
"بسم الله الرحمن الرحيم
{وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ}
وعد قطعي من الله عز وجل أن هناك يوماً للمستضعفين سوف يكونون هم أسياد الأرض وهم ورثتها.
وهذ الوعد قد كرّس الانبياء والاولياء جهودهم في الدفاع عنه وتحقيقه في مقابل حياة الطواغيت فقد كانت حياتهم مكرسة في احباط آمال المستضعفين فصراع قديم متجدد.
حتى وصلت الرسالات السماوية المساندة للمستضعفين الى معقد آمالهم وهو الامام المهدي(عجل الله فرجه) الذي تكون آمال البشرية معلقة عليه.
إن هذه الآمال يجب أن لا تبقى على المستوى الاعتقادي يجب أن تخرج الى المستوى العملي.
ومن التكاليف التي ينبغي أن يؤديها المؤمن لاجل تحقيق هذا الوعد أمور:
منها: التمهيد لظهوره المبارك بخلق قاعدة مناسبة وساحة مهيئة للنهضة الشريفة.
ومنها: السعي لبلوغ حالة الاستعداد لتصديق المولى وتأييده، حيث نكون في مستوى الدعاء الشريف (دعاء العهد)، والذي نقرأ فيه: اللهم اجعلني من أنصاره وأعوانه والذابين عنه والمسارعين إليه في قضاء حوائجه والممتثلين لأوامره والمحامين عنه والسابقين إلى إرادته والمستشهدين بين يديه.
وفي مستوى الدعاء النير (دعاء الغيبة) والذي نقرأ فيه: واجعلنا يا رب من أعوانه ومقوية سلطانه والمؤتمرين لأمره والراضين بفعله والمسلمين لأحكامه... .
فالانتظار والانتصار تكليف وعمل، وبذل للجهود والأموال والأنفس أحياناً، وسعي لتقريب الإسلام من العقول والقلوب، للعمل به وتطبيقه.
وابراز أمر يجعل هذا المعنى راسخاً في النفس ويكون عقيدة هو جعل يوم لتذكر هذه المعاني.
وهو ما عمله السيد الامام الخميني(قدس سره) من أجل ترسيخ هذه المبادي والمعاني لتضل في فكر البشرية ويكون حافزاً للعمل بها.
وانسب يوم هو اليوم الذي اختاره وهو يوم ولادة مخلص البشرية.
فاختيار هذا اليوم من السيد الامام الخميني(قدس سره) جاء لحكمتين.
الاول: ترسيخ ان الارض لابد ان يرثها المستضعفون ولابد من العمل على هذا الشيء ضد الاستكبار.
وثانياً: ان المخلص للبشرية هو الامام المهدي عجل الله تعالى فرجه.
ولابد من ذكر أمر عقلائي قد ترجمه السيد الامام(قدس سره) وجعله واقعاً عملياً باختياره يوم النصف من شعبان مثلاً يوم المستضعفين وآخر جمعة من شهر رمضان يوم القدس العالمي لماذا هذا التركيز على اختيار يوم محدد لهذه المعاني.
ونقول في ذلك: الذكرى هي حالة امميّة متعارفة لدى العقلاء وذلك عندما يفرحون بأمر، فإنّهم يترجمون هذا الأمر من خلال نصب تذكاري يقيمونه مثلاً، أو من خلال يوم يخصص للاحتفال بهذا الامر، وهذا أمر شائع في عرف الدول، كيوم الأرض، أو يوم الزرع، أو يوم الصحة، وتحيى هذه المفاهيم من خلال التركيز على شعاراتها.
والقرآن الكريم قد ذكر هذه النقطة عندما طلب الحواريون من عيسى بن مريم عليه السلام كما يقول القرآن الكريم (رَبَّنا أَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ تَكُونُ لَنا عيداً لِأَوَّلِنا وَ آخِرِنا)، فنزول المائدة هبة إلهيّة وتفضّل إلهيّ مناسب لأنْ يحيي هذه الذكرى، ذكرى التفضّل الإلهي من خلاله، كإنزال المن والسلوى مثلاً، وكذلك رب العالمين أراد منّا أنْ نعبده فجعل لعبادته عناصر ماديّة كالكعبة، والحجر الأسود، وهي حجارة، فالإسلام أراد من خلال هذه المذكرات المادية أنْ يربطنا بالمفاهيم التوحيدية والأعياد الشرعية.
إنّ المفاهيم المعنوية في الإسلام مجسّدة من خلال تعظيمات بعض الأيام، فيوم الفطر المبارك يحتفل به المسلمون لانتصارهم على الذات والهوى وما شابه ذلك، وكذلك الحال في عيد الأضحى، وكذلك الجمعة، ولخصوص الموالين ذكرى الغدير، إذ يحيون في ذلك اليوم مفهوم الولاية. إذن القضية عقلائية عقلية.
فاختيار الامام الخميني(رض) كان على النسق الاسلامي العقلائي لكي نستوي ونتذكر ونعمل من أجل الامام المهدي(عج) وتهيئة دولته التي تكون نصرة للمستضعفين.
اللهم اجعلنا من انصاره واعوانه.
والحمد لله رب العالمين".
بقلم رجل الدين العراقي ومدير مركز النجف الأشرف للتأليف والتوثيق والنشر "الشيخ محمد الكرباسي"