وتَقديم الأدِلّة المُثبتة ونَقلها نَقلًا صَحيحًا.
٢_ عدم وجود التّناقض بين كلام المُحاوِر والدّليل.
٣_ أنْ لا يكون الدّليل إعادةُ صياغة للدّعوى بألفاظٍ أخرى.
٤_الاتّفاق على أمور ثابِتة ومُسلّم بها، وغير قابلة للنّقاش مثل ذم الكذب، ووجوب عِقاب المُذنِب، وحُسن الصّدق، وغيرها.
٥_ الالتزام بِآداب الحِوار والابتعاد عن التعصُّب.
٦_أهليّة الأطراف المُتحاورة، والمَقصود بِذلك التأهيل العِلمي المُتخصّص بِمَوضوع الحِوار.
٧_إدراك نِسبيّة الرّأي لِلأطرافِ المُتحاورة؛ فقد يَكون الرّأي صائباً أو خاطئاً، كما أنّ النتائج ليست قطعيّة فقد يقتنع الطّرف الأوّل برأي الطّرف الآخر وقد لا يَقتنع؛ فالحوار ناجح طالما أنّه لم ينتهِ بالمُكايدة والنّزاع حتى لو لم يَقبل أحد الطّرفين رأي الآخر.
٨_ قُبول النّتائج الّتي تَوصَّل إليها المُتحاورون والالتِزام بها. لهذا نتوجه بالقول إلى الجميع:
اعلموا أن الحوار أداة عظيمة لا تغفلوها حتى مع الله الخالق البارئ المصور ..
واعلموا ان اختلاف زوايا النظر في مختلف القضايا يخلق إدراكًا مختلفًا لدى كل منا، مما يجعلنا نبني آراءنا وتصوراتنا بطريقة تختلف عن الباقين، ويجعلنا مختلفين عنهم، وهذه طبيعة بشرية. وليس المطلوب إلغاء تصورات الآخر، بل لا بد من فهم موقعه وزاوية نظره للموضوع، والتعرف على المدركات التي أوصلت به إلى هذه النقطة.
إن عالم الأفكار مرتبط بشكل مباشر مع عالم المشاعر، ويؤثر أحدهما بالآخر، فالفكرة الجديدة تتلقفها مشاعر تولدت سابقاً، والمشاعر الجديدة تسحب معها أفكارًا جديدة لا تلبث أن تتحول إلى قناعات راسخة، وهذا ما يزيد صعوبة تغييرها مستقبلًا، إذ نحتاج إلى لعب بالمشاعر وتغيير لها مرة أخرى للوصول إلى القناعات الدفينة أسفل منها.
وعليه نقول وقبل الطلب من الآخرين أن يفهمونا يجب أن نفهمهم، ونوصي أنفسنا بالإصغاء الجيد لهم بدل إشغال الذهن بالتفكير برد يقصم رقبة أفكارهم أو القضاء عليها.
ولذا نحذر رجال الدين من كل الطوائف من حوار الطُرشان الذي لا مكان للعقل والمنطق معه، بل اتباع هوى القلب والرغبة في الانتصار هي ما تحركنا أمام الآخر، للرد عليه والانتصار بآرائنا، فنسد كل مداخل العقل من حواس سمعية وبصرية، ونبقي منافذًا تغذي رغبة نفوسنا بالانتصار عليه، إذ لا مكان للآخر فيه، ولا نبقي له باقية.
بناءً على ما سبق وانطلاقًا من واجبنا الديني والوطني وتأكيدًا منَّا على لغة الحوار بين الرسالات والثقافات نتقدم بإسم مركز حوار الأديان والثقافات في لبنان وبصفتي كعضو في الهيئة الحبرية العالمية الاسلامية المسيحية في الفاتيكان بالتوصيات التالية علها تُسهم في إيجاد لغة التفاهم بين الفريقين وهي كالتالي: التوصية الاولى: الإلتزام بمبدأ الدستور الرامي إلى نهائية الكيان اللبناني ولقد نقل الرئيس حسين الحسيني أن مؤتمر الطائف ثبت النص الوارد على لسان الامام القائد السيد موسى الصدر بقوله: "لبنان وطن نهائي لجميع أبنائه".
وعليه نتفهم أن لا سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك.
على هذا تكون المواطنة أساسًا للهوية الوطنية في بيئة من العدالة الاجتماعية إذ لا فضل للبناني على آخر الا بمقدار وطنيته ولا يمكن قبول لبنانيٍ درجة أولى أو ثانية أو ثالثة.
التوصية الثانية: رفض الطَوطِم التقسيمية والوصمات العرقية التي تجذر الطائفية المقيتة والفئويات الأخرى من قبيل المناطقية والعشائرية وبالتالي عدم جواز قبول أي اسقاط تاريخي على الواقع السياسي والاجتماعي اللبناني فليس منهم جماعةٌ من بقايا الحملات الصليبية وليس منهم جماعةٌ رافقت الفتوحات الاسلامية إلى المنطقة إذ إن العيش المشترك لمئات من السنين كفيلٌ بإدماج المجموعات البشرية على فرَض صحة المزعم ،ولقد أثبتت دراساتٌ علميةٌ حديثة بأن جينات الطوائف والجماعات في لبنان لا تشكل عرقًا خاصًا أو مميِزًا من الطوائف.
التوصية الثالثة: لبنان الرسالة على حد وصف قداسة بابا الفاتيكان هو لبنان التجربة الحضارية المشرقة فإذا انتفى التعايش أظلمت هذه التجربة الحضارية بالإضافة لوجود عدوٍ وجوديٍ يشكل لبنانُ نقيضَه الوجودي فمع وجود التجربة اليهودية كيف يمكن أن يدعو إلى يهودية الكيان الاسرائيلي.
التوصية الرابعة: على اللبنانيين أن يقاوموا كافة أشكال التقسيم والتغريب والتطبيع لأن اللبنانيين جزءٌ من نسيج المنطقة يهمهم ما يهم الآخرين من العرب وقضيتُهم الاساس هي القضية الفلسطينية وكما قال المطران كبوشي"المسيح فلسطيني ولد وعاش في فلسطين".
وفي فكر الامام القائد السيد موسى الصدر"يجب أن نسعى لكي تبقى اسرائيلُ عدوةً".
على هذا فإن واجب التحرير والمقاومة تقع على عاتق اللبنانيين كافةً والعداء مع الكيان الاسرائيلي مطلقًا يشمل الجميع دون استثناء.
ولهذا نقول إن ثروات لبنان ليست حكرًا على أحد وواجبُ حمايتها إلتزامٌ وطنيٌ جامعٌ بامتياز.
التوصية الخامسة : إن خطاب العيش المشترك لا يجوز أن يبقى نخبويًا في اطار المجاملات الفكرية لأن العيش المشترك نشأ شعبيًا ويجب أن يعود كذلك، نعم يمكن أن نختلف بالسياسة فمن حق أي فريق لبناني أن يقول ما يريد لكن الثوابت الوطنية اللبنانية المُثبتة في مقدمة الدستور اللبناني ليس من المقبول أن تتحول إلى مادة سِجال سياسي .
ختامًا نقول لبنان هذا وبالرغم من الظروف القاسيةِ جدًا في السياسة والاقتصاد والاجتماع والنقد والمال يبقى كطائر الفينيق بجناحيه الاسلامي والمسيحي عصيًّا على الموت ينتفض في كل مرةٍ من الرَماد.