ایکنا

IQNA

10:14 - August 17, 2026
رمز الخبر: 3505955
محلّل سياسي عراقي في حوار لـ"إکنا":

إتفاقية مكة تعكس تراجع الثقة على المظلة الأمنية الأمريكية

بغداد ـ إکنا: أكد "قاسم الغراوي" أن إتفاقیة مكة تكون إشارة إستراتيجية إلى ولادة مفهوم جديد للأمن الإقليمي يقوم على تنويع مصادر الردع وتقليل الإعتماد على الضامن الأمريكي الواحد، مصرحاً أن هذه الإتفاقية تعكس تراجع الثقة بالاعتماد الحصري على المظلة الأمنية الأمريكية.

إتفاقية مكة تعكس تراجع الثقة على المظلة الأمنية الأمريكية
وبالنظر إلى أن إتفاقية مكة للدفاع المشترك وُقّعت في 7 آب/ أغسطس 2026 م بين السعودية وتركيا وباكستان، وتتضمن مبدأً أساسياً مفاده أن الهجوم المسلح على دولة من الدول الثلاث يُعدّ هجوماً عليها جميعاً، فإنها تستحق قراءة تتجاوز وصفها بأنها مجرد «تحالف سني» أو بديل مباشر للناتو. كما أن وجود تعاون دفاعي سعودي ـ باكستاني سابق، ووصول قوات باكستانية إلى السعودية في إطار اتفاق الدفاع المشترك، يشير إلى أن الاتفاق الثلاثي جاء ضمن مسار أوسع وليس من فراغ. 
 
ولتسليط الضوء على مختلف أبعاد هذه الاتفاقية، أجرت وكالة الأنباء القرآنية الدولية(إکنا) حواراً خاصاً مع المحلل السياسي العراقي ومدير مركز "انكيدو" للدراسات "قاسم الغراوي".
 
فيما يلي نصّ الحوار: 
 
كيف تقيّمون إتفاقية مكة؟ وهل تعني تراجع قدرة أمريكا على توفير الأمن لحلفائها؟
 
أرى أن إتفاقية مكة لا تعني بالضرورة إنهيار المظلة الأمنية الأمريكية، لكنها تعكس تراجع الثقة بالاعتماد الحصري عليها. وهذا فرق مهم.
 
فالولايات المتحدة ما زالت تمتلك أكبر حضور عسكري وقدرات إستخبارية وجوية وبحرية في المنطقة، وبالتالي من الصعب القول إن واشنطن فقدت القدرة على حماية حلفائها. لكن التطورات الأخيرة دفعت بعض القوى الإقليمية إلى الاستنتاج بأن الاعتماد على قوة خارجية واحدة لم يعد خياراً آمناً بما يكفي.
 
لذلك يمكن فهم الاتفاق باعتباره انتقالاً من مفهوم «الحماية الأمريكية» إلى مفهوم توزيع مصادر الردع: السعودية تمتلك القوة المالية والطاقة، تركيا تمتلك جيشاً كبيراً وصناعة دفاعية متقدمة، وباكستان تمتلك قوة عسكرية كبيرة وخبرة إستراتيجية وقدرات نووية.
 
ومن هنا فإن الرسالة الأهم ليست: «أمريكا خرجت من المنطقة»، وإنما: «لن نبقى رهائن لقرار أمني يصدر من واشنطن وحدها». وهذا بحد ذاته تطور مهم في بنية الأمن الإقليمي. 
 
هل تسعى واشنطن من خلال الاتفاق إلى نقل جزء من أعبائها العسكرية إلى قوى إقليمية؟
 
هذا احتمال يستحق الدراسة، لكنني لا أرى الاتفاق مجرد مشروع أمريكي لتقاسم الأعباء.
 
الولايات المتحدة منذ سنوات تدفع باتجاه أن يتحمل الحلفاء والشركاء الإقليميون جزءاً أكبر من مسؤولية أمنهم، لأن كلفة الانتشار العسكري المباشر أصبحت مرتفعة، ولأن واشنطن تريد الاحتفاظ بقدرتها على التدخل عند الضرورة دون أن تكون مضطرة إلى إدارة كل أزمة بنفسها.
 
لكن اتفاقية مكة تحمل أيضاً بُعداً مستقلاً عن واشنطن. فالدول الثلاث لديها دوافعها الخاصة، وبعضها يريد تقليل هامش الارتهان للولايات المتحدة، لا مجرد تنفيذ إستراتيجية أمريكية.
إتفاقية مكة تعكس تراجع الثقة على المظلة الأمنية الأمريكية
ولهذا فإن الصيغة الأكثر دقة هي: الاتفاق يخدم جزئياً فكرة تقاسم الأعباء التي تفضلها واشنطن، لكنه في الوقت نفسه يعكس محاولة إقليمية لبناء قدرة ذاتية على الردع.
 
وهنا تكمن المفارقة: قد تستفيد واشنطن من الاتفاق على المدى القصير، لكنها قد تجد نفسها على المدى البعيد أمام نظام أمني إقليمي أكثر استقلالاً عنها.
 
 هل يكمن القول إن هذه الاتفاقية تكون ردّ فعل على تعزيز جبهة المقاومة؟
 
يمكن اعتباره جزءاً من ردّ الفعل على تصاعد الاستقطاب الإقليمي، لكن اختزاله في مواجهة «جبهة المقاومة» فقط سيكون تبسيطاً.
 
هناك عدة دوافع متداخلة: المخاوف السعودية من التهديدات الإيرانية والصواريخ والطائرات المسيّرة، الحسابات التركية المرتبطة بأمنها الإقليمي، والمصالح الباكستانية المرتبطة بأمن الخليج {الفارسي} والهند وموقعها في العالم الإسلامي.
 
والأهم أن الاتفاق يأتي في بيئة أمنية شهدت تراجعاً نسبياً في قدرة الترتيبات التقليدية على منع الصراعات، ولذلك فإن الدول الثلاث تحاول رفع تكلفة أي هجوم عليها من خلال توسيع دائرة الرد.
 
بمعنى آخر: إذا كانت المعادلة السابقة تقوم على «هاجمت دولة واحدة»، فإن المعادلة الجديدة تريد أن تقول: «أنت لا تعرف مسبقاً كم دولة ستدخل المواجهة" وهذا جوهر الردع.  
إتفاقية مكة تعكس تراجع الثقة على المظلة الأمنية الأمريكية
هل نحن أمام انتقال من الاعتماد شبه الحصري على أمريكا إلى شبكات أمنية إقليمية متعددة؟
 
نعم، وهذه في تقديري أهم دلالة استراتيجية للاتفاق. المنطقة تتحرك تدريجياً من نموذج «الضامن الواحد» إلى نموذج شبكات الأمن المتعددة.
 
السعودية لا تريد قطع علاقتها بالولايات المتحدة، وتركيا عضو في الناتو، وباكستان لديها علاقات استراتيجية مع الصين والولايات المتحدة ودول الخليج {الفارسي}. ولذلك فالهدف ليس إنشاء محور مغلق، وإنما بناء هامش مناورة استراتيجي أوسع.
 
وهذا يتوافق أيضاً مع مسار التعاون السياسي الأوسع بين السعودية وتركيا وباكستان ومصر، والذي سبق اتفاق مكة وأظهر توجهاً نحو التشاور الإقليمي بشأن أمن المنطقة. 
 
لذلك يمكن وصف التطور بأنه تنويع استراتيجي لمصادر الأمن وليس فك ارتباط كامل بالولايات المتحدة.
إتفاقية مكة تعكس تراجع الثقة على المظلة الأمنية الأمريكية
هل تستطيع أن تغیّر هذه الاتفاقية موازين القوى رغم الفجوات بين الدول الثلاث وغموض الالتزامات؟
 
نعم، ولكن ليس فوراً، وليس بالضرورة بالطريقة التي يتصورها البعض.
 
الاتفاق يمتلك عناصر قوة كبيرة:
 
السعودية: التمويل والطاقة والموقع الجغرافي.
 
تركيا: جيش كبير، خبرة عملياتية، وصناعة دفاعية متطورة.
 
باكستان: قوة بشرية وعسكرية وخبرة استراتيجية وقدرات ردع استراتيجي.
 
لكن نقطة الضعف الأساسية هي الانتقال من الاتفاق السياسي إلى القدرة العسكرية المشتركة. فحتى الآن لا نتحدث عن قيادة عسكرية موحدة على غرار الناتو، ولا عن منظومة دفاع جوي وصاروخي مشتركة، ولا عن عقيدة عملياتية موحدة. وهذه فجوة جوهرية تجعل الاتفاق في مرحلته الحالية أقرب إلى إطار ردع سياسي-عسكري واعد منه إلى تحالف عسكري مكتمل. 
 
كما أن اختلاف أولويات الدول الثلاث مهم جداً: السعودية تنظر أساساً إلى أمن الخليج {الفارسي} وإيران واليمن؛ تركيا لديها حساباتها في سوريا وشرق المتوسط؛ أما باكستان فتبقى الهند وأمن جنوب آسيا في صلب استراتيجيتها.
 
لذلك فإن اختبار الاتفاق الحقيقي لن يكون في لحظة التوقيع، بل في لحظة الأزمة: ماذا يحدث إذا تعرضت السعودية لهجوم؟ هل تدخل تركيا وباكستان عسكرياً؟ وما حجم التدخل؟ وهل يكون جوياً، استخبارياً، لوجستياً أم برياً؟ هذه الأسئلة لم تُحسم عملياً بعد.
 
إتفاقية مكة ليست «ناتو إسلامياً» بالمعنى المؤسسي حتى الآن، وليست أيضاً مجرد اتفاق رمزي. إنها إشارة استراتيجية إلى ولادة مفهوم جديد للأمن الإقليمي يقوم على تنويع مصادر الردع وتقليل الاعتماد على الضامن الأمريكي الواحد. وقد تكون واشنطن مستفيدة من تقاسم الأعباء في المرحلة الأولى، لكنها في الوقت نفسه أمام واقع جديد: حلفاؤها بدأوا ببناء قدرات أمنية لا تعتمد عليها وحدها.
 
والأهم أن الاتفاق لا ينبغي قراءته فقط من زاوية «ضد من؟»، بل من زاوية أعمق: «من يملك قرار الأمن الإقليمي مستقبلاً؟»
 
وهنا تحديداً تكمن أهمية اتفاق مكة؛ فهو قد يكون بداية انتقال من الأمن الذي تديره القوى الكبرى إلى الأمن الذي تتشارك في هندسته القوى الإقليمية نفسها.
إتفاقية مكة تعكس تراجع الثقة على المظلة الأمنية الأمريكية
captcha